
فتح الدكتور ملف التحاليل، وطلع منه ورقتين، وحطهم قدامي.
إحنا حللنا بقايا الفطار، وكمان المسحوق اللي كان موجود في البرطمان. والنتيجة أكدت إن فيه مادة غير معتادة، وممكن تكون مؤثرة حسب طبيعتها والجرعة اللي اتعرض لها الجسم.
حطيت إيدي على صدري، وقلت بصوت مكسور: يعني أنا كنت باكل المادة دي كل يوم لمدة ٥٧ سنة؟!
هزّ الدكتور راسه وقال: مش بالضرورة. إحنا لسه مانعرفش إذا كانت المادة دي موجودة في كل البرطمانات، ولا في البرطمان اللي حضرتك جبتِيه بس. ومش عارفين كمان إذا كان بوبي أكل نفس الكمية اللي إنتِ كنتِ بتاكليها.
سكت لحظة، وبعدين سألني سؤال غريب: يا مدام ماري، جوز حضرتك كان بيشتغل إيه قبل ما يتقاعد؟
استغربت السؤال، لكن جاوبته: كان صيدلي، واشتغل في مصنع أدوية سنين طويلة، قبل ما يفتح صيدلية صغيرة ويقفلها من حوالي عشرين سنة.
أول ما سمع إجابتي، رفع عينيه وبصّ لي بتركيز شديد.
صيدلي؟! حضرتك متأكدة إنه كان بيحضّر الخلطة دي بنفسه؟
قلتله: أيوه، كنت بشوفه وهو بيخلط المسحوق في الأكل. وكان بيقولي إنها وصفة قديمة من أيام ما كان بيشتغل، وإنها بتحافظ على صحته وصحتي.
الدكتور رجع بظهره لورا، وفضل ساكت ثواني، وبعدها قال: في حاجة تانية لازم أعرفها. خلال آخر عشر سنين، هل جوز حضرتك كان بيصرّ إنك تاخدي أي أدوية أو مكملات غذائية من غير ما تروحي لدكتور؟
افتكرت فجأة علبة صغيرة كان بيحتفظ بيها في درج مكتبه، وكان كل ما أسأله عنها يقولي إنها فيتامينات مخصوصة ليا.
قلتله: أيوه! كان بيديني كبسولة كل يوم بعد الفطار. وكان بيأكد عليّا إني ما أنساش جرعتي أبدًا.
الدكتور مدّ إيده وطلب مني أوصف له شكل العلبة.
ولما خلصت وصفها، طلب مني ما أرجعش البيت لوحدي، وإنّي أتواصل مع طبيب بشري في أسرع وقت بسبب احتمال تعرضي لمادة غير مناسبة.
وبعدين قال جملة خلت القوة تتجمّد في عروقي: يا مدام ماري، فيه تفصيلة في التحليل مش قادر أتجاهلها. إحنا لقينا إن المادة الموجودة في العينة ممكن تفسّر بعض الأعراض اللي حضرتك حكيتي عنها، لكن لسه محتاجين فحوصات تانية علشان نعرف إذا كانت أثّرت على صحتك فعلًا.
بصّيت له وأنا بترعش: طب وجوزي؟ هو كان عارف؟!
الدكتور ما جاوبش فورًا.
فتح درج مكتبه، وطلع صورة من ملف قديم، وحطها قدامي.
حضرتك تعرفي الراجل ده؟
مسكت الصورة بإيد مرتعشة، وأول ما شفتها، شهقت من الصدمة!
كان جوزي واقف قدام مبنى قديم، لابس بالطو أبيض، وبجانبه راجل تاني عمره ما شفته في حياتي.
لكن اللي خلاني أرفع عيني للدكتور في قلق، كان التاريخ المكتوب على ظهر الصورة.
الصورة كانت متصورة من ٣٥ سنة، قبل ما تبدأ الأعراض اللي كنت بعاني منها بسنين طويلة!
سألته وأنا مش قادرة أتنفس كويس: مين الراجل اللي واقف جنبه ده؟!
الدكتور قرب الصورة من عينيّ، وقال: ده الشخص اللي كان مسؤول عن المعمل اللي جوز حضرتك اشتغل فيه زمان… والغريب إن اسمه ظهر في مراجعة قديمة عن اختفاء سجلات طبية من نفس المكان.
وبعدين فتح صفحة تانية من الملف، وأشار بإصبعه لاسم مكتوب في آخرها.
كان اسم جوزي!
لكن تحته مباشرة، كانت فيه ملاحظة مكتوبة بخط مختلف، خلت الدكتور يطلب مني أقعد قبل ما أكمّل القراءة.
الملاحظة كانت بتقول إن جوزي نفسه طلب إجراء فحوصات سرية لزوجته… قبل أكتر من عشرين سنة!
يا ترى جوزها كان بيحاول يعالجها من حاجة خطيرة، ولا كان بيخفي عنها سر أكبر من مجرد الخلطة السرية؟ وليه طلب الفحوصات من غير ما تعرف؟
يتبع…
فضلت باصة للاسم المكتوب في الملف، وحسّيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
جوزي؟! هو بنفسه طلب فحوصات سرية ليا من عشرين سنة؟!
رفعت عيني للدكتور وقلتله بصوت مخنوق: أنا عايزة أفهم! إيه الفحوصات دي؟ وإزاي جوزي يطلب حاجة تخص صحتي من غير ما أعرف؟!
الدكتور قفل الملف بهدوء، وقال: يا مدام ماري، المشكلة إن السجلات القديمة ناقصة، ومش هنقدر نعرف الحقيقة كاملة غير لما نراجع باقي المستندات. لكن فيه حاجة لازم حضرتك تعرفيها… الفحوصات دي ما كانتش مجرد تحاليل عادية.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
أمال كانت إيه؟!
فتح الملف مرة تانية، وطلع ورقة صفراء قديمة، أطرافها كانت متآكلة من الزمن.
دي نسخة من طلب الفحوصات اللي جوزك قدّمه بنفسه. بصّي على السطر الأخير.
مسكت الورقة وقربتها من عينيّ، وبدأت أقرأ بصعوبة.
كان مكتوب: يُرجى عدم إبلاغ المريضة بنتائج الفحص قبل استكمال المرحلة الثانية من المتابعة.
حطيت إيدي على بقي.
يعني إيه المرحلة الثانية؟! هو كان بيجرّب فيّا حاجة؟!
الدكتور رد بحذر: ما نقدرش نستنتج ده من الورقة وحدها. ممكن يكون فيه تفسير طبي، وممكن يكون فيه تصرّف غير مبرر. عشان كده لازم نعرف إيه اللي حصل بعد الفحص الأول.
فجأة، افتكرت حاجة ما كنتش ربطتها بالموضوع قبل كده.
من حوالي عشرين سنة، كنت تعبانة جدًا. كنت بحس بإرهاق غريب، ودوخة، وصداع متكرر. جوزي وقتها أخدني لدكتور، وبعد الكشف قال لي إن عندي نقص في بعض العناصر الغذائية، وإن الموضوع محتاج متابعة.
لكن الغريب إنه بعدها أصرّ إنه هو اللي يتولى كل أدويتي، وكان يرفض حتى إني أحتفظ بالروشتة بنفسي.
حكيت للدكتور كل ده.
وفجأة، سألني: هل لسه عند حضرتك أي أوراق طبية قديمة أو علب أدوية كان جوزك محتفظ بيها؟
افتكرت درج المكتب الخشبي اللي كان في أوضتنا.
قلتله: فيه درج كان دايمًا بيقفله بالمفتاح، ولما غاب، ما حاولتش أفتحه. المفتاح الوحيد كان في سلسلة مفاتيحه، وأنا لسه محتفظة بيها.
الدكتور اعتدل في كرسيه وقال: لازم نعرف إيه الموجود في الدرج ده، لكن الأهم دلوقتي إن حضرتك تعملي تقييم طبي عاجل، وما تاخديش أي مسحوق أو كبسولات مجهولة المصدر.
خرجت من المعمل وأنا حاسة إني ست تانية، مش الست اللي عاشت مع جوزها سبعة وخمسين سنة وكانت فاكرة إنها تعرف عنه كل حاجة.
رجعت البيت، وأول ما دخلت أوضتنا، عيني راحت على المكتب القديم.
طلعت سلسلة مفاتيحه من علبة صغيرة كنت حطاها في الدولاب، وبدأت أجرب مفتاح ورا التاني.
المفتاح الرابع فتح الدرج.


