منوعات

عندما التقطت هذة الصورة

القصة المنسية لعائلة تينيسي التي أنجبت ثلاثة عشر ابنًا صورة من عام 1955 وثّقت حياة أمريكية بدأت تختفي
هناك صور فوتوغرافية لا تكتفي بتوثيق لحظة عابرة من الزمن، بل تحتفظ بين تفاصيلها بحكاية حياة كاملة، وتعيد إلينا ملامح عصر مضى بكل ما كان يحمله من بساطة وتقاليد وروابط إنسانية.
هذه الصورة، التي التُقطت عام 1955 في مدينة جونزبورو بولاية تينيسي الأمريكية، تبدو للوهلة الأولى عادية للغاية. منزل ريفي خشبي يقف بهدوء في الخلفية، وشجرة ضخمة تمتد أغصانها فوق الفناء، وأب يرتدي قبعة ويقف إلى جوار زوجته. وأمامهما يصطف ثلاثة عشر فتى في صف منتظم، مرتبين من الأصغر إلى الأكبر.
للوهلة الأولى، قد يظن المرء أنها مجرد صورة عائلية تقليدية.
لكن كلما أطلت النظر إليها، بدأت تفاصيلها تكشف عن حكاية مختلفة تمامًا.
هؤلاء الفتيان الثلاثة عشر كانوا جميعًا إخوة، وكل واحد منهم ابن لإيموري هاريسون وزوجته. ثلاثة عشر طفلًا وُلدوا في المنزل نفسه، ونشأوا تحت السقف ذاته، وتشكلت شخصياتهم وسط الأرض التي عاشوا وعملوا عليها.
وفي زمن كانت فيه العائلات الأمريكية أكبر عددًا، وكانت المجتمعات الريفية تقوم على التعاون والتكاتف بين أفرادها، مثّلت حكايتهم صورة من حياة كانت تتراجع تدريجيًا أمام التغيرات التي شهدها المجتمع الأمريكي.
لم تكن عائلة هاريسون تعيش وسط مظاهر الرفاهية. لم تكن هناك علامات على الثروة، ولا ملابس باهظة الثمن، ولا دلائل على حياة تتمحور حول الراحة والترف.
لكنهم امتلكوا شيئًا يصعب قياس قيمته؛ منزلًا يعج بأفراد يعتمد كل منهم على الآخر، ويعرف أن عليه دورًا يؤديه داخل هذه العائلة الكبيرة.
بالنسبة إلى عائلة هاريسون، كانت الحياة تدور حول المزرعة. يبدأ اليوم مبكرًا، ولا ينتهي إلا بعد إنجاز الأعمال المطلوبة. كانت هناك حيوانات تحتاج إلى الرعاية، وحقول ينبغي الاعتناء بها، وأدوات تحتاج إلى الإصلاح، ومسؤوليات لا تنتهي تفرضها طبيعة الحياة الريفية.
ومع وجود ثلاثة عشر ابنًا في المنزل، لم يكن من الصعب العثور على شخص يحتاج إلى المساعدة في كل زاوية من زوايا المزرعة.
كان الصغار يراقبون إخوتهم الأكبر سنًا ويتعلمون منهم، بينما يتحول الكبار تدريجيًا إلى مساعدين وقدوات يتحملون جانبًا من المسؤولية داخل المنزل.
كان لكل طفل دوره، ليس لأن أحدًا أرغمه على تحمل المسؤوليات قبل أوانه، بل لأن تلك كانت ببساطة طبيعة الحياة في المزرعة.
فالعائلة بهذا العدد الكبير لا يمكنها الاستمرار دون تعاون حقيقي بين أفرادها.
كان إعداد الطعام يتطلب كميات كبيرة تكفي الجميع، وكانت الملابس تحتاج إلى الغسل والإصلاح باستمرار، كما كان لا بد من توزيع الأعمال اليومية حتى لا يتحمل شخص واحد العبء كله.
كان الجميع يساهم بشيء ما، ولم تكن قيمة الإنسان تُقاس بما يمتلكه من أشياء، بل بما يستطيع تقديمه لمن حوله.
كان ذلك هو إيقاع الحياة في كثير من المزارع الأمريكية خلال تلك الحقبة.
لكن العالم خارج باب منزلهم كان يتغير بسرعة كبيرة.
ففي خمسينيات القرن العشرين، كانت الولايات المتحدة تتجه نحو مستقبل جديد. أخذت المدن تتوسع، وبدأت أجهزة التلفاز تدخل المنازل، وأصبحت الطرق السريعة تربط المجتمعات بعضها ببعض، بينما غادر كثير من الشباب المزارع بحثًا عن فرص جديدة وحياة مختلفة.
ومع ذلك، ظلت عائلات مثل عائلة هاريسون متمسكة بتقاليد توارثتها الأجيال.
لم تكن المزرعة بالنسبة إليهم مجرد مكان للسكن.
بل كانت مدرسة حقيقية للحياة.
ففيها تعلم الأطفال الصبر، وتحمل المسؤولية، وأهمية مساعدة الآخرين.
تعلموا أن العمل الشاق ليس شيئًا ينبغي الخوف منه، بل جزء من الحياة يمنحها معنى وقيمة. وتعلموا أنه عندما يعجز أحد أفراد العائلة عن مواجهة مشكلة، فإن الآخرين يتقدمون لمساعدته.
وأدركوا أن العائلة ليست مجرد أشخاص يحملون اسمًا واحدًا، بل هي مجموعة من البشر يقفون إلى جانب بعضهم مهما كانت الظروف.
وعندما تنظر إلى الإخوة الثلاثة عشر في الصورة، يمكنك أن تتخيل بسهولة الأصوات التي كانت تملأ منزلهم خلال سنوات الطفولة.
ضحكات تتردد في أرجاء المنزل الريفي، وخطوات صغيرة تركض فوق الأرضيات الخشبية، وأحاديث تدور حول مائدة طعام مزدحمة، ومشاحنات لا تحدث إلا بين الإخوة، يعقبها الصفح والمصالحة، لأنهم يعرفون أنهم سيعودون في اليوم التالي للعمل جنبًا إلى جنب من جديد.
لا بد أن النشأة وسط اثني عشر أخًا قد صنعت عالمًا مختلفًا تمامًا عن الحياة التي يعرفها معظم الأطفال اليوم.
لم يكن هناك نقص فيمن يشاركك اللعب.
ولا نقص فيمن يعلمك شيئًا جديدًا.
ولا نقص في شخص يفهم تمامًا البيئة التي نشأت فيها، لأنه عاش التجربة نفسها.
أما أصغر الأبناء، فقد كان إخوتُه الأكبر سنًا بالنسبة إليه أكثر من مجرد أشقاء؛ كانوا مرشدين يعلّمونه كيفية العمل، والتعامل مع الصعوبات، وأن يكون جزءًا من شيء أكبر من ذاته.
وبالنسبة إلى الأبناء الأكبر سنًا، كان وجود إخوة أصغر منهم يعني تعلم المسؤولية في سن مبكرة. فلم يكونوا مجرد أطفال يعيشون في المنزل، بل كانوا جزءًا من المنظومة التي تساعد العائلة على مواصلة حياتها.
لقد نشأت الرابطة بين هؤلاء الإخوة من خلال آلاف اللحظات اليومية البسيطة التي لم توثقها أي

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى