
وأنا بغسّل شاب عنده 19 سنة، أبوه فضل يترجاني ما أفكش الشاش اللي ملفوف على إيده
مكنتش فاهم هما مخبيين إيه، لحد ما الشاش وقع من إيده، وشوفت حاجة خلتني اقف في مكاني مذهول وأنا ببص للأب وأقوله: إيه اللي حصل لابنك؟
لكن الصدمة الحقيقية كانت بعد ما خلصت تجهيزه، لما الأب رفض يصلي على ابنه بعد صلاة الفجر، وقال لي جملة عمري ما نسيتها.
كنت شغال في مناوبة مسائية، وفجأة تليفوني رن، ولما رديت لقيت راجل بيقول لي بصوت هادي:
ـ ابني رحل يا شيخ، ومحتاجك تيجي تجهزه علشان ندعو له ونواريه.
طلبت منه العنوان، وخدت حاجتي وروحت على المكان اللي وصفهولي.
والغريب إني لما وصلت، ملقتش أي علامة تدل إن فيه حالة رحيل في البيت. الشارع كان هادي، ومفيش جيران متجمعين ولا حد داخل أو خارج زي ما بيحصل عادة لما حد يرحل.
اتصلت بالأب وقلت له إني وصلت، فقال لي إنه نازل لي. وبعد لحظات لقيته خارج من نفس العمارة اللي واقف قدامها.
سألته:
ـ ابنك فين؟
قال لي:
ـ في الملحق يا شيخ، تعالى معايا.
طلعنا ودخلنا الملحق، وهناك شفت الشاب ممدد على سريره، وكان عنده 19 سنة. أبوه كان مجهز له المكان بكل وسائل الترفيه، وكان حريص إنه يوفر له كل حاجة جواه، علشان ما يضطرش ينزل ويختلط ببعض أصحاب المنطقة.
قربت من السرير ورفعت الغطاء علشان أبدأ أجهزه، لكن أول حاجة لفتت نظري كانت إيده اليمين. كانت ملفوفة بشاش طبي، وفيه آثار إصابة واضحة من فوق وتحت.
بصيت لأبوه وسألته:
ـ إيه اللي حصل له؟ وإيه سبب الإصابة دي؟
رد عليّا باختصار:
ـ حصل له أمر يا شيخ.
مسألتوش تاني، وقلت له:
ـ تحب نجهزه فين؟
قال لي إن فيه مكان مخصص لغسيل الملابس في الملحق، وإننا نقدر نجهزه هناك.
جهزت أدوات الغسل والكفن، وطلبت منهم ينقلوه ويحطوه على خشبة الغسل. وبدأت أعمل اللي متعود عليه في تجهيز الفقيد، وبعد ما خلصت تنظيفه وبدأت أتوضيه، جيت عند إيده اليمين.
هنا افتكرت الشاش والأثر اللي شوفته من شوية.
حاولت أفك الضمادة علشان أنضف الإصابة وأوقف الأثر، لكن أبوه قرب مني بسرعة، ومسك إيدي وقال:
ـ أرجوك يا شيخ، سيب إيده زي ما هي، متفكش الشاش.
استغربت وقلت له:
ـ يا أخي الأثر لسه بيطلع من تحت الشاش، لازم أنضف الإصابة وأحط له ضمادة جديدة.
لكنه أصر على كلامه، وفضل يترجاني ما ألمسش إيده.
وفي وسط الكلام، دخلت أمه من الأوضة اللي جنبنا، وكانت منهارة وبتعيط، وقربت مني وهي بتقول:
ـ يا شيخ، أرجوك استر على ابني، ربنا يستر عليك!
الأب اتفاجئ بدخولها، فخلع شماغه وغطى وشها، ورجعها الأوضة تاني وهو بيقول لها بعصبية:
ـ فضحتينا! الشيخ ما يعرفش حاجة!
ساعتها بدأت أحس إن فيه سر كبير بيحاولوا يخبوه، وإن موضوع الشاش مش مجرد إصابة عادية زي ما الأب قال.
لكن أنا كان قدامي فقيد لازم أهيئه، ومش هينفع أسيب الأثر في إيده من غير ما أحاول أنضفها.
فضلت أصب الميه على الشاش لحد ما اتشبع، وبعد شوية سيبته، وفجأة لقيت قطعة الشاش وقعت من إيده.
بصيت على كفه، واتصدمت من اللي شوفته!
إيده كانت مقفولة بقوة على قطعة سوداء صغيرة، والأثر مغطي أجزاء منها.
قربت أكتر علشان أعرف إيه القطعة دي، ولما اتضح لي شكلها، بصيت للأب وقلت له:
ـ إيه ده؟! ابنك كان ماسك إيه؟ وإيه اللي حصل له بالضبط؟!
الأب سكت، وأخوه كان واقف جنبه مش عارف يقول إيه.
لكن لما عرفت إيه اللي حصل في الليلة دي، فهمت ليه الأم كانت بتترجاني أستر على ابنها، وليه الأب كان مصمم إني ما أفكش الشاش مهما حصل.
والأغرب من كل ده، إن الأب بعد ما انتهيت من تجهيز ابنه، رفض إنه يصلي عليه مع المصلين بعد صلاة الفجر، وقال لي كلام خلاني أقف قدامه مش مصدق اللي بسمعه…
يتبع في الجزء التاني…
الجزء الثاني والأخير…
بصيت للأب وأنا مش قادر أستوعب اللي شايفه، وقلت له:
ـ يا أخي، إيه اللي لابنك
تنهد تنهيدة طويلة، وبعد لحظات بدأ يحكي لي اللي حصل في الليلة اللي رحل فيها ابنه.
قال لي إنهم كانوا قاعدين كلهم على العشاء، وفجأة دخل ابنه البيت بسرعة وطلع على الملحق بتاعه من غير ما يقعد معاهم.
ناداه أبوه وقال له:
ـ يا فلان، تعالى اتعشى معانا.
رد عليه من فوق:
ـ مش جعان دلوقتي، ابعتولي العشاء مع الخدامة.
الأب قال إنهم ما استغربوش، لأنه كان متعود يقضي وقت طويل لوحده في الملحق، خصوصًا إنه كان مجهز له كل وسائل الراحة والترفيه، وكانوا فاكرين إنهم كده بيحموه من أصحاب السوء ومن الاختلاط بأصدقاء ممكن يأثروا عليه.
عدت الساعات، ولما الساعة بقت بعد نص الليل، طلعت الخادمة بالأكل وراحت تخبط على الباب.
خبطت مرة واتنين، ونادت عليه باسمه، لكنه ما ردش.
كان صوت التلفزيون مسموع من جوه، فافتكرت إنه مش سامعها، ونادت عليه تاني، لكن مفيش أي استجابة.
نزلت بسرعة وبلغت أبوه وأمه.
طلع الأب ومعاه أولاده، وفضلوا يخبطوا على الباب وينادوا عليه، لكن مفيش رد.
كان فيه شباك بيطل على سطح البيت، فبصوا منه، وشافوه ممدد على السرير.
حاولوا ينادوا عليه مرة تانية، لكنه ما اتحركش.
اضطروا يكسروا الباب، ولما دخلوا كانت الصدمة…
ابنهم كان فقيد على السرير، والتلفزيون شغال قدامه، وإيده اليمين مقفولة بقوة على جهاز التحكم.
الشاب كان بيتابع محتوى سيئ، ورحل وهو بيشاهد حاجة من الحاجات الخاطئة دي، وكان فاكر إن قفل الباب هيخلي محدش يشوفه.
نسي إن فيه عين عمرها ما بتغفل عنه، وإن ربنا سبحانه وتعالى مطّلع على السر والعلن.
حاول الأب وأخوه يفتحوا إيده ويخرجوا قطعة الريموت، لكن قبضته كانت شديدة جدًا، ومقدروش يطلعوها.
جابوا منشار حديد صغير، وحاولوا ينشروا الجزء الظاهر من القطعة علشان يقدروا يخرجوا الباقي، لكنهم ما نجحوش، وكل اللي حصل إن إيده اتأذت من فوق وتحت، وفضل جزء من الريموت محبوس بين صوابعه.
ولما سألته عن سبب إصراره إننا ما نفكش الشاش، فهمت إنه كان بيحاول يخفي آثار اللي حصل عن أي حد يشوف ابنه بعد رحيله.
سكت الأب، وكان واضح إن الكلام تقيل عليه، وأنا كمان مقدرتش أتكلم.
لكن اللي حصل بعد ما خلصت تجهيز الشاب كان أصعب من كل اللي فات.
بصيت للأب وقلت له:
ـ خلاص يا أخي، جهزنا ابنك، يلا نحمله ونروح نصلي عليه بعد صلاة الفجر.
فاجأني برده وقال:
ـ لا يا شيخ، أنا مش عايز أصلي عليه دلوقتي!
بصيت له باستغراب وقلت:
ـ ليه يا أخي؟ ده ابنك، وحقه علينا ندعيله ونصلي عليه.
قال لي بصوت مكسور:
ـ كفاية يا شيخ، ابني فضحنا في الدنيا، فكيف بالآخرة؟
الجملة دي وجعت قلبي، مش عارف أواسيه ولا أرد عليه.
قلت له:
ـ يا أخي، اتقِ الله، إحنا ما نعرفش ربنا هيعامله إزاي، ومحدش فينا يقدر يحكم على مصير حد. يمكن يكون له عند ربنا باب رحمة إحنا ما نعرفوش عنه حاجة. ده ابنك، ادعيله بالرحمة والمغفرة، ومتمنعش عنه دعاء المسلمين.
وقلت له إننا ممكن نروح المسجد، ويمكن يكون فيه مصلّي قلبه حاضر يرفع إيده ويدعي لابنه دعوة صادقة تكون سببًا في رحمة ربنا بيه.
لكن الأب كان رافض، وعمه وأخوه كانوا ساكتين، وكأنهم متفقين معاه.
حاولت أقنعه أكتر من مرة، لكن من غير فايدة.
خرجت من البيت وأنا تعبان ومهموم، مش قادر أنسى منظر الشاب وهو على خشبة الغسل، ولا منظر أبوه وهو بيحاول يخفي إيده، ولا الأم وهي بتترجاني أستر على ابنها.
وبعد شوية لحقني الأب وقال لي:
ـ خلاص يا شيخ، هنصلي عليه، بس مش بعد صلاة الفجر.
قلت له إني مش هقدر أأخر الصلاة عليه بالطريقة دي، وإنهم لو مصممين يأجلوا، فممكن نصلي عليه وقت الظهر.
تركتهم ومشيت، وفي الصبح، حوالي الساعة التاسعة، حملوا الجسد وحطوه في عربية جيمس، وراحوا بيه المقبرة.
صلوا عليه هناك مع بعض الموجودين والعاملين في المقبرة، وبعدها واروه.
ووُوري الشاب وهو لسه قابض على بقايا قطعة الريموت في إيده، بعد ما عجزوا عن إخراجها.
فضلت الحكاية دي في قلبي، وكل ما افتكرتها كنت بسأل نفسي: يا ترى لو الشاب ده كان يعرف إن دي آخر ليلة في عمره، كان هيختار يقضيها بالشكل ده؟
يا ترى لو الأب والأم كانوا يعرفوا إن ابنهم هيرحل في الليلة دي، كانوا هيعملوا إيه؟ كانوا هيطلبوا منه يقعد معاهم شوية؟ كانوا هينصحوه؟ كانوا هيفضلوا جنبه لحد ما ينام؟
لكن الحقيقة اللي لازم كلنا نفتكرها إن الرحيل مش بيستأذن حد، ومش بيقول لنا استعدوا، ولا بيدينا فرصة نرتب آخر لحظاتنا.
يا أخي، ويا أختي… صابرين محمد
مش كل حاجة بنعملها في الخفاء بتكون بعيدة عن الحساب، ومش معنى إن باب الأوضة مقفول إننا بقينا في أمان من نظر ربنا.
إحنا ساعات بنخاف إن الناس تعرف أخطاءنا، وبننسى إن الأهم من خوفنا من كلام الناس هو خوفنا من الوقوف بين إيدين ربنا.
ولو وقعت في ذنب، ما تستسلمش، وما تقولش خلاص أنا بقيت بعيد عن ربنا. ارجع له، واستغفره، وجاهد نفسك، واقفل الباب اللي بيدخلك للمعصية، قبل ما ييجي يوم تتمنى فيه ترجع دقيقة واحدة بس علشان تعمل طاعة كنت مأجلها.
ومتستناش لما تكبر، ولا لما تفضى، ولا لما ظروفك تتحسن… محدش ضامن عمره.
والأهم من ده كله، ما تحكمش على فقيد، ولا تتعامل مع ذنوبه كأنك عارف نهايته عند ربنا. إحنا بنخاف من سوء الخاتمة، لكن بنرجو رحمة ربنا لكل عاصٍ تاب أو لم نعلم حاله، فباب رحمته أوسع من ظنوننا.
اللهم استر عيوبنا، واغفر ذنوبنا، وتب علينا قبل الرحيل، وارزقنا توبة صادقة لا نرجع بعدها للمعصية، وثبّتنا عند السؤال، وارزقنا حسن الخاتمة.
اللهم لا تقبض أرواحنا إلا وأنت راضٍ عنا، وارحم موتانا وموتى المسلمين، واجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. صابرين_محمد
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ﷺ.
تمت



