روايات وقصص

حكايات ميراا

عجوز فضلت قاعدة 47 دقيقة في مطعم فاخر محدش قدر يفهمها لحد ما جرسونة مصرية قررت تتعامل معاها بطريقة غيّرت حياتها للأبد!
في مطعم راقي في قلب القاهرة، كانت الحاجة فاطمة الشناوي قاعدة لوحدها على ترابيزة بقالها 47 دقيقة، ومش قادرة حتى تطلب كوباية مية، رغم إن 3 جرسونات عدّوا من قدامها وكأن وجودها مشكلة محدش عايز يتعامل معاها.
الحاجة فاطمة عندها 73 سنة، والمطعم ده مملوك لمجموعة الشناوي للاستثمارات العقارية، اللي بيديرها ابنها أحمد الشناوي، البالغ من العمر 41 سنة.
الحاجة فاطمة فقدت سمعها من 8 سنين، وبقت بتعتمد على قراءة الشفايف عشان تفهم اللي حواليها.
لكن اللي حصل الليلة دي كان كفيل إنه يكسر خاطرها أكتر.
أول جرسون اتكلم معاها بصوت عالي جدًا، والتاني حاول يشرح لها المنيو على ورقة بخط مش مفهوم، والتالت اتضايق ومشي من غير ما يكمل كلامه معاها.
في اللحظة دي، مدير المطعم نادى على مريم حسن، جرسونة عندها 27 سنة، وبتشتغل في المكان من سنتين تقريبًا.
مريم كانت معروفة وسط زملائها إنها هادية، قليلة الكلام، وبتبعد عن أي مشاكل.
المدير قرب منها وقال بحدة
شوفي الست دي عايزة إيه، وخلّصي بسرعة. لو اتضايقت واشتكت، ابن صاحب المطعم هيحاسبنا كلنا، وإنتِ أول واحدة هتتحملي المسؤولية.
مريم ما ردتش عليه، لكنها اتحركت ناحية ترابيزة الحاجة فاطمة بهدوء، وسحبت كرسي وقعدت جنبها عشان تبقى في مستوى نظرها.
وبابتسامة بسيطة، بدأت تتكلم بلغة الإشارة
مساء الخير يا حاجة فاطمة، أنا مريم. تحبي أشرح لحضرتك الأكل الموجود في المنيو؟
الحاجة فاطمة رفعت عينيها فجأة، وبصت لمريم بدهشة شديدة.
وبعدين ردت عليها بلغة الإشارة
إنتِ بتعرفي تتكلمي معايا؟
مريم ابتسمت وقالت
طبعًا يا حاجة، أنا اتعلمت لغة الإشارة من وأنا صغيرة، لأن أختي اتولدت وهي مش بتسمع.
لأول مرة من بداية الليلة، وش الحاجة فاطمة اتغير، وظهرت على ملامحها ابتسامة حقيقية.
بدأت مريم تشرح لها الأطباق، وتسألها بتحب إيه، وتضحك معاها على شكل بعض الأكلات الغريبة اللي المطعم بيقدمها بأسعار خيالية.
ضحكة الحاجة فاطمة كانت صادقة لدرجة إن أحمد الشناوي، اللي كان قاعد في آخر القاعة، رفع عينيه عن موبايله وبص ناحيتهم باستغراب.
كان عمره ما شاف أمه بتضحك بالشكل ده وسط ناس غريبة.
بعد شوية، الحاجة فاطمة كتبت على موبايلها رسالة وورّتها لمريم
بعيدًا عن الدكاترة، بقالى 3 سنين محدش قعد يتكلم معايا محادثة كاملة. كل الناس بتستعجلني، أو بتتكلم معايا كأني مش فاهمة حاجة.
مريم حسّت بغصة في قلبها، ومسكت إيدها برفق، وبعدها كملت معاها الكلام من غير ما تحسسها إنها مختلفة عن أي زبونة تانية.
لكن اللحظة الجميلة دي ما استمرتش طويلًا.
ظهرت داليا منصور، خطيبة أحمد من 4 سنين، وكانت معروفة بتعاملها المتعالي مع العاملين في المطعم.
وقفت قدام مريم، وبصتلها بسخرية وقالت
هو إيه اللي بيحصل هنا؟ الجرسونات بقوا يقعدوا مع الزباين ويتكلموا معاهم بدل ما يشتغلوا؟
الحاجة فاطمة ما سمعتش كلام داليا، لكنها لاحظت تعبيرات وشها، فبصت لمريم وسألتها بلغة الإشارة
هي بتقول إيه؟
مريم اترددت لحظة، لكنها قررت إنها مش هتخبي عنها الحقيقة، فترجمت لها كلام داليا زي ما هو.
الحاجة فاطمة رفعت إيديها وبدأت ترد بلغة الإشارة، وملامح وشها اتغيرت تمامًا.
مريم بصتلها باهتمام، وبعدها التفتت ناحية داليا وقالت بهدوء
الحاجة فاطمة بتقول إنها بقالها 4 سنين بتشوفك داخلة بيتها، ومع

ذلك عمرك ما حاولتي تتعلمي حتى إشارة واحدة عشان تعرفي تتواصلي معاها. وبتقول إن الجرسونة اللي إنتِ شايفاها أقل منك، قدرت في 20 دقيقة تخليها تحس إن فيه حد مهتم بيها بجد.
وش داليا احمر من الڠضب، وفتحت بقها عشان ترد، لكن صوت أحمد جه من وراها
ممكن تعيدي الكلام اللي اتقال دلوقتي؟
أحمد كان واقف وراهم، وسمع آخر جملة، لكنه ما كانش فاهم لغة الإشارة.
مريم بصت له وقالت بثبات
أنا نقلت لحضرتك كلام الحاجة فاطمة بالضبط، من غير ما أزوّد أو أنقص منه حاجة.
أحمد بص لأمه، وبعدها بص لمريم، وكأنه لأول مرة بيكتشف إن فيه حاجات كتير كان غافل عنها في حياة أمه.
وفي صباح اليوم التالي، مريم تلقت مكالمة من رقم غريب.
كان أحمد الشناوي على الطرف التاني.
قال لها مباشرة
يا مريم، أنا عايز أقابلك النهارده. عندي عرض شغل ليكي، بمرتب 3 أضعاف مرتبك الحالي.
مريم اټصدمت، وسألته
هو أنا عملت حاجة غلط يا أستاذ أحمد؟
رد عليها بصوت جاد
بالعكس تمامًا. إنتِ عملتي حاجة محدش فينا قدر يعملها من سنين. بس قبل ما أقولك تفاصيل الشغل، لازم أحكيلك عن حاجة تخص أمي، وحاجة تانية اكتشفتها عنك بالصدفة.
والسر اللي كشفه أحمد لمريم في المقابلة، كان أكبر بكتير من مجرد وظيفة بمرتب 3 أضعاف!
السر اللي كشفه أحمد الشناوي لمريم حسن قلب حياة العيلة كلها!
في صباح اليوم التالي، مريم فضلت طول الليل تفكر في مكالمة أحمد الشناوي.
كانت بتسأل نفسها يا ترى إيه اللي ممكن يخلي ابن صاحب المطعم يعرض عليها مرتب 3 أضعاف مرتبها، لمجرد إنها قعدت مع أمه واتكلمت معاها بلغة الإشارة؟
وصلت مريم للمطعم في الموعد اللي حدده، لكنها المرة دي ما دخلتش من باب الموظفين. الأمن طلب منها تتوجه لمكتب الإدارة الموجود في الدور التاني.
لما دخلت، لقت أحمد قاعد ورا مكتب كبير، وقدامه ملف بني قديم، وعلى جانبه صورة لست شابة بتضحك وهي حاضنة طفلة صغيرة.
أحمد أشار لها تقعد، وبعد لحظات من الصمت قال
قبل ما نتكلم عن الشغل، عايز أسألك سؤال يا مريم. إنتِ اتعلمتي لغة الإشارة عشان أختك بس؟
مريم استغربت السؤال، وردت
أيوه، من وأنا عندي عشر سنين. أختي الصغيرة اتولدت وهي مش بتسمع، وكنت بشوف قد إيه بتتعب لما الناس تتكلم حواليها وكأنها مش موجودة. فقررت أتعلم عشان محدش يحسسها إنها لوحدها.
أحمد هز راسه ببطء، وبعدها فتح الملف اللي قدامه.
طيب، تعرفي إن أمي كانت زمان بتشتغل في مؤسسة خيرية بتساعد الأطفال الصم وضعاف السمع؟
مريم ابتسمت وقالت
لا، والله، دي أول مرة أعرف المعلومة دي.
أحمد بص للصورة اللي على المكتب، وقال بصوت اتغير تمامًا
أمي أسست المؤسسة دي من أكتر من 25 سنة، وكانت بتعتبرها أهم حاجة عملتها في حياتها. كانت بتساعد أسر مش قادرة تتحمل تكاليف التعليم والعلاج، وكانت بتتعلم لغة الإشارة بنفسها عشان تتواصل مع الأطفال.
سكت شوية، وبعدين كمل
لكن من بعد ۏفاة أبويا، وبعد ما سمعها بدأ يضعف تدريجيًا، انعزلت عن الناس. المؤسسة وقفت نشاطها، وأمي بقت تقضي معظم وقتها في البيت. وأنا، بدل ما أقرب منها، ڠرقت في الشغل والمشاكل.
مريم حست بالحزن، وسألته
طب ليه ما حاولتش ترجع المؤسسة تاني؟
أحمد ابتسم ابتسامة حزينة.
حاولت. جبت مديرين، ومستشارين، وشركات متخصصة. صرفت فلوس كتير، لكن محدش قدر يرجع لأمي إحساسها إنها بتعمل حاجة ليها معنى.
وبعدين رفع عينيه وقال
لحد ما شفتك امبارح.
لكن ده ما كانش السر الوحيد.
أحمد فتح درج مكتبه، وطلع ورقة قديمة عليها اسم
مريم بالكامل.
مريم اتجمدت مكانها.
هو حضرتك جبت الورقة دي منين؟
أحمد رد بهدوء
أمي طلبت مني أبحث عنك بعد
ما رجعت البيت امبارح. ولما قلت لها اسمك، فضلت ساكتة فترة طويلة، وبعدها طلبت مني أدور على ملف قديم في أرشيف المؤسسة.
قلب الورقة ناحيتها.
كان مكتوب فيها اسم والدتها، وتاريخ يعود لأكتر من 17 سنة.
مريم حست إن قلبها بيدق بسرعة.
أمي كانت تعرف الحاجة فاطمة؟
أحمد هز راسه.
مش بس كانت تعرفها. أمك كانت واحدة من الناس اللي أمي ساعدتهم زمان.
الحكاية اللي ما كانتش مريم تعرفها
قبل 17 سنة، كانت والدة مريم، السيدة نادية، بتمر بظروف صعبة جدًا.
زوجها توفى وهي لسه في بداية الأربعينات، وسابت لها الحياة مسؤولية تربية بنتين، واحدة منهم محتاجة رعاية وتعليم متخصص بسبب فقدان السمع.
كانت نادية بتشتغل خياطة من البيت، لكن ډخلها ما كانش كفاية لمصاريف الحياة، وكانت على وشك توقف تعليم بنتها الصغيرة بسبب التكاليف.
في الوقت ده، وصلت قصتها لمؤسسة الحاجة فاطمة.
الحاجة فاطمة دفعت مصاريف تعليم الطفلة، وساعدت الأسرة في الحصول على جلسات تأهيل مناسبة، ووفرت لمريم فرصة حضور ورش لتعلم لغة الإشارة والتواصل مع الصم.
لكنها اشترطت على إدارة المؤسسة وقتها إن المساعدة تتم من غير ما الأسرة تحس إنها مديونة لحد.
وعشان كده، نادية ما حكتش لبناتها تفاصيل اللي حصل، واكتفت بأنها تقول لهم إن ربنا بعت لهم ناس طيبين ساعدوهم في وقت الشدة.
مريم كانت بتسمع الحكاية دي من أمها طول عمرها، لكنها عمرها ما عرفت اسم الست اللي وقفت جنبهم.
لما أحمد خلص كلامه، دموع مريم نزلت من غير ما تحس.
يعني الحاجة فاطمة هي اللي ساعدت أختي زمان؟
قال أحمد
أيوه. وأمي لما شافتك امبارح، ما كانتش تعرف في البداية مين إنتِ. لكنها افتكرت اسم عيلتك لما رجعت البيت، وطلبت مني أتأكد.
مريم مسحت دموعها وقالت
أنا ما كنتش أعرف أي حاجة عن الموضوع ده. والله لو كنت أعرف، كنت شكرتها من زمان.
أحمد رد بسرعة
وده بالضبط اللي خلاني أفهم حاجة مهمة. إنتِ ما قعدتيش مع أمي عشان هي صاحبة المطعم، ولا عشان تعرفي إنها تقدر تساعدك. إنتِ قعدتي معاها لأنك شوفتي إنسانة محتاجة حد يسمعها، حتى لو هي نفسها مش قادرة تسمعك.
وبعدها دفع الملف ناحية مريم.
عشان كده، أنا مش بعرض عليكي مجرد وظيفة بمرتب أكبر.
مريم بصت للملف بتردد.
أمال إيه؟
أحمد أخذ نفسًا عميقًا وقال
عايزك تكوني مديرة مشروع إعادة افتتاح مؤسسة أمي، وتأسيس مركز متخصص لتعليم وتأهيل الأطفال الصم وضعاف السمع. ليكي فريق عمل وميزانية مستقلة، وهتكوني مسؤولة عن اختيار البرامج والتأكد إن كل أسرة بتتعامل بكرامة واحترام.
مريم فضلت ساكتة للحظات، وكأنها مش مصدقة اللي بتسمعه.
بس يا أستاذ أحمد، أنا خبرتي كلها في المطاعم. أنا مش مديرة مؤسسات.
أحمد ابتسم لأول مرة من بداية المقابلة.
أنا مش بدور على حد يعرف يدير ميزانية وبس. أنا هعيّن متخصصين في التعليم والتأهيل والإدارة. أنا بدور على حد فاهم ليه المشروع ده لازم ينجح. وده اللي شوفته فيكي.
وبعدين قال الجملة اللي خلت مريم ټنفجر في البكاء
أمي قالت لي بالحرف الست دي رجعتني للحياة في عشرين دقيقة. لو تقدر تعمل لها مكان تساعد فيه ناس تانية، ما تتأخرش.
لكن داليا منصور ما كانتش هتسيب الأمور تمشي بسهولة
بعد يومين، انتشر خبر إعادة افتتاح المؤسسة داخل العيلة، ووصل لداليا منصور، خطيبة أحمد.
داليا ما كانتش معترضة على المشروع الخيري نفسه، لكنها كانت
رافضة تمامًا إن مريم تبقى صاحبة قرار في مشروع تابع لعيلة الشناوي.
اتصلت بأحمد وقالت بعصبية
إنت بتهزر؟ هتدي واحدة كانت بتشتغل

السابق1 من 7
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى