روايات وقصص

طول ٦٠ سنة

نا مدينلك بحياتي يا مارجريت… لكن فيه سر أكبر من كده، سر لو عرفتيه هتفهمي ليه كنت مصمم أخليكي عندك 28 سنة طول عمرك.

المحامي فتح آخر ظرف في الملف، وطلع منه مستند عليه ختم رسمي قديم.

وقال:

يا مدام مارجريت، شهادة الغياب دي مش مجرد خطأ في الأوراق… دي جزء من اتفاق قانوني اتعمل يوم اختفائك من المستشفى، وفيه بند بيقول إن الحقيقة لازم تتكشف لما تتمّي 88 سنة.

اتجمدت مكاني.

اختفائي؟! أنا عمري ما اختفيت من أي مستشفى!

المحامي رد:

إنتِ فاكرة إنك اتولدتي باسم مارجريت ويلسون؟

قبل ما أجاوب، هنري تقدم ناحيتي، وحط إيده على الملف وقال بصوت مكسور:

أرجوكي يا مارجريت… قبل ما تسمعي باقي الكلام، لازم تعرفي إن كل اللي عملته كان عشان أحميكي من شخص إحنا الاتنين كنا فاكرين إنه غاب من زمان!

وفجأة، المحامي طلع ظرف صغير من جيبه، وكتب عليه اسم واحد بس.

لما شفت الاسم، حسيت إن قلبي وقف…

لأن الاسم كان مكتوب على ظهر الصورة القديمة نفسها، وتحتها جملة بخط إيدي أنا:

لو رجع الشخص ده يومًا… متسمحوش له يعرف إني لسه عايشة!

يتبع…

فضلت باصة للاسم المكتوب على الظرف، وحاولت أفتكر أنا شوفته فين قبل كده.

كان الاسم إدوارد ميلر.

قلت للمحامي وأنا صوتي بيترعش:

مين إدوارد ده؟ وليه أنا كاتبة الجملة دي بإيدي؟!

المحامي سكت لحظات، وبعدين قال:

إدوارد كان المسؤول عن دار الرعاية اللي اتولدتي فيها… وهو الشخص الوحيد اللي كان يعرف إنتِ مين قبل ما تبقي مارجريت ويلسون.

ضحكت بعصبية وقلت:

دار رعاية إيه؟ أنا اتربيت في بيت أبويا وأمي، وعندي صور معاهم!

المحامي فتح الملف وطلع مجموعة صور قديمة، وحطها قدامي.

الصور دي اتاخدت في بيت عيلة ويلسون، لكن فيه حاجة لازم تعرفيها… الأشخاص اللي في الصور مش والديكي الحقيقيين.

حسيت إن رجلي مش شيلاني.

بصيت لهنري وقلت:

إنت كنت عارف؟

هنري نزل عينيه للأرض.

أيوه.

صرخت فيه:

يعني إنت عارف إن حياتي كلها مبنية على كذبة، وسايبني 60 سنة أعيش من غير ما أعرف أنا مين؟!

قال بصوت مخنوق:

كنت خايف أخسرك يا مارجريت.

المحامي قاطعه:

الحقيقة إن هنري نفسه كان ضحية للموضوع ده وهو طفل. عيلته استلمته من المستشفى بعد حادثة اختفاء غريبة، ومن يومها اتربى على إنه ابنهم.

بصيتله باستغراب.

يعني إيه؟!

المحامي أخرج مستندًا تالتًا.

شهادة ميلاد هنري الأصلية بتقول إن تاريخ ميلاده مختلف عن التاريخ اللي عاش بيه طول عمره، وإن فيه شخص سجّل بياناته بطريقة غير صحيحة.

هنري قعد وحط إيده على وشه.

وفجأة قال:

أنا كنت عندي ست سنين لما سمعت لأول مرة اسم مارجريت… كنت فاكر إن الاسم ده مجرد حكاية قديمة، لحد ما لقيت صورتك في أوراق أبويا.

سألته:

وإمتى عرفت إنك متجوز الست اللي في الصورة؟

رفع عينيه ليا وقال:

قبل فرحنا بشهرين.

شهقت وقلت:

إنت كنت عارف من قبل جوازنا؟!

هز راسه.

وعرفت كمان إن فيه ناس كانت بتدور عليكي من سنين، وإن ظهور اسمك الحقيقي ممكن يفتح قضية قديمة محدش كان عايزها تتفتح.

المحامي أخرج ورقة جديدة وقال:

القضية دي اتقفلت بناءً على شهادة غياب مزورة، لكن من أسبوعين ظهر مستند جديد في الأرشيف، وده اللي خلاني أبدأ أدور عليكي.

سألته بسرعة:

إيه المستند الجديد؟

رد:

وصية مكتوبة من ستين سنة، وموجود فيها إن كل ممتلكات عيلة ويلسون هتنتقل لاسمك الحقيقي بمجرد إثبات إنك لسه على قيد الحياة.

هنري قام من مكانه فجأة.

لا! مش ده السبب اللي خلاك تيجي هنا!

المحامي بصله بحدة.

فيه سبب تاني أهم بكتير يا هنري.

وبعدين لف ناحيتي وقال:

مارجريت، إنتِ مش بس الوريثة الوحيدة للعيلة… إنتِ كمان عندك أخ توأم، اتسجل في نفس يوم ولادتك على إنه غاب.

حطيت إيدي على صدري.

أخويا عايش؟!

المحامي أومأ برأسه.

عندنا دليل إنه عاش بعد ولادتكم، وإنه كان بيحاول يوصل ليكي لحد وقت قريب.

سألته بلهفة:

طب هو فين دلوقتي؟!

المحامي طلع ظرف تاني، وناولني جواب قديم.

كان مكتوب عليه بخط مرتعش:

إلى أختي مارجريت… لو وصل لكِ الجواب ده، يبقى أخيرًا عرفتي إنك مش لوحدك.

فتحت الجواب بسرعة، لكن أول سطر خلاني أسيبه يقع من إيدي.

لأنه كان بيقول:

أنا مش أخوكي بس… أنا الشخص اللي كان موجود في المستشفى يوم ما اتكتبت شهادة غيابك، وشفت بعيني مين اللي طلب تسجيلها!

رفعت عيني للمحامي وسألته:

مين اللي طلب تسجيل غيابي؟!

بص ناحية هنري، وبعدين قال:

للأسف، الشخص ده كان أقرب إنسان ليكي بعد ما خرجتي من المستشفى…

وقبل ما يكمل، تليفون هنري رن.

بص للشاشة، واتغير لون وشه تمامًا.

ولما المحامي سأله مين المتصل، هنري رد بصوت بالكاد مسموع:

إدوارد ميلر… هو لسه عايش!

يتبع…

إيدي اتجمدت وأنا بسمع اسم إدوارد ميلر.

الشخص اللي كنت كاتبة بإيدي زمان متسمحوش له يعرف إني لسه عايشة… طلع لسه عايش، وبيحاول يتواصل مع هنري!

مديت إيدي ناحية التليفون وقلت:

رد عليه يا هنري… أنا عايزة أسمع صوته!

هنري حاول يمنعني، لكن المحامي وقف بينا وقال:

المرة دي مفيش حاجة هتستخبى عنها.

ضغطت على زر مكبر الصوت.

جالي صوت راجل عجوز، لكنه كان واضح وقوي:

هنري… عارف إن المحامي وصل عندك. وعايزك تعرف إن الوقت خلص.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى