روايات وقصص

حكايات ميراا

جرسونة إدارة مشروع بالملايين؟ الناس هتقول علينا إيه؟
أحمد رد ببرود
الناس هتقول إننا اخترنا الشخص المناسب.
داليا حاولت تضغط عليه
طب على الأقل خلّيها تشتغل تحت إيدي، وأنا أراجع كل قراراتها.
أحمد رفض، فقررت إنها تتصرف بنفسها.
راحت للمطعم، وطلبت مقابلة مريم قدام عدد من العاملين.
قالت لها بنبرة متعالية
بصي يا مريم، أنا مش ضدك شخصيًا، لكن في فرق بين إنك تساعدي زبونة وبين إنك تديري مؤسسة. خدي المكافأة اللي أحمد عايز يديهالك، وارجعي لشغلك القديم، ووفري على نفسك الإحراج.
مريم كانت تقدر ترد عليها بكلام يحرجها، لكنها افتكرت حاجة فاطمة وهي بتضحك لأول مرة من سنين.
فردت بهدوء
أنا مش متمسكة بالمنصب عشان الفلوس يا مدام داليا. لو أحمد شايف إني مش مناسبة، من حقه يختار حد غيري. لكن لو المشروع هدفه فعلًا مساعدة الأطفال، يبقى لازم نختار الناس على أساس قدرتهم على خدمتهم، مش على أساس شكل وظيفتهم القديمة.
داليا اتفاجئت من الرد، لكنها حاولت تضحك بسخرية.
الكلام الجميل مش كفاية عشان تديري مؤسسة.
مريم هزت راسها وقالت
عند حضرتك حق. عشان كده أنا طلبت إن الفريق يكون فيه متخصصون مؤهلون، وإن كل قرار يتراجع وفق معايير واضحة. أنا مش هادّعي إني أعرف كل حاجة، لكن هتعلم، وهسمع للناس اللي عندها خبرة.
كان أحمد واقف عند مدخل المكتب، وسمع الحوار كله.
دخل وقال لداليا
دي أول مرة أسمع حد يعترف بحدود خبرته بالشكل ده، وفي نفس الوقت يكون مستعد يتحمل المسؤولية. وده بالضبط اللي محتاجه المشروع.
داليا سكتت، لكن نظراتها كانت بتقول إن الموضوع بالنسبة لها لسه ما انتهيش.
يوم افتتاح المركز المفاجأة اللي ما حدش توقعها
مرت ستة شهور من الشغل المتواصل.
مريم درست برامج التأهيل، واجتمعت بأسر الأطفال، واستعانت بمتخصصين في لغة الإشارة والتعليم الدامج، وشاركت بنفسها في تصميم نظام يضمن إن كل طفل يتلقى الدعم المناسب لاحتياجاته.
والأهم، إنها أصرت إن المركز ما يكونش مجرد مكان لتقديم الخدمات، لكنه كمان مكان تتعلم فيه الأسر إزاي تتواصل مع أولادها، من غير ما يحس أي طفل إنه عبء على حد.
وفي يوم الافتتاح، حضرت شخصيات عامة وأطباء وأسر كتير، لكن الحاجة فاطمة كانت أهم ضيفة بالنسبة لمريم.
دخلت الحاجة فاطمة القاعة، ومريم استقبلتها بلغة الإشارة.
نورتي مكانك يا حاجة فاطمة.
الحاجة فاطمة ابتسمت وردت
ده مش مكاني لوحدي يا مريم. ده مكان كل طفل كان فاكر إن محدش هيفهمه.
وبعدها طلبت إنها تتكلم قدام الحضور.
وقفت على المنصة، ومريم بجانبها تترجم كلامها بلغة الإشارة، بينما ظهر الكلام مكتوبًا على شاشة كبيرة.
قالت الحاجة فاطمة إنها أخطأت لما سمحت للحزن والعزلة يبعدوها عن الناس، وإنها اكتشفت إن أكبر مشكلة مش دايمًا بتكون في فقدان السمع، لكن في إن المجتمع يتعامل مع الشخص كأنه غير موجود.
ثم التفتت ناحية مريم وقالت
أنا ساعدت أسرتها من سنين، لكن مريم النهارده فكرّتني إن المعروف الحقيقي مش فلوس بتتدفع، ولا مشروع بيتبني. المعروف الحقيقي إنك تشوف الإنسان اللي قدامك، وتحترمه، وتديله فرصة يعيش بكرامة.
القاعة كلها وقفت تصفق.
ومريم كانت بتحاول تمنع دموعها، بينما أحمد واقف في الصف الأول، بيبص لأمه وكأنه بيشوفها لأول مرة.
لكن المفاجأة الأكبر حصلت لما الحاجة فاطمة طلبت الميكروفون مرة تانية.
رفعت إيديها وبدأت تتكلم بلغة الإشارة، ومريم ترجمت كلماتها
أنا قررت أنقل جزءًا من إدارة المؤسسة لمجلس مستقل، يضم متخصصين وأسرًا من المستفيدين، عشان تفضل المؤسسة موجودة حتى لو
أنا ما بقيتش قادرة أديرها بنفسي. ومريم هتكون واحدة من
أعضاء المجلس، بصفتها مديرة المشروع.
مريم بصت لها بدهشة.
يا حاجة، أنا مش عارفة أقول إيه!
الحاجة فاطمة ابتسمت وقالت
ما تقوليش حاجة. كمّلي اللي بدأتيه.
وبعدها بأسبوع أحمد اتخذ أصعب قرار في حياته
أحمد طلب من داليا تقابله في بيته.
كانت فاكرة إنه أخيرًا هيتكلم معاها عن موعد الفرح، لكنه فاجأها وقال
أنا محتاج أكون مع إنسانة تشاركني قيمي، مش بس حياتي الاجتماعية.
داليا عقدت حاجبيها.
تقصد إيه؟
أحمد رد بهدوء
أنا مش هقدر أكمل خطوبتنا بالشكل ده. المشكلة مش إنك اختلفتي مع مريم، ولا إنك انتقدتي قرار تعيينها. المشكلة إنك لما شوفتي أمي محتاجة حد يتعامل معاها باحترام، كان أول رد فعل عندك إنك اعتبرتي الاهتمام بيها تضييع وقت.
داليا حاولت تدافع عن نفسها، وقالت إنها كانت مضغوطة وإنها ما كانتش تقصد ټجرح حد.
أحمد سمعها للنهاية، لكنه كان حاسمًا.
كلنا بنغلط، وأنا نفسي قصرت مع أمي سنين. لكن الفرق إننا لازم نعترف بالغلط ونحاول نصلحه. أنا مش هقدر أبني أسرة وأنا مش مطمئن إن أمي هتلاقي فيها الاحترام اللي تستحقه.
وانتهت الخطوبة بعد أربع سنين.
مريم ما كانتش تعرف تفاصيل اللي حصل إلا بعد فترة، ولما عرفت، قالت لأحمد
أنا أتمنى إن مدام داليا تلاقي فرصة تراجع نفسها، لكن القرار ده لازم يكون قرارك إنت، مش بسبب اللي حصل بيننا.
أحمد ابتسم وقال
عشان كده أنا بقيت أثق فيكي. إنتِ عمرك ما حاولتي تكسبي معركة على حساب حد تاني.
بعد سنة، بقى المركز بيقدم خدمات تعليمية وتأهيلية لعدد كبير من الأطفال وأسرهم، وبدأ يدرّب العاملين في المطاعم والفنادق على أساسيات التواصل مع الصم وضعاف السمع.
أما مريم، ففضلت تزور المطعم من وقت للتاني، وتقعد مع العاملين وتسمع مشاكلهم، لأنها ما نسيتش يوم كانت مجرد جرسونة المدير طلب منها تخلّص بسرعة.
وفي إحدى الأمسيات، دخلت مريم المطعم، فوجدت الحاجة فاطمة قاعدة على نفس الترابيزة اللي بدأت عندها الحكاية.
مريم قعدت جنبها، وبدأت تتكلم معاها بلغة الإشارة.
سألتها
لسه فاكرة أول يوم اتقابلنا فيه؟
الحاجة فاطمة ضحكت وردت
فاكرة إنك كنتِ أول إنسانة من سنين تبص في عيني وتستنى لحد ما أفهمها.
وبعدين أخرجت من حقيبتها صورة قديمة للمؤسسة، كانت فيها مجموعة من الأطفال، وكتبت على ظهرها جملة وقدمتها لمريم
إنتِ ما رجعتيليش سمعي، لكن رجعتيلي إحساسي إن صوتي لسه مهم.
مريم احتضنتها، والدموع في عينيها.
وفي اللحظة دي، فهمت إن المكالمة اللي بدأت بعرض مرتب أكبر بثلاث مرات ما كانتش أهم حاجة حصلت في حياتها.
الأهم إنها اكتشفت إن تصرفًا صغيرًا، زي إنك تسحب كرسي وتقعد جنب إنسان وحيد، ممكن يفتح بابًا لحياة جديدة، مش لشخص واحد، لكن لعيلة كاملة ومئات الناس بعدها.
العبرة من الحكاية مش كل إنسان محتاج منك فلوس أو منصب أو حل لمشكلته. أحيانًا كل اللي محتاجه إنك تحترمه، وتسمعه بطريقتك، وما تحسسوش إنه عبء عليك. لأن الكرامة مش خدمة إضافية بنقدمها للناس؛ دي حقهم من البداية.
بعد سنتين رجعت داليا منصور، لكن المرة دي كانت الحكاية مختلفة تمامًا!
عدّت سنتين على افتتاح مركز الحاجة فاطمة، ومريم حسن بقت واحدة من أهم الأشخاص المسؤولين عن تطوير خدماته. المركز فتح فروعًا جديدة، وبدأ يقدم دورات مجانية لأهالي الأطفال الصم وضعاف السمع، وكمان درّب موظفين في فنادق ومطاعم على كيفية التعامل مع الزبائن من ذوي الإعاقة السمعية.
لكن مريم، رغم كل النجاح ده، فضلت زي ما هي؛ بتروح شغلها ببساطة، وتقعد
مع الأطفال بنفسها، وتفتكر دايمًا إنها في يوم من الأيام كانت مجرد جرسونة محدش كان شايف تعبها.
أما أحمد الشناوي، فبدأ يتغير هو كمان. بقى يقضي وقتًا أطول مع أمه، ويتعلم لغة الإشارة، لدرجة إن الحاجة فاطمة كانت بتضحك عليه كل ما يغلط في إشارة جديدة.
وفي مساء يوم شتوي، حصل شيء ما كانش في الحسبان.
1. الست اللي دخلت المركز وهي مڼهارة
كانت مريم بتراجع ملفات الأطفال لما موظفة الاستقبال دخلت عليها وقالت
يا أستاذة مريم، فيه واحدة بره مصممة تقابلك. شكلها تعبان جدًا، ومعاها بنت صغيرة.
مريم طلبت إنها تدخل فورًا.
دخلت سيدة في منتصف الثلاثينات، هدومها بسيطة ووشها شاحب من التعب. كانت ماسكة إيد بنت عندها حوالي 8 سنين، والبنت بتبص للأرض ومش بتتكلم.
السيدة قالت بصوت مرتعش
حضرتك مريم حسن؟
أيوه، اتفضلي. أقدر أساعدك إزاي؟
الست بصت لبنتها، وبعدها اڼفجرت في البكاء.
بنتي فقدت سمعها بعد مرض شديد، ومن يومها وهي رافضة تتعامل مع أي حد. أبوها سابنا، وأنا شغالة طول اليوم عشان أصرف عليها. جبتها لأكتر من مكان، وكل مرة أسمع إن المصاريف فوق قدرتي.
مريم نزلت لمستوى البنت، وابتسمت لها، وبدأت تستخدم إشارات بسيطة عشان تطمنها.
لكن المفاجأة كانت إن البنت رفعت عينيها فجأة، وردت عليها بإشارة واحدة.
كانت بتقول خاېفة.
مريم مسكت إيدها برفق وقالت بلغة الإشارة
من حقك تخافي. مش لازم تعملي أي حاجة النهارده غير إنك ترتاحي وتتعرفي علينا.
البنت قربت منها خطوة صغيرة.
وفي اللحظة دي، مريم افتكرت نفسها وهي طفلة، لما كانت بتشوف أختها پتخاف من الأماكن الجديدة، وقررت إن البنت دي مش هتخرج من المركز وهي حاسة إنها لوحدها.
مريم طمأنت الأم إن الفريق هيقيّم احتياجات بنتها، وإن المركز هيساعدها في الوصول للخدمات المناسبة، بما فيها الدعم المتاح من غير تكلفة وفقًا للبرنامج الاجتماعي.
لكن الأم قالت جملة خلت مريم تسكت للحظات
أنا سمعت عنك من ست كبيرة ساعدتني من سنين. قالت لي لو الدنيا قفلت في وشك، دوري على البنت اللي اسمها مريم حسن.
مريم استغربت جدًا.
ست كبيرة؟ اسمها إيه؟
الأم ردت
ما عرفتش اسمها بالكامل. كانت بتيجي جمعية خيرية قديمة في منطقتنا، وساعدتني لما كنت صغيرة. كل اللي فاكرَاه إنها كانت بتتكلم مع الناس بإيديها أحيانًا.
مريم حسّت إن فيه خيط بيربط الحكاية دي بالحاجة فاطمة، لكنها ما استعجلتش الحكم.
قررت تتصل بها، وتحكي لها اللي حصل.
2. السر القديم اللي الحاجة فاطمة أخفته عن الجميع
في اليوم التالي، راحت مريم بيت الحاجة فاطمة.
كانت الحاجة قاعدة جنب الشباك، بتقرأ كتابًا، وأحمد قاعد جنبها بيتدرب على لغة الإشارة.
لما مريم حكت لها قصة الأم والبنت، وش الحاجة فاطمة اتغير.
طلبت منها تقعد، وبعدها قامت بصعوبة وراحت ناحية خزانة قديمة.
فتحت درجًا مليان صور وخطابات، وطلعت صورة لمجموعة من السيدات والأطفال أمام مبنى صغير.
أشارت إلى سيدة في آخر الصورة وقالت
دي أنا، ودي كانت نادية، ودي أم البنت اللي بتتكلمي عنها.
مريم اټصدمت.
الحاجة فاطمة وضحت إن السيدة دي كانت واحدة من الأسر اللي المؤسسة ساعدتها من سنين، وإنها حاولت وقتها توفر لها فرصة عمل وتساعد بنتها في التعليم.
لكن بعد إغلاق المؤسسة، انقطعت أخبار الأسرة عنها.
مريم سألتها
طب ليه ما رجعتيش تدوري عليهم؟
الحاجة فاطمة نزلت عينيها، وكتبت على موبايلها
لأني غلطت. افتكرت إن المساعدة اللي قدمتها زمان كفاية، وما فكرتش إن الناس ممكن تحتاجنا تاني بعد سنين.
أحمد مسك إيد أمه، وبدأ يتكلم بلغة الإشارة
ببطء
كلنا بنغلط يا أمي. المهم إننا نقدر نصلح اللي نقدر عليه.
الحاجة فاطمة ابتسمت له، وبعدها أشارت لمريم إنها
عايزة تقول حاجة

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى