
اتحبست قدام بوابة قاعدة عسكرية واتكلبشت إيديها وسط ضحك الجنود عليها… لكن أول ما العقيد شافها، جري عليها وهو وشّه أبيض من الصدمة وصرخ: «إنتوا عارفين عملتوا إيه؟!»
في الصبح بدري، كانت القاعدة العسكرية كالعادة مليانة حركة.
عربيات عسكرية بتدخل وتخرج من البوابة الرئيسية، والجنود بيجروا ناحية أماكن تجمعهم، وصوت الأوامر بيتردد في كل مكان.
وكان لسه في ضباب رمادي خفيف معلق فوق أرض ساحة التدريب، بعد ليلة مطر باردة.
وعند نقطة التفتيش، كان فيه عدد من الجنود المسلحين واقفين بملابسهم الواقية، بيفتشوا أوراق كل شخص بيحاول يدخل القاعدة.
كل حاجة كانت ماشية بشكل طبيعي…
لحد ما ظهرت شابة عند البوابة.
كانت لابسة بلوزة حمرا وبنطلون غامق، وشكلها ماكانش يديها أكتر من خمسة وعشرين سنة.
واضح إنها كانت جاية من سفر طويل، وملامح التعب باينة عليها، لكنها رغم كده كانت محافظة على هدوئها
وثقتها.
وفي إيدها كانت ماسكة ظرف صغير بإحكام، وكل شوية تبص حواليها وكأنها أول مرة تدخل المكان ده.
أول ما قربت من البوابة، واحد من الجنود وقف في طريقها.
وقال لها بلهجة جافة:
— وقفي. البطاقة.
بهدوء، طلعت الشابة أوراقها وناولتها له.
وقالت:
— أنا محتاجة أقابل قيادة القاعدة بشكل عاجل.
الجندي بص في أوراقها ثواني، وبعدها ابتسم بسخرية.
— قيادة القاعدة؟ إنتِ بتتكلمي بجد؟
جنديين كانوا واقفين جنبه انفجروا في الضحك.
واحد منهم لف حوالين الشابة متعمدًا يستفزها، وقال:
— طب نوصلك للجنرال بنفسنا كمان؟
ضحك كذا جندي تاني قريب منهم.
الشابة بدأت تتوتر، لكن حاولت تفضل هادية.
وقالت:
— الموضوع مهم جدًا… هما منتظريني هنا.
جندي تاني قاطعها باستهزاء:
— طبعًا منتظرينك. إحنا بييجيلنا عشرة زيك كل يوم.
وفجأة مد إيده وخطف الظرف اللي كانت ماسكاه.
فتح الظرف وبدأ يقلب في الورق
بطريقة استعراضية.
وقال:
— وإيه بقى ده؟
الشابة حاولت تاخد الورق منه.
— لو سمحت، ماتلمسش الورق ده. دي مستندات موجهة لقيادة القاعدة.
الجندي زق إيدها بعيد بعصبية.
— إيدك بعيد.
الناس اللي عند البوابة بدأوا يركزوا مع الموقف.
وكام مجند وقفوا يتفرجوا بفضول.
وفجأة واحد من الجنود ضيق عينيه وقال بنبرة شك:
— ومين قال إنها مش بتصور المكان لحد؟
سكت لحظة، وبعدين أضاف:
— إحنا في وقت حساس دلوقتي.
الجملة دي غيرت الجو كله.
نود بصوا لبعض.
واحد منهم اتقدم ناحية الشابة وقال:
— طلعي الموبايل.
الشابة بصت له باستغراب.
— موبايل إيه؟
— الموبايل اللي معاكي. هاتيه.
— ليه؟ أنا معملتش حاجة.
الجندي رفع صوته:
— قلت هاتي الموبايل!
الشابة حاولت تشرح:
— حضرتك فاهم غلط…
لكن قبل ما تكمل، الجندي أخد الموبايل منها بالقوة، وجندي تاني مسك دراعها ولف إيديها ورا ضهرها.
الشابة اتوجعت
وقالت:
— إنت بتوجعني… سيبني!
لكن بدل ما يسيبوها، الجندي طلع القيود المعدنية وكلبش إيديها قدام الناس.
صوت القفل المعدني وهو بيقفل على إيديها رن في المكان كله.
كام جندي ابتسموا بسخرية.
وواحد من المجندين طلع موبايله وبدأ يصور اللي بيحصل.
حد من الموجودين قال وهو بيضحك:
— بصوا… مسكنا جاسوسة!
ضحكات انتشرت في المكان.
أما الشابة، فوشها احمر من الإحراج.
نزلت عينيها للأرض وحاولت تتحكم في دموعها.
كانت واقفة وسط مجموعة من الجنود، وإيديها متكلبشة، وكل اللي حواليها بيتفرجوا عليها وبيضحكوا.
الجندي اللي كان ماسك كتفها قال بسخرية:
— إيه؟ الشجاعة راحت فين؟
رفعت عينيها له وقالت بصوت منخفض:
— أنا قلتلكم… إنتوا بتعملوا غلطة.
لكنه تجاهل كلامها تمامًا.
ودفعها ناحية البوابة وقال:
— هتقعدي تحت معانا شوية، وبعدها نعرف إنتِ مين فعلًا.
الشابة سكتت.
لكنها كانت لسه ماسكة نفسها.
وكأنها كانت عارفة إن الحقيقة هتظهر…
وإن اللي بيحصل دلوقتي مش هيستمر كتير.
وفجأة…
اتسمعت أصوات خطوات سريعة جاية من ناحية مبنى القيادة.
خطوات قوية ومتلاحقة.
لمحة نيوز
الجنود عند البوابة بدأوا يبصوا ناحية المبنى.
وفجأة خرج عقيد طويل القامة مرتديًا الزي العسكري، وكان بيجري بكل سرعته.
لكن الغريب إن وشه كان شاحب بشكل مخيف.
كان واضح جدًا إنه شاف حاجة صدمته.
أول ما عينه وقعت على الشابة الواقفة وهي متكلبشة…
وقف مكانه كأنه اتجمد.
فضل يبصلها كام ثانية.
وكأنه مش مصدق اللي شايفه.
وبعدين جري ناحيتها.
وفجأة صرخ بأعلى صوته:
— إنتوا… إنتوا عارفين عملتوا إيه؟!
المكان كله سكت.
حتى الجنود اللي كانوا بيضحكوا من ثواني، سكتوا تمامًا.
مفيش غير صوت الهوا وصوت العربيات العسكرية البعيد.
الجنود بصوا لبعض في حيرة.
ولا واحد فيهم فهم ليه العقيد بيتصرف كأنه شاف شبح.
العقيد قرب منها بسرعة وقال بصوت مرتعش:
— فكوا القيود دي عنها فورًا!
الجندي اللي كان أكتر واحد بيضحك قبل كده، وشه اتغير.




