قصص و روايات

رجع متأخر من شغله

رجع متأخر من الشغل لقى بنته اللي عندها 7 سنين واقفة بتطبخ وهي شايلة أخوها الرضيع بين إيدها، في الوقت اللي مراته كانت بتختفي بالتدريج وبتضيع منهم! في بيت قديم في حواري إمبابة، حيث الحيطان بتنشع رطوبة والجيران عارفين عن حياة بعض أكتر ما عارفين عن نفسهم، كان حسن رمضان مقتنع إنه أب مثالي ومقصرش في حق بيته.

 

مقالات ذات صلة

كان عنده 39 سنة، شغال عتال بيشيل شحنات في سوق روض الفرج، وبيخرج من بيته من قبل الأذان والفجر لسة مطلعش. بيرجع دايماً وضهره مكسور من الشيل، ضوافره سوداء من الطين، ومزاجه في رجليه من التعب. بالنسبة له، الرجولة والمسؤولية هي إنه يجيب القرش، يدفع الإيجار، يشتري الحفاضات، ويوفر الرز والمكرونة والعيش وحتة فرخة لما الظروف تسمح.

كل ما مراته، دعاء، تقول له إنها تعبانة ومش قادرة، كان بيبخ فيها بنفس الكلمة: “تعبانين كلنا يا ولية.. استرجلي كده واستحملي”. مكنش بيقولها بقسوة، على حسب كلامه وفهمه، كان بيقولها لأن ده اللي اتعلمه من رجالة عيلته: اكتم، استحمل، اشتغل، وما تقعدش تعمل لنا دراما ونكد. بس ليلتها، يوم الخميس، لما رجع الساعة 10:37 بالليل، حس إن فيه حاجة غريبة ومش مظبوطة من أول ما خطى عتبة البيت. الباب مكنش مقفول بالترباس، الصالة كانت ضلمة كحل، مفيش صوت تليفزيون، مفيش ريحة أكل لسة مطبوخ، ومفيش صوت دعاء وهي بتدلع الواد الصغير ولا صوت بسنت وهي بتغني وهي بتلعب.

حسن رمى شنطته على الأرض: “دعاء؟ بسنت؟”. محدش رد عليه. سمع بس صوت خبطة حلة صغيرة جاية من المطبخ. في الأول افتكر إن فيه فار دخل البيت. وبعدين لمح نور نار برتقالي عمال يرعش من تحت عقب الباب. مشى بسرعة وقلبه بينبض بعنف. أول ما وصل، المنظر خلاه يتسمر مكانه والدم ينشف في عروقه! بنته بسنت، اللي لسة عندها 7 سنين، كانت واقفة فوق كرسي بلاستيك، وميلة بكل جسمها ناحية البوتاجاز. بإيد واحدة عمالة تقلب في حلة شوربة لسان عصفور بتغلي جامد وبتفور. وبالإيد الثانية كانت شايلة مروان، أخوها الصغير اللي عنده 9 شهور، ومتبتة بيه على صدرها.

الواد كان وشه أحمر من كتر العياط، وعمال يمص بغل في طرف بطانية صغيرة ومبهدلة. بسنت كان شعرها لازق على قورتها من العرق، عيونها داخلة لجوة وشفايفها ناشفة من العطش. مكنتش باينة طفلة أصلاً، كانت باينة ست عجوزة صغيرة، هلكانة، مرعوبة، وبتعمل حاجة المفروض عمرها ما تمد إيدها عليها. النار كانت عالية جداً، والشوربة كانت بتطير وتطشطش جنب صوابعها الصغيرة. “بسنت! أنتِ بتهببي إيه عندك هنا؟!” صرخ حسن بعلو صوته. البنت اتخضت وركبتها سابت، الكرسي اتهز من تحتها، وفي ثانية، رجلها بقت في الهواء والواد اتزحلق من دراعها. حسن جري ولمحهم ومسكهم في آخر لحظة قبل ما يقعوا فوق البوتاجاز وهو والع! بس أول ما بسنت رفعت وشها وبصت له، ومن غير ما تنزل دمعة واحدة قالت: “آسفة يا بابا.. كنت عاوزة أجهز العشا قبل ما ماما تدخل تقفل على نفسها ثاني…”. في اللحظة دي، حسن فهم إن المصيبة الكبيرة مكنتش في المطبخ.. المصيبة كانت مستخبية ورا الباب المقفول، ومستنية تنفجر في وش الكل!

الجزء الثاني
الكلمة دي طلعت من فم بسنت زي السكين اللي طعن حسن في قلبه، وخلت كل تعبه وكل ثقته اللي كان شايلها في قلبه يتبدل لخوف مرعب مش عارف إيه مصدره. شال مروان اللي كان لسه بيعيط بصوت متهدج، وحطه بحرص على السرير، ثم رجع للمطبخ، طفى النار بيدين مرتعشين، وقرب من بنته اللي كانت واقفة خافضة راسها ومستنية اللوم والصراخ زي ما كانت بتتعود. ما صرخش، ما لومش، كل اللي فعله إنه انحنى قدامها، مسك كفوفها الصغيرة اللي محترقة ومليانة بقع سوداء من الدخان، وقال بصوت مكسور: “قولي لي يا بسنت.. في إيه؟ ماما فين؟ وليه بتقولي كده؟”. البنت رفعت عينيها اللي مليانة خوف وبراءة، ودموعها نزلت للمرة الأولى: “ماما بقت بتقعد في الأوضة من غير ما تخرج.. بتقفل الباب عليها.. لما بصوت عليها بتقول لي عاوزة أنام.. بس أنا بسمعها بتعيط بصوت واطي.. وبتقول لي متصحيش بابا عشان تعبان.. وبقالي كام يوم بصرف على مروان وبجهز الأكل عشان ماما تريح شوية.. خفت لو ماعملتش كده يجرى لنا حاجة..”.

حسن حس إن الدنيا كلها لفت بيه. طوال الشهور الماضية، لما كانت دعاء تقول له تعبانة، كان فاكرها كسل وملل وحاجات ستات بيقولوا عليها عشان يريحوا نفسهم. ما سألش، ما شافش، ما حاولش حتى يفهم إيه اللي جواها. واليوم، لقى بنته الصغيرة هي اللي شالت المسؤولية كلها، وهي اللي ضاعت طفولتها وهي تحاول تمسك البيت وهي في سن ما تعرفش حتى تعبر الشارع لوحدها. مشى ببطء نحو أوضة النوم، قلبه بيدق بسرعة مروعة، وكل خطوة كانت بتقول له إن فيه حاجة غلط جداً.. حاجة أكبر من مجرد تعب أو زعل. الباب كان مقفول من الداخل، وكل ما قرب شعر بسكون غريب، سكون أثقل من أي صوت. دق الباب بخفة: “دعاء.. أنا جيت.. افتحي الباب يا حبيبتي..”. محدش رد عليه. دق مرة تانية بصوت أعلى شوية: “دعاء.. أرجوكِ افتحي.. أنا سمعت كل حاجة..”.

لسه مفيش رد. خاف حسن جداً، دفع الباب بكل قوته لحد ما انفك المزلاج الخشبي القديم واتفتح الباب بسرعة.. والمنظر اللي شافه جواه خلاه يقف مكانه مش قادر يتنفس ولا يتحرك! دعاء كانت واقفة قدام الشباك المفتوح، شعرها منكوش، ملابسها مش مرتبة، وبصوتها لما التفتت له كان غريب ومقطوع: “أنتِ جيت.. آسفة.. كنت هقولك جيت حالاً.. بس كنت مش عارفة أخرج من هنا..”. وكانت المفاجأة الأكبر لما شاف حالها.. وشها شاحب لدرجة الموت، عيناها غارقة ومحمرة، وكل حركة بتعملها كانت بطيئة ومترددة زي اللي مش عارف هو فين ولا بيعمل إيه. في تلك اللحظة، عرف حسن إن اللي فيها مش تعب بسيط ولا نكد عابر.. المصيبة كانت أكبر وأعمق بكثير مما يتخيل.

السابق1 من 3
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى