
كانوا يقولون إن عاصم بيه المنشاوي عمره ما بيجري ولا يتخض؛ دخل المحاكم الفيدرالية والجنايات بخطوات ثابتة وابتسامة باردة، وعدّى على كمائن في عز ضرب النار من غير ما يتهز، ودخل مناطق في قلب القاهرة كانت الكلاب بتسكت فيها أول ما عربيته الجيب السوداء المصفحة تظهر من أول الشارع! بس الساعة سبعة وأربعين دقيقة في ليلة ممطرة، عاصم بيه كان بيجري في ممرات المستشفى كأنه راجل غريق بيموت!
-
بعد 20 سنة زواجمنذ يوم واحد
-
جوزي خلاني اربي بنتمنذ يوم واحد
-
ابو ولادىمنذ يوم واحد
-
قبل فرح ابنى بكام يوممنذ يوم واحد
جزمته الغالية كانت بتخبط بعنف على أرضية الدور الرابع في مستشفى الشروق، وأفراد الأمن حاولوا يوقفوه، بس أول ما لمحوا وشه وعينه اللي بتطلع شرار تراجعوا وفتحوا له السكة؛ ورا بيبان العناية المركزة، كانت فيه بنت بقالها تلات سنين بتغسل قمصانه، وتنظف أرض بيته، وتقدم له القهوة من غير ما ترفع عينها فيه أو تطلع صوت، ودلوقتي كانت بتحارب الموت عشان تفضل عايشة! كان اسمها صابرين؛ بالنسبة لكل اللي عايشين في قصر التجمع، صابرين كانت مجرد الشغالة؛ بس في الليلة دي، عاصم اكتشف إن الشغالة دي هي السبب الوحيد اللي خلاه لسة بيتنفس وعايش على وش الدنيا!
قبلها بساعات، عاصم كان خارج رايح اجتماع مهم في العاصمة الإدارية؛ المطر كان بيرزع في الإزاز، والحراسة مستنياه برة، والعربية المصفحة دايرة وجاهزة؛ صابرين كانت جاية بدري لأن ميكروباص المرج جه بسرعة؛ دخلت من باب الخدم، سابت شنطتها جنب الغسيل، ونزلت البدروم تجيب مسحوق؛ الباب اللي بيفتح على الجراج كان المفروض يقفل، بس مكنش مقفول! كان موارب وفيه خيط نور طالع وصوت واطي؛ صابرين وقفت مكانها ومنطقتش؛ سمعت مدحت، رئيس حرس عاصم، بيقول لخلف بصوت واطي كده تمام؟؛ فرد الثاني جاهزة.. هتنفجر أول ما يدور العربية للمرة الثانية، ومحدش هيلاقي لها أثر ولا دليل!
صابرين حست إن بطنها اتقبضت وبقت زي الحجر؛ من الفتحة شافت رجلين راجل موطي تحت العربية السوداء، مكنتش محتاجة تفهم في المتفجرات عشان تعرف إن دي مصيبة وموت مستني يصحى؛ فضلت مستخبية أربع دقائق وهي مش قادرة تاخد نفسها؛ طلعت أوضة الغسيل وقعدت على البلاط الساقع تفكر في أمها العيانة بالمسكنات، وأخوها اللي بيدرس في هندسة، والإيجار المتأخر، وإزاي سهل قوي بنت غلبانة تضيع في بلد محدش بيسأل فيها على شغالة! المنطق كان بيقول تقفل بقها وماتتكلمش؛ بس افتكرت يوم من كام شهر، عاصم كان في مكتبه بيسمع أخته الصغيرة وهي بتعيط في التليفون بحرقة عشان جوزها سابها، وصابرين كانت بتنظف ومفتكرة إنه هيقفل معها بسرعة؛ بس ماقفلش، قعد أربعين دقيقة يسمعها من غير ما يقاطعها؛ صابرين مكنتش ساذجة تفتكره ملاك، بس فهمت إنه مش مجرد الوحش اللي الكل بيخاف منه!
الساعة تسعة إلا سبعة، عاصم خرج للصالة والحرس وراه، صابرين وقفت في وشه؛ زعق فيها ابعدي من طريقي!؛ كانت بترتعش بس ما اتحركتش “بلاش تركب العربية يا بيه”؛ الصالة كلها بقت زي المقبرة، وعاصم جز على سنانه “قولي تاني كده؟”؛ صابرين قالت بنبرة مرعوبة: “العربية تحتها قنبلة، أنا سمعت مدحت في الجراج بيقول هتنفجر مع الدوارة الثانية ومحدش هيعرف طريقها!”؛ حارس حاول يمسكها من دراعها، بس عاصم رفع إيده ووقف الكل، وبص لها نظرة كانت هتشق روحها “أنتِ متأكدة؟”؛ “والله العظيم متأكدة”؛ “عارفة لو بتكذبي هيحصلك إيه؟”؛ “مش بكذب يا بيه!”؛ عاصم لف لرجاله “افحصوا العربية وهاتوا لي مدحت حالا!”؛ القنبلة ظهرت بعد 11 دقيقة، ومدحت كان فص ملحه وداب وهرب!
على الظهر، الحرس نقلوا صابرين لشقة أمان في الدقي مع حارسة اسمها مروة، وخدوا تليفونها وادوها واحد جديد؛ الساعة ستة وأربعين دقيقة بالليل، حصل رزع في الممر برة؛ جسم خبط في الحيطة! مروة الحارسة سحبت مسدسها بس الباب اترزع واتفتح؛ راجل ببالطو أسود دخل ببرود كأنه بيخلص مأمورية، مروة ضربت نار بس رصاصتها جت في الهواء، الراجل خبط رأسها في الحيطة فصابرين جرت! نزلت من سلم الخدم وخرجت في المطر وجرت أربع شوارع؛ لحقوها في حارة ورا مخبز مقفول؛ الراجل رماها على الطوب المبلول، ونزل فيها ضرب في ضلوعها وفي وشها وبقها لحد ما نزفت؛ صابرين ما صرختش، بس جمعت كل قوتها وقبل ما يغمى عليها، قطعت حتة من كرافتته الزرقاء الكحلي بإيدها، ولما الإسعاف لقوها، كانت لسة متبتة على القماش في كفها! وقبل ما تخش في غيبوبة كاملة، نطقت كلمتين بس: “عاصم.. المنشاوي..” وعشان كده عاصم بيه كان بيجري زي المجنون!…








