قصص و روايات

رجع متأخر من شغله

الجزء الثالث
قرب منها بخطوات مترددة، ومسكها لما شافها هتقع على الأرض. كانت خفيفة جداً، كأن العظام بقت بلا لحم، وحرارتها عالية جداً. شالها وحطها على السرير، وهي كانت تتكلم بكلام متقطع ومش مرتبط ببعض: “خايفة.. خايفة أسيبهم.. أنا مش عاوزة أروح بعيد عنهم.. بس كل حاجة بتضيع مني.. وبقول لنفسي استحملي.. بس مش قادرة..”. حسن قعد جنبها ومسك إيدها اللي كانت بترعش: “أنا هنا يا دعاء.. مش هسيبك.. قولي لي ليكي كام يوم تعبانة كده؟ وليه مقولتيليش حاجة؟”. نظرت له بعيون مليانة ألم وندم: “كنت عاوزة أقولك.. كنت كل مرة أحاول أتكلم ألاقي نفسي مش عارفة أجمع الكلام.. كنت خايفة تقول لي كسلانة.. خايفة أكون عالة عليك.. كنت بشوفك بتعب وتجيب الرز وقلت لنفسي هروح وأجيلك وأكون زي ما كنت.. بس جسمي وقلبي مش معايا.. وكل يوم بيمشي وأنا بحس إني بختفي أكتر وأكتر..”.

في تلك اللحظة، سمع صوت بسنت وراه وهي بتقول ببراءة: “ماما كانت بتعيط كل ليلة يا بابا.. وبتقول لي سر صغير.. بتقول لي خليكِ قد المسؤولية لو حصل لي حاجة.. وأنا كنت بقلبي أتمنى متقولش كده..”. الدموع ملأت عيون حسن للمرة الأولى في سنين طويلة. عرف إنه كان غلطان.. غلطان جداً. إنه فهم الرجولة غلط، وإن المسؤولية مش بس تجيب الفلوس.. المسؤولية تكون جنبهم وقت الضيق، تسأل، تشعر، تحس بوجعهم قبل ما يتكلموا. لقد تركها وحيدة في معركتها الشرسة لشهور، وهي تحاول تقاوم لوحدها خوفاً إنها تكون عبء عليه، وبدل ما يكون ملجأها كان السبب في خوفها وكتمانها. قرر في تلك اللحظة إنه مش هيعتمد على أحد، ومش هيسيبها تضيع منه. لبسها ملابس دافئة، شال مروان اللي نام في حضنه، ومسك إيد بسنت، ونزل بسرعة معاها على أول مستشفى حكومي قريب من الحي. الطريق كان طويلاً وثقيلاً، وكل خطوة كان بيحس بثقل الندم الذي يأكل فيه، لكن كان عنده أمل صغير إن لسه فيه وقت.

مقالات ذات صلة

الجزء الرابع
في المستشفى، قضوا الليل كله بين التحاليل والفحوصات، وحسن كان واقف خارج الغرفة مش عارف يرتاح ولا يهدأ. لما خرج الدكتور، بص له بوجه جاد وقال: “الحالة بتاعت السيدة مش بسيطة يا سيدي.. هي بتعاني من اكتئاب حاد ومضاعفات جسدية نتيجة الإهمال والتعب والضغط النفسي لفترة طويلة جداً. وصلت لمرحلة خطيرة جداً، وكنتوا جيتوا في الوقت المناسب بالكاد. هي محتاجة علاج واهتمام ورعاية نفسية، والأهم من كل ده محتاجة تشعر بالأمان والانتماء، وتشوف إنكم جنبها ومش هتتركوها”. كلام الدكتور كان زي الصاعقة، وفي نفس الوقت كان زي النور الذي طلع له في نهاية النفق. عرف إنه مش كل الحاجات بتتشترى بالفلوس، وإن أغلى ما يملكه هو صحة أهله وسلامتهم. رجع للبيت وهو حاسس إن حياته بدأت من جديد، وإن كل اللي فات كان درس قاسٍ لازم يتعلمه.

بدأ يغير من نفسه خطوة بخطوة. كان بيصحى قبل الفجر بشوية، يجهز الفطار للصغار، يطمن على دعاء، ويروح شغله وعنده قلب طاير لما يرجع لهم. في الرجوع، ما كانش بيرمي شنطته وينام زي الأول.. كان يسأل، يساعد، يلعب معاهم، ويجلس جنب دعاء لساعات طويلة يسمعها وهي تحكي له كل اللي كان مخبياه في قلبها طوال الشهور الماضية. كان الجيران لسه بيتكلموا، وبيسألوا، وبيقولوا كلام كتير، بس حسن ما كانش يهمه غير رضا ربه ورضا أهله. لما كان بيقصر في الشغل شوية أو ياخد إجازة، كان بيعوضها بطرق تانية، بيشتغل شغل إضافي في العطلات، بيعمل كل ما يقدر عشان يوفر لهم الراحة وفي نفس الوقت يكون موجود جنبهم. بسنت بدأت ترجع طفلة زي ما المفروض تكون، رجعت ضحكتها ولعبها، وبدأت تروح المدرسة وهي مطمنة إن أبوها وماماهم جنبها. مروان كبر شوية وبدأ يضحك ويزحف، ودعاء كانت بتتعافى ببطء، خطوة بخطوة.

تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى