
بعد ما فقدت ابني ومراته وحفيدي في حادثة عربية وسط عاصفة تلج، أنا اللي ربيت حفيدتي الوحيدة من وهي عندها خمس سنين.دلوقتي أنا عندي 70 سنة وبعد عشرين سنة كاملة، حفيدتي حطّت في إيدي ورقة صغيرة، وأول ما قريتها، وشي اصفر.من عشرين سنة، ابني محمود ومراته سارة وولادهم كانوا راجعين بالعربية من عندي بعد ما احتفلنا بالكريسماس بدري شوية.
الدنيا كانت ساقعة بشكل مش طبيعي، والتلج كان مغطي الطريق الزراعي كله.
وفجأة العربية زحلقت، خرجت عن الطريق، وخبطت في شجرة ورا التانية.
المصيبة إن الحادثة كانت مروعة
ومحدش نجا غير حفيدتي ملك.
كانت عندها خمس سنين بس.
الدكاترة قالوا إن نجاتها كانت شبه معجزة. والشرطة قالت نفس الكلام.
حتى أبونا في الكنيسة قالها وهو واقف قدام تلات توابيت مقفولة في الجنازة.
ملك كانت مصابة بارتجاج في المخ، وكام ضلع مكسور، شديدة في جسمها من حزام الأمان.
الدكاترة قالولي إنها مش فاكرة اللي حصل كويس، وإن كل اللي عندها مجرد صور متقطعة وذكريات ملخبطة.
وحذروني
متضغطش عليها ومتقعدش تسألها عن الحادثة وتحاول تفكرها. ممكن ده يزود حالتها سوء.
وعشان كده عمري ما سألتها.
-
المستشفيمنذ ساعة واحدة
-
بنتك لازم تتعلم تتحكم في نفسهامنذ 18 ساعة
-
ست حامل كانت عايشة في كوخمنذ 18 ساعة
-
مرات جوزيمنذ 19 ساعة
دفنت ابني ومراته وحفيدي، ورجعت أخدت ملك معايا البيت.
وفجأة لقيت نفسي، وأنا داخل على الخمسين، برجع أربي طفلة من أول وجديد.
كانت أصعب سنين في حياتي.
ولأني كنت خايف عليها، كنا تقريبًا مبتكلمش عن خالص.
كل ما كانت تسألني
هو بابا وماما مش هيرجعوا إمتى؟
كنت أرد عليها بأهدى صوت أقدر عليه
حصلت حادثة يا حبيبتي حادثة وحشة أوي. الدنيا كانت عاصفة، والعربية اتزحلقت.
محدش كان السبب.
وكانت تسكت.
وتصدقني.
والسنين عدت.
ملك كبرت وبقت بنت محترمة وطيبة، متفوقة في دراستها، وعمرها ما عملتلي مشكلة.
بعد ما خلصت الجامعة، رجعت تعيش معايا فترة عشان توفر فلوس، واشتغلت في مكتب صغير للأبحاث القانونية وسط البلد.
كانت عندها خمسة وعشرين سنة، ذكية ومستقلة، وبتعتمد على نفسها
لكن بالنسبة لي، كانت لسه البنت الصغيرة اللي كانت بتنام على كتفي كل ما الدنيا تمطر أو البرد يزيد.
لحد السنة دي
قبل ذكرى وفاة أبوها وأمها وأخوها بأيام، بدأت أحس إن فيها حاجة اتغيرت.
بقت ساكتة أكتر من المعتاد.
وفي العشا، بدأت تسألني أسئلة غريبة.
مرة بصتلي وقالت
جدو فاكر بابا وماما خرجوا من عندك الساعة كام يومها؟
اتوترت، بس حاولت أبين إن الموضوع عادي.
ليه يا ملك؟ إيه اللي فكرك بالكلام ده؟
مردتش.
وبعدها بيومين سألتني تاني
الشرطة استجوبتك كام مرة بعد ؟
ساعتها بدأت أقلق.
لكن أقنعت نفسي إنها كبرت، وبقت عايزة تعرف تفاصيل اللي حصل لأهلها.
وفي يوم الأحد، رجعت البيت بدري على غير عادتها.
والغريب إنها حتى ما خلعتش الجاكت.
وقفت عند باب ، وشها شاحب، وإيديها بتترعش
.
وكان في إيدها ورقة متنية.
بصتلي وقالت بهدوء غريب
جدو ممكن نقعد شوية؟
حسيت إن قلبي بدأ يدق بسرعة.
قعدنا.
ومن غير ما تقول أي حاجة، مدتلي الورقة.
وقالت
لازم تقرأ دي.
وبعدين سكتت لحظة، وبلعت ريقها، وقالت
وفي حاجة لازم أعترفلك بيها
بصتلها وأنا مش فاهم.
قربت مني وهمست
مكانتش حادثة.
فتحت الورقة بإيد بتترعش.
وأول سطر قريته
خلّى الدم ينسحب من وشي.
لأن اللي كان مكتوب فيها معناه إن كل اللي عشته طول العشرين سنة اللي فاتوا
كان مبني على كذبة.الجزء الثاني








