عام

اختفي حبيبي

اختفى حبيبي أيام الجامعة خلال حرب فيتنام قبل 55 عامًا، ثم نطق الطيار باسمي في رحلة إلى النصب التذكاري الخاص به!

قبل خمسة وخمسين عامًا، اختفى حبيبي باتريك ميرسر خلال حرب فيتنام. ومنذ ذلك الحين، كنت أستقل الطائرة كل عام لزيارة النصب التذكاري الذي يحمل اسمه. لكن في هذه المرة، أعلن قائد الطائرة اسمي عبر مكبرات الصوت، وكشف عن تفصيل لم يكن من المفترض أن يعرفه أي شخص غريب.

كان عمري واحدًا وعشرين عامًا عندما اختفى باتريك.

التقينا في الجامعة، وكنا نتقاسم فنجانًا واحدًا من القهوة لأننا لم نكن نملك ما يكفي من المال لشراء فنجانين.

كان باتريك يدرس الهندسة، بينما كنت أتخصص في الأدب. وسرعان ما بدأنا نحلم بمنزل متواضع ذي شرفة جميلة، تملؤه أرفف الكتب التي سأجمعها طوال حياتي.

لكن بعد ذلك، التحق باتريك بالجيش وأصبح طيارًا عسكريًا.

في الليلة التي سبقت رحيله، أسند جبهته برفق إلى جبهتي وقال:

«عِديني بشيء يا ليونا. لا تسمحي بأن أصبح مجرد قصة حزينة تروينها عندما تتقدم بكِ السن».

أجبته وأنا أحاول كتم دموعي:

«إذًا عُد إلى المنزل».

قال بحنان:
«سأعود يا حبيبتي».

بعد ستة أشهر، ظهر ضابطان عسكريان أمام باب منزل والديّ.

لقد اختفت طائرة باتريك خلال إحدى المهام. لم يكن هناك موقع مؤكد لتحطمها، ولم تتوافر أي تفسيرات واضحة لما حدث.

وسُجّل رسميًا على أنه مفقود في أثناء القتال.

أخبرني أحد الضابطين أنه لا يزال هناك احتمال بأن يكون قد نجا.

قضيت سنوات طويلة أتشبث بتلك الكلمات.

بحثت في الصحف، وأرسلت الرسائل، وتواصلت مع كل مكتب عسكري استطعت الوصول إليه. وكلما عاد أسرى الحرب إلى ديارهم، كنت أفحص قوائم الأسماء بعناية، على أمل أن أعثر على اسمه بينها.

لكن اسم باتريك لم يظهر فيها قط.

ومع مرور الوقت، توقف الناس تدريجيًا عن السؤال عنه.

أصبحت معلمة، واشتريت منزلًا، وسافرت إلى أماكن مختلفة، وأغرقت أبناء إخوتي وأخواتي بالحب والحنان.

لقد بنيت حياة خاصة بي.

لكنني لم أتزوج أبدًا، وظلت صورة باتريك موضوعة بجوار سريري.

وفي كل مرة كنت أرى فيها طائرة تعبر السماء، كنت أرسل إليها قبلة في الهواء، ثم أضع يدي فوق قلبي.

وفي كل عام، في يوم ميلاده، كنت أستقل الطائرة وأسافر إلى النصب التذكاري المحفور عليه اسمه. وكنت أحمل معي دائمًا وردة بيضاء وصورتنا التي التُقطت معًا أمام مكتبة الجامعة.

مرّت خمسة وخمسون عامًا كاملة.

وفي هذا العام، عندما بلغت السادسة والسبعين، استعددت للقيام برحلتي المعتادة مرة أخرى، وحيدة كما كنت دائمًا.

كانت طائرتنا تقترب من وجهتها عندما انبعث صوت قائد الطائرة عبر مكبرات الصوت.

«سيداتي وسادتي، قبل أن نبدأ الهبوط، لديّ إعلان شخصي أود مشاركته معكم».

واصلت قراءة كتابي دون أن أهتم كثيرًا بكلماته.

ثم سمعت اسمي.

«السيدة ليونا ويتكومب؟ إذا كنتِ تجلسين على المقعد 12A، فأرجو أن تستمعي إليّ بعناية».

رفعت رأسي على الفور.

التفت عدد من الركاب الجالسين بالقرب مني لينظروا إليّ.

واصل قائد الطائرة حديثه قائلًا:

«أفهم أنكِ تسافرين اليوم لزيارة أحد النصب التذكارية، وأنكِ تحملين وردة بيضاء من أجل طيار يُدعى باتريك ميرسر».

انزلق الكتاب من يدي واستقر فوق حجري.

نظرت إلى الوردة البيضاء التي أحملها، ثم حدّقت في باب قمرة القيادة المغلق.

كيف يمكن لهذا الرجل أن يعرف كل ذلك؟

ساد الصمت عبر مكبرات الصوت للحظات.

ثم عاد صوت القائد، لكن نبرته هذه المرة كانت أكثر جدية.

«السيدة ويتكومب، هناك شخص يحاول العثور عليكِ منذ فترة. وثمة شيء يتعلق باختفاء باتريك تستحقين أن تعرفيه».

انحنت إحدى مضيفات الطيران بجوار مقعدي وسألتني بقلق:

«هل تشعرين أنكِ بخير؟»

حاولت الإجابة، لكن الكلمات لم تخرج من فمي.

بعد هبوط الطائرة، طلبت مني المضيفة أن أبقى في مقعدي حتى ينزل جميع الركاب الآخرين.

راقبتهم وهم يجمعون حقائبهم ويغادرون الطائرة. التفت بعضهم نحوي قبل أن يختفوا في الممر.

وفي النهاية، أصبحت مقصورة الطائرة خالية تمامًا.

طوال خمسة وخمسين عامًا، تخيلت اليوم الذي سيأتي فيه شخص ما ليخبرني أخيرًا بما حدث لباتريك.

والآن، لم أستطع التوقف عن الارتجاف.

فُتح باب قمرة القيادة.

وخرج رجل يرتدي زي الطيارين الرسمي.

حدّقت في وجهه مذهولة.

وانزلق الكوب من بين أصابعي، فتناثر الماء على حذائي.

أسرع الرجل نحوي، ثم جثا بجوار مقعدي.

همست بصوت مرتجف:

«مَن أنت؟»

توقف للحظة، وكأنه يحاول اختيار كلماته بعناية.

ثم بدأ يشرح لي الحقيقة…

لكن ما قاله بعد ذلك كان كفيلًا بتغيير كل ما اعتقدت أنني أعرفه عن الرجل الذي أحببته طوال حياتي!

الجزء الثاني 👇👇👇
الجزء الثاني والأخير: الحقيقة التي انتظرتها 55 عامًا

ظل الرجل جاثيًا أمامي، وعيناه مثبتتان على وجهي. كان في أواخر الخمسينيات من عمره، وشعره الرمادي يشبه لون السماء قبل العاصفة.

قال بصوت مرتجف:

«اسمي دانيال ميرسر… وأنا ابن باتريك».

توقفت أنفاسي للحظة.

حدقت فيه، ثم هززت رأسي ببطء.

«هذا مستحيل. باتريك لم يكن لديه أبناء. لقد اختفى قبل خمسة وخمسين عامًا، ولم أتزوج بعده، ولم أسمع عنه شيئًا منذ ذلك اليوم».

أخرج الرجل محفظة جلدية قديمة من جيبه، وفتحها بحذر.

في داخلها كانت هناك صورة باهتة لرجل شاب يقف أمام طائرة عسكرية.

عرفت الوجه على الفور.

كان باتريك.

لكنني لم أنظر إلى الصورة طويلًا، لأن شيئًا آخر لفت انتباهي.

كانت هناك امرأة تقف بجواره، تحمل طفلًا رضيعًا بين ذراعيها.

شعرت بأن الأرض تميد تحت قدمي.

همست:

«مَن هذه المرأة؟»

أجاب دانيال:

«اسمها إيلين. كانت ممرضة تعمل في قاعدة عسكرية بفيتنام. التقى بها والدي بعد سقوط طائرته، عندما أُصيب ونُقل إلى مستشفى ميداني».

تراجعت في مقعدي، وأنا أحاول استيعاب كلماته.

أكمل حديثه:

«أعرف أنكِ أحببتِ أبي، وأعرف أنه وعدكِ بالعودة. لكن هناك أشياء لم يخبركِ بها أحد، لأنهم لم يعرفوا الحقيقة كاملة».

أغمضت عيني للحظة.

خمسة وخمسون عامًا من الانتظار، ومن الأسئلة التي لم تجد إجابة، ومن الليالي التي قضيتها أتساءل فيها إن كان باتريك قد ناداني في لحظاته الأخيرة.

والآن، كان هذا الرجل يخبرني أن باتريك ربما عاش حياة أخرى.

سألته بصوت خافت:

«هل كان حيًا طوال هذه السنوات؟»

هز دانيال رأسه.

«لا. توفي والدي عندما كنت في الرابعة من عمري. لكن قبل وفاته، أخبرني بكل شيء، وترك لي صندوقًا صغيرًا يحتوي على رسائل وصور وأوراق عسكرية. وقد أمضيت سنوات أحاول العثور عليكِ».

ثم أخرج ظرفًا أصفر قديمًا، كُتب عليه اسمي بخط أعرفه أكثر مما أعرف خط يدي.

إلى ليونا، المرأة التي وعدتها بالعودة.

عندما رأيت الخط، انفجرت دموعي.

كان خط باتريك.

ارتجفت يداي وأنا أفتح الظرف، وأخرج رسالة كتبت منذ عقود طويلة.

بدأت أقرأ.

«حبيبتي ليونا،

إذا وصلتكِ هذه الرسالة يومًا، فهذا يعني أنني لم أستطع الوفاء بوعدي.

أعرف أنكِ ستتساءلين لماذا لم أعد إليكِ، ولماذا تركتكِ تواجهين الحياة دون أن تعرفي ما حدث لي.

أريدكِ أن تعرفي أنني لم أنسَكِ يومًا.

بعد إسقاط طائرتي، أُصبت بجروح خطيرة. أنقذني جنود محليون ونقلوني إلى مستشفى ميداني، حيث التقيت بإيلين، الممرضة التي اعتنت بي خلال فترة تعافيّ.

كنت أعتقد أنني سأعود إلى الولايات المتحدة بمجرد أن أتعافى، لكن إصاباتي كانت أشد مما تخيلت، ثم نُقلت إلى منشأة أخرى، وفقدت الاتصال بوحدتي.

حاولت إرسال رسائل، لكنني لم أعرف إن كانت قد وصلت.

وبعد أشهر، اكتشفت أنني أُدرجت ضمن المفقودين، وأن التقارير التي وصلت إلى السلطات الأمريكية تشير إلى أنني ربما مت.

حينها، كنت قد اكتشفت أن إيلين حامل بطفلي.

لم أكن أعرف ماذا أفعل. كنت أحبكِ، وما زلت أحبكِ، لكنني كنت عالقًا في بلد مزقته الحرب، ولم أكن أعرف إن كنت سأتمكن من العودة إلى دياري.

ثم ازدادت حالتي الصحية سوءًا.

لم أتخذ قرارًا بالتخلي عنكِ، يا ليونا. لكنني عشت سنوات وأنا أحاول إيجاد طريق للعودة، حتى أصبحت عاجزًا عن السفر.

تزوجت إيلين لاحقًا، وربّت طفلنا على أن يعرف أن والده كان رجلًا أحب امرأة أخرى قبل أن تجمعه بها الحرب.

لم أطلب منها أن تمحوكِ من ذاكرتي، ولم أنسَ صورتكِ التي احتفظت بها طوال حياتي.

إذا كان هناك شيء واحد أندم عليه، فهو أنني لم أستطع أن أخبركِ بنفسي أنني كنت حيًا.

سامحيني لأنني لم أعد.

وإذا كنتِ لا تزالين تتذكرينني، فأرجوكِ ألا تجعلي حياتكِ كلها انتظارًا لرجل لن يعود.

أريدكِ أن تعيشي، وأن تضحكي، وأن تري العالم الذي حلمنا يومًا بزيارته معًا.

أحببتكِ يا ليونا، وسأظل أحبكِ ما بقي لي من عمر».

توقفت عن القراءة.

لم أستطع رؤية الكلمات من خلال دموعي.

ضغطت الرسالة على صدري، وأطلقت شهقة طويلة خرجت من أعماقي، كأنني كنت أحبسها طوال خمسة وخمسين عامًا.

لم يكن باتريك قد نسيَني.

لكنه لم يعد إليّ أيضًا.

وكانت الحقيقة أكثر تعقيدًا وألمًا من أي إجابة تخيلتها.

انتظرت قليلًا حتى استطعت الكلام.

ثم سألت دانيال:

«لماذا الآن؟ لماذا انتظرت كل هذه السنوات لتبحث عني؟»

أجابني:

«لم أعرف بوجودكِ إلا بعد وفاة والدي. كانت أمي تعرف أنكِ حبه الأول، لكنها لم تكن تعرف عنوانكِ. وعندما توفيت، وجدت صندوق الرسائل في خزانة أبي القديمة. قرأت اسمكِ في عشرات الرسائل التي لم يرسلها أبدًا».

أخرج ورقة أخرى.

«بحثت في سجلات الجامعة، ثم في الصحف القديمة، حتى وجدت مقالًا عن معلمة متقاعدة تزور النصب التذكاري لطيار مفقود كل عام، وتحمل وردة بيضاء في يوم ميلاده».

غطيت فمي بيدي.

لقد عرفني من خلال عادة لم أتخلَّ عنها طوال حياتي.

وأضاف دانيال:

«كنت أعلم أنكِ ستأتين اليوم، لكنني لم أرد أن أرسل إليكِ رسالة عادية. أردت أن أراكِ، وأن أسلمكِ هذه الأشياء بنفسي. وعندما اكتشفت أنني سأكون قائد الطائرة التي تستقلينها، طلبت الإذن بإلقاء الإعلان».

نظرت إليه طويلًا.

كان يحمل ملامح باتريك في ابتسامته، وفي الطريقة التي يميل بها رأسه عندما يحاول تفسير شيء صعب.

سألته:

«هل كان سعيدًا؟»

ابتسم دانيال بحزن.

«كان يحب أمي، وكان أبًا طيبًا. لكنه احتفظ بصورتكِ طوال حياته. وفي أيامه الأخيرة، كان يطلب مني أحيانًا أن أفتح النافذة حتى يستطيع رؤية السماء».

ثم أضاف:

«قال لي مرة إن هناك امرأة في أمريكا ربما ما زالت تظن أنه تخلى عنها. طلب مني أن أبحث عنها إن استطعت، وأن أخبرها أنه لم ينسَ الوعد الذي قطعه لها، حتى لو لم يتمكن من الوفاء به».

بكيت من جديد.

لم يكن الرجل الذي أحببته بطلًا مثاليًا، ولم تكن حياته قصة حب انتظرت نهايتها السعيدة.

كان إنسانًا حاصرته الحرب، واتخذت الظروف قرارات نيابة عنه، وترك وراءه أسئلة لم يستطع الإجابة عنها.

لكنني كنت بحاجة إلى معرفة شيء أخير.

رفعت رأسي وسألته:

«هل توجد صورة أخرى؟ صورة له في سنواته الأخيرة؟»

أومأ دانيال، وأخرج صورة صغيرة من الظرف.

كان باتريك فيها رجلًا مسنًا، يجلس على مقعد خشبي أمام منزل متواضع. كانت التجاعيد قد رسمت خطوطها حول عينيه، لكن ابتسامته ظلت كما أتذكرها.

وفي يده، كانت هناك صورة قديمة لنا معًا أمام مكتبة الجامعة.

الصورة نفسها التي احتفظت بها بجوار  طوال حياتي.

وضعت يدي على فمي، وانهمرت دموعي بصمت.

كان قد احتفظ بصورتي أيضًا.

لم أعد أستطيع إنكار الحقيقة: لقد مضت حياتنا في طريقين مختلفين، لكن ذكرى حبنا بقيت معنا.

بعد دقائق، ساعدني دانيال على النهوض، وحمل حقيبتي، ثم رافقني إلى خارج الطائرة.

وقبل أن نفترق، سألني:

«هل ستذهبين إلى النصب التذكاري اليوم؟»

نظرت إلى الوردة البيضاء التي ما زلت أمسك بها.

«نعم. لقد وعدته بأن أزوره كل عام».

ابتسم وقال:

«هل تسمحين لي بمرافقتكِ؟ أريد أن أتعرف إلى المرأة التي أحبها أبي قبل أن يعرف أمي».

وافقت.

وفي ذلك المساء، وقفنا معًا أمام النصب التذكاري.

كان اسم باتريك محفورًا بين أسماء الرجال الذين لم يعودوا من الحرب.

أخرجت الوردة البيضاء، ووضعتها أسفل اسمه، ثم مررت أصابعي فوق الحروف ببطء.

همست:

«لقد عدتُ يا باتريك. لكن هذه المرة، لم آتِ لأنتظرك».

سكتُّ قليلًا، ثم ابتسمت وسط دموعي.

«جئت لأقول لك إنني سامحتك، وإنني سأحمل ذكراك معي، لكنني لن أظل أسيرة الماضي بعد اليوم».

وقف دانيال بجواري، ووضع صورة والده أمام النصب.

وللمرة الأولى منذ خمسة وخمسين عامًا، لم أشعر أنني أقف أمام باب مغلق أنتظر أن يُفتح.

شعرت أنني أودّع سؤالًا ظل يرافقني طوال عمري.

قبل مغادرتنا، سألني دانيال إن كنت أرغب في تناول القهوة معه.

ضحكت، وكانت ضحكتي الأولى منذ وصولي.

قلت له:

«بالتأكيد. لكنني سأشتري فنجانين هذه المرة».

نظر إليّ بدهشة، ثم فهم ما أعنيه عندما أخبرته عن فنجان القهوة الوحيد الذي تقاسمته مع والده في الجامعة.

ضحكنا معًا، وكانت في ضحكتنا مسحة من الحزن، لكنها حملت شيئًا آخر أيضًا.

الأمل.

في الأسابيع التالية، بدأت أكتب مذكراتي. لم أكتب فقط عن الرجل الذي انتظرته، بل عن الفتاة التي كنتها، وعن الحياة التي عشتها، وعن الدروس التي تعلمتها من حب لم ينتهِ بالطريقة التي تمنيتها.

وأصبحت ألتقي دانيال بين الحين والآخر.

لم يحاول أن يحل محل والده، ولم أطلب منه ذلك. لكنه منحني فرصة للتعرف إلى جزء من حياة باتريك لم أكن أعرفه، ومنحته أنا حكايات عن أبيه قبل الحرب، عن أحلامه وضحكاته وطباعه التي لم تتغير حتى في الصور القديمة.

وفي عيد ميلادي التالي، لم أسافر إلى النصب التذكاري وحدي.

رافقني دانيال، وحملنا وردتين بيضاوين بدلًا من واحدة.

وقفت أمام اسم باتريك، وشعرت أن قلبي لم يعد مثقلًا بالأسئلة كما كان من قبل.

لقد أمضيت أكثر من نصف قرن أظن أن الوفاء يعني أن أتوقف عن الحياة عند اللحظة التي فقدته فيها.

لكنني أدركت أخيرًا أن الحب لا يطلب منا أن ندفن أنفسنا مع الذكريات، وأن الوفاء لا يعني أن نحرم أنفسنا من السعادة.

فبعض قصص الحب لا تنتهي بالاجتماع من جديد، بل بالحصول على الحقيقة التي انتظرناها طويلًا، ثم العثور على الشجاعة لنواصل حياتنا.

أما باتريك، فقد ظل جزءًا من قلبي حتى النهاية.

لكنني، للمرة الأولى منذ خمسة وخمسين عامًا، سمحت لنفسي بأن أنظر إلى السماء دون أن أنتظر عودة طائرته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى