
مرة يطول الصمت بالشكل ده. كنت عارفة إنهم بيحضروا لحاجة، أو بيختبروا صبري.
في اليوم الرابع، لقيت رسالة من رقم غريب. أختك نادية في المستشفى، وقعت وهي بتجري ورا العيال. تعالي حالا.
قلبي دق بسرعة. هل ده فخ؟ ولا دي حقيقة؟ مسكت شنطتي، ولبست بسرعة، وجهزت شنطة خروج لحور. كنت لسه بلم لبسها لما جاتلي رسالة تانية لو مش هتيجي، يبقى تعترفي إنك رميتي أهلك.
هنا عرفت إنها لعبة. استغلال الضعف، استغلال الضمير اللي زرعوه فيا سنين. مسحت الرسالة، وقعدت أطعم حور.
بس التحدي الحقيقي ما كانش في الرسائل، كان في اللي حصل بعد ساعة. لقيت تليفون أرضي من رقم البيت القديم. رديت، كان صوت والدي. والدي اللي كان دايماً بيفضل يراقب من بعيد، ويسمع صوت نعمت وهي بتدير حياتنا.
يا نور، قال بصوت مكسور، أبوكي بيطلب منك طلب.. تعالي النهاردة البيت. نادية تعبانة ومحتاجة تصفية نفوس.
اتنهدت. يا بابا، أنا لسه والده، حور عندها أسبوع. مش قادرة اتحرك.
مش لازم تتحركي، ابعتي الفلوس اللي طلبتها أمك، ونادية هتبقى كويسة.
الډم غلي في عروقي. حتى بابا؟ حتى هو اللي كنت فاكراه الملجأ؟ الكل شغالين في المنظومة.
قفلت الخط. ما قدرتش أرد عليه. قفلت كل حاجة. حسيت إن البيت هو المكان الوحيد اللي أقدر أتنفس فيه. بس حتى البيت، بدأ يحسسني إنه مش كفاية. هل هييجوا يقتحموه تاني؟ هل هيغيروا المفتاح؟
قررت أعمل اللي ما عملتوش في حياتي. اتصلت ب صاحب العمارة، الراجل الطيب اللي بېخاف ربنا.
يا حاج صابر، محتاجة أغير كالون الباب النهاردة، حد كان معاه نسخة وفقدت الأمان معاه.
حاضر يا بنتي، ساعة وهكون عندك.
بعد ساعة، كان الكالون الجديد راكب. حسيت بفرق كبير. حسيت إني بدأت أحط حدود حقيقية.
بالليل، وأنا قاعدة بلمع إزاز البلكونة، شفت عربية نادية واقفة تحت البيت. كان جوزها قاعد فيها، وهي واقفة بتبص على شباك الصالة. شافتني، وعملت إشارة بأيديها إني أنزل.
تجاهلتها تماماً، وقفلت الستارة.
بدأت أسمع خبط على الباب، خبط خفيف في الأول، وبعدين بدأ يعلى.
نور! افتحي، عارفين إنك جوه!
قلبي كان بيدق، بس إيدي كانت ثابتة. كنت بكتب تقرير صغير عن اللي بيحصل في النوت بوك بتاعي. التواريخ، الساعات، التهديدات. ده كان سلاحي. لو فكروا يرفعوا قضية، أو حتى يروحوا للجيش يشكوا، هيكون معايا إثبات إني كنت بتهدد في بيتي وأنا لسه في فترة نفاس.
نور، افتحي بدل ما نكسر الباب! صوت نادية كان عالي ومسمع في العمارة.
فتحت الباب بس خليت السلسلة الحديد راكبة. بصيت من الفتحة الصغيرة. نادية كانت واقفة وشعرها منكوش، وأمي واقفة وراها بتنفخ زي التور.
عايزة إيه يا نادية؟ سألتها بصوت بارد.
عايزة فلوس العيال! الموبايلات دي حاجزينها، والتاجر بيضغط علينا!
ضحكت. ضحكة طويلة ومريحة. تاجر إيه يا نادية؟ إنتي فاكراني عيلة؟ إنتي بتستغلي اسمي واسم جوزي عشان تعيشي عيشة مش عيشتك. أنا مش هبعت جنيه. ولو ما مشيتوش دلوقتي، هكلم البوليس أبلغ عن إزعاج.
أمي صړخت بوليس؟ يا قليلة الرباية! ده إحنا اللي ربيناكي!
لا يا ماما، إنتي ربيتي فيا الخۏف، بس أنا اللي علمت نفسي إزاي أتخلص منه.
قفلت الباب في وشهم، وركبت الترباس. سمعت شتايم، سمعت خبط، وبعدين سمعت صوت العربية بتتحرك.
رجعت لحور، اللي كانت نايمة بسلام. بصيت لها وقلت لها يا حور، أنا مش بس بحميكي منهم، أنا بكسر دايرة من الذل بقالي سنين بلف فيها. مش هتطلعي وتلاقي حد بيستغلك، لأن أمك بقت قوية.
كنت فاكرة إن دي النهاية، بس لما فتحت الموبايل، لقيت رسالة من كريم نور، أنا راجع بعد يومين.. بس فيه حاجة غريبة حصلت.. فيه حد اتصل بالوحدة بيشتكي إنك مختطفة ومحتاجة مساعدة.. إيه اللي بيحصل؟
الرسالة دي خلتني أعرق. هما مش بس بيطالبوا بفلوس، هما بيحاولوا يدمروا سمعتي المهنية وشغلي في الجيش. هما عايزين يهدوا البيت على دماغي.
بصيت لشنطة الهدوم اللي جهزتها. كان لازم أخد قرار. هل أفضل في البيت وأواجه حربهم؟ ولا أروح لمكان تاني محدش يعرفه فيه، مكان أقدر أعيش فيه أنا وبنتي من غير ما أهلي يلاحقوني؟
وقفت قدام المراية، شفت نور الجديدة. نور اللي مش هتسمح لأي حد حتى لو كانوا أهلها إنهم يلمسوا كرامتها.
بدأت ألم أوراقي المهمة، شهاداتي، ورق حور، ومبلغ صغير من فلوسي اللي كنت محوشاه في الخزنة السرية في الشقة. لازم أخرج من هنا قبل ما يرجعوا. مش هسيب لهم فرصة يرجعوا يكسروا حياتي.
أخدت حور، ولبستها، وطلعت من الباب الخلفي للعمارة، والشنطة على كتافي. الهواء كان ساقع، والشارع فاضي. مشيت وأنا مش عارفة رايحة فين، بس كنت عارفة حاجة واحدة لأول مرة في حياتي، أنا ماشية في الطريق اللي أنا اخترته.. مش اللي هما رسموه لي.
وصلت لمحطة القطر، اشتريت تذكرتين لمدينة تانية خالص، بعيدة عن القاهرة، بعيدة عنهم. وأنا قاعدة في القطر، بتبص من الشباك، شفت خيالاتهم بتختفي ورا القضبان.
في جيبي، كان الموبايل بيرن. نمرة أمي.
قفلت الموبايل، ورميت الشريحة في سلة المهملات اللي جنب الكرسي.
بصيت لحور، اللي فتحت عنيها وبصتلي ببرراءة.
يا حور، إحنا دلوقتي أحرار. أحرار من الابتزاز، أحرار من الخۏف، وأحرار من الماضي.
بدأت أكتب في النوت بوك بتاعي، الفصل الجديد حياة نور وحور، بعيداً عن أشباحهم.
بس وأنا بكتب، حسيت بحركة غريبة في القطر. راجل لابس بدلة سوداء بيبصلي من بعيد. هل بعتوه ورايا؟ هل هما مبيسبوش حد في حاله؟
لازم أكون أذكى منهم.
دخلت الحمام، غيرت شكلي، ربطت شعري بطريقة مختلفة، لبست نظارة شمسية، وخرجت من باب تاني في القطر.
الحياة بقت لعبة قط وفار، بس المرة دي، أنا اللي بختار القواعد.
نزلت في محطة مختلفة، وأخدت تاكسي لبيت صغير في حي هادي، بيت كان معروض للإيجار وكنت شفته على النت قبل كده.
دخلت البيت، رميت الشنط، وتنفست الصعداء.
لقيت التليفون اللي كنت شرياه جديد رقم محدش يعرفه بينور.
رسالة من مجهول فاكرة إنك هتهربي؟ إحنا وراكي في كل مكان.
ابتسمت، وكتبت الرد ماتحاولوش.. لإن اللي كسر الخۏف، مبيخافش من خيالكم.
قعدت في البيت الجديد، بيت صغير في حي هادي بعيد عن دوشة وسط البلد، الحيطان لسه ريحتها دهان جديد، والهدوء كان مريب، بس كان أحلى هدوء دوقته في حياتي. حور كانت نايمة في سريرها الصغير اللي اشتريته بسرعة، وأنا كنت قاعدة بتابع حركة الشارع من ورا الستارة، زي جاسوسة في مهمة سرية، بس المهمة المرة دي هي حياتي وحياة بنتي.
الخۏف اللي كان بيعشش في صدري بدأ يتبخر، وبدأت مكانه أحس ب ڠضب بارد. الڠضب ده هو اللي مخليني واقفة على رجلي، وهو اللي بيخليني أخطط لكل خطوة. موبايلي الجديد اللي ما حدش في العيلة يعرف رقمه كان جنبي، مستنية أي إشارة، أي حركة غلط منهم.
عدى يومين من غير أي مشاكل. بدأت أنزل السوق اللي جنب البيت، أشتري حاجات لبنتي، وأنا لابسة طرحة جديدة ونظارة شمس كبيرة، بتأكد دايماً إني مش مراقبة. كان شعور غريب إني أكون شخص مجهول. طول عمري كنت نور اللي الكل بيعرفها، البنت الشاطرة، الضابطة اللي بتساعد الكل، والبنك
اللي بيمول
-
بعد 20 سنة زواجمنذ يوم واحد
-
جوزي خلاني اربي بنتمنذ يوم واحد
-
ابو ولادىمنذ يوم واحد
-
قبل فرح ابنى بكام يوممنذ يوم واحد








