
ولدت بنتي وأنا لوحدي تماماً.. وبعد الولادة بساعات، لقيت أمي بتبعتلي رسالة عيال أختك محتاجين موبايلات جديدة، حوليلي 50 ألف جنيه حالا. ما ردتش عليها. بس بعد أسبوع، لقيتها واقفة بتخبط على بابي وبتزعق إيه اللي في دماغك؟.. وفي اللحظة دي، حسيت إن فيه حاجة جوايا اتكسرت للأبد.
ولدت بنتي حور يوم الخميس، في مستشفى حكومي في منطقة ريفية، تحت أنوار نيون بتزّن زي التلاجات القديمة، وملايات المستشفى كانت خشنة وناشفة على جسمي المنهك. الأوضة كانت ريحتها تعقيم على ريحة شاي مر جاي من بوفيه المستشفى.
جوزي كريم كان في تدريب عسكري في محافظة تانية، وممنوع يستخدم الموبايل. ما كانش فيه حد جنبي. لا أمي واقفة بټعيط في ركن، ولا أختي داخلة ببالونات. كان فيه بس الممرضات التعبانات، وإسورة المستشفى في إيدي، و ساعة ۏجع قبل ما يحطوا بنتي على صدري.
سميتها حور.
للحظات قصيرة، العالم وقف. خدها كان دافي على جلدي، وصوابعها الصغيرة بتتحرك كأنها بتطمن هي الدنيا دي أمان ولا لأ.
وبعدين مسكت الموبايل.
لقيت رسائل من زمايلي، ورسالة من كريم بيعتذر فيها بدموع في عينيه إنه مش جنبي. وبعدين فتحت رسالة أمي
عيال نادية عايزين موبايلات جديدة عشان عيد ميلادهم. حوليلي 50 ألف جنيه النهاردة قبل ما العرض يخلص.
دي كانت الرسالة.
لا مبروك.. لا إنتي عاملة إيه؟.. ولا حتى البنت كويسة؟. مفيش كلمة واحدة تعترف إني لسه خارجة من عملية ولادة وجسمي كله خيوط وتعبانة.
كانت مجرد طلب جديد متغلف في شكل أزمة.
قريت الرسالة مرتين، مش عشان مش فاهمة، بس لأن جزء غبي جوايا كان لسه متمسك بآخر خيط أمل إنها تكون غلطانة. بس دي نعمت.. أمي دايماً عارفة إزاي تخلي مشاكل نادية تيجي على بابي وبمواعيد نهائية.
إيجار.. تصليح عربية.. مصاريف مدارس.. هدايا.. دايماً فيه سبب، دايماً فيه عيل محتاج، ودايماً فيه دفعة لازم تتدفع قبل نص الليل.
نادية عندها 3 عيال ومشاكلها ما بتخلصش، وبقيت أنا البنك اللي بتسحب منه العيلة كلها. بدأت أعمل كده من أول مكافأة خدتها في شغلي، كنت بضحك على نفسي وأقول بساعدهم عشان يعدوا أيامهم الصعبة. لحد ما فهمت الحقيقة فيه ناس ما بيسموش اللي بتعمله مساعدة، بيسموه استباحة.
الساعة 618 مساءً، وحور نايمة جنبي، قلبت الموبايل على وشه.
لأول مرة، ما ردتش.
الصمت ده كان بيبان صغير من بره، بس جوايا كان صوته زي قفلة باب حديد بالمفتاح.
رجعت البيت بعد يومين، لسه بتوجع ولسه تعبانة، بمشي ببطء في الشقة. كريم كان باعت دليفري طلبات البيت قبل ما يوصل، أكياس الأكل محطوطة على الرخامة، والحفاضات مرصوصة جنب الكنبة.
حور نايمة في السبت بتاعها، وأنا بحاول أفهم يعني إيه أمومة.
وفجأة.. بدأت الرسائل.
أمي الساعة 804 الصبح انتي شوفتي الرسالة؟
نادية الساعة 837 الصبح العيال مستنيين يا نور.
أمي الساعة 912 الصبح ما تعاقبيش العيال عشان إنتي مضغوطة.
لحد الظهر، إنتي معاكي مرتب ثابت، بعد اللي عملناه معاكي، ده جزاتنا؟.
سجلت كل حاجة. أخدت سكرين شوت، بعتها لكريم، وكتبت المواعيد على الموبايل، لأن التعب بيخلي الذاكرة تبهت، وأنا بقالي سنين بخلي أمي تعيد صياغة الكلام وتطلّعني أنا اللي غلطانة.
يوم الخميس، حور كان عندها أسبوع. كنت واقفة في الصالة بلبس البيت، وبحاول أطبق شوية هدوم، وفجأة الباب اتفتح پعنف.
أمي لسه معاها نسخة من المفتاح.
نعمت دخلت من غير ما تخبط، وشها مليان ڠضب، ودخلت زي اللي داخلة بيتها، وهبدت الشنطة على الترابيزة. حور اټفزعت وقامت ټعيط.
أمي ما بصتش للبنت حتى. شورت عليا بإيدها وقالت
إيه اللي في دماغك يا بنت بطني؟
الصالة سكتت تماماً. صوت المكنسة الكهربائية اللي في الشقة اللي فوقينا كان هو اللي مسموع.
ما زعقتش. وده استغربته هي أكتر مني.
شلت حور بالراحة وضميتها لصدرى. جسمي كان بيوجعني وإيدي بتترعش، بس صوتي كان ثابت.
قلت لها وطي صوتك.. أو اتفضلي بره بيتي.
بصتلي كأني . وبدأت الأسطوانة نادية مش عارفة تتصرف، العيال زعلانين، وانتي معاكي جوز شغال ومستقر فمن واجبك تشيلي خيبتهم.
قالت كل ده وأنا واقفة قدامها، لسه بولادة الأسبوع، وإسورة المستشفى لسه في إيدي عشان مش قادرة أدور على مقص.
قلت لها مش هبعت فلوس.
لا النهاردة.. ولا بكرة. لا عشان موبايلات.. ولا عشان نادية قالت العيال محتاجين.
وشها اتغير، وقالت ببرود اتغيرتي يا نور.. الجيش هو اللي عمل فيكي كده، خلاكي قاسېة.
رديت بصوت واطي لأ.. أنا اتعلمت ما حدش يستغلني تاني.
لثانية واحدة، تخيلت إني ممكن أخد شنطتها وأحدفها بره وأغير كالون الباب وهي بتزعق. ما عملتش كده. بس قربت حور أكتر لصدرى ووقفت بينها وبين سرير البنت.
ساعتها أمي وطت صوتها، الصمت كان أرعب من الزعيق.
بصت لبنتي لأول مرة، وبعدين بصتلي، وبقّها اتلوى بابتسامة سم
فاكرة إن جوزك اللي في آخر الدنيا ده هيحميكي مننا؟
حسيت بنَفَس حور الدافي على رقبتي، وحسيت بالموبايل في جيب السويت شيرت بتاعي، كان لسه بيسجل لأن صباعي لمس الشاشة لما دخلت.
ولما قربت أمي مني زيادة، لدرجة إني شميت ريحة اللبان في نَفَسها، مالت عليا وقالت
مالت عليا وقالت بصوت واطي انتي فاكرة إن لما تستقوي بجوزك وتعملي فيها ست بيت، هتنسي أصلك؟،
لكن عشان اتأكدت إنها مش شايفة فيا بنتها، شايفة فيا ماكينة صراف آلي عطلت. سكت، حسيت بضربات قلب حور سريعة وهي نايمة، كأنها هي كمان حاسة بالشړ اللي واقف قدامي.
خلصتي يا ماما؟ سألتها بهدوء خليها تتجنن أكتر. لو خلصتي، الباب وراكي. أنا محتاجة أرتاح، وبنتي محتاجة تنام.
عنيها وسعت من الصدمة. كانت متعودة إني أعيط، إني أعتذر، إني أطلع اللي في جيبي عشان تسكت وتخرج. بس النهاردة مفيش دموع. طلعت الموبايل من جيبي، وقفته عن التسجيل، وحطيته على الكنبة بوضوح وهي شايفاه.
أنا عارفة إنتي بتعملي إيه، قالت وهي بتلم شنطتها پعنف. بس افتكري، العيلة هي اللي بتفضل، والرجالة بيروحوا وييجوا. ولما تقعي، مش هتلاقي حد يمد إيده غيرنا.
لو دي العيلة، فأنا يغور الأهل والدم، قلتها وأنا بلف ضهري.
خبطت الباب وراها خبطة هزت حيطان الشقة. قعدت على أقرب كرسي، ورجلي كانت بتترعش من كتر التوتر. حور صحيت وصړخت، ضمتها لصدري وبدأت أهزها بدموع باردة. مش دموع حزن، كانت دموع استفاقة.
بعد ما نامت، قمت أخدت دش بارد، غسلت فيه كل ريحة المستشفى والتوتر اللي سابته أمي وراها. طلعت، لقيت رسالة من كريم على الواتساب يا نور، قلبي مقسوم نصين إني مش جنبك، طمنيني عليكي وعلى حور.
كنت عايزة أقوله كل حاجة، أحكيله عن اقټحام أمي، عن طمعها، عن الټهديد اللي قالته. بس مسحت الكلام. هو هناك بيحمي الوطن، مش لازم يشيل هم حماية بيتي من أهلي. رديت بكلمة واحدة إحنا بخير، ركز في مهمتك.
مرت تلات أيام في صمت مريب. التليفون ما رنش. ولا رسالة إزيك، ولا سؤال حور عاملة إيه. كانت دي
أول
-
بعد 20 سنة زواجمنذ يوم واحد
-
جوزي خلاني اربي بنتمنذ يوم واحد
-
ابو ولادىمنذ يوم واحد
-
قبل فرح ابنى بكام يوممنذ يوم واحد








