قصص و روايات

ولدت بنتي وانا لوحدي

أنا اللي هخليهم يخافوا من اللي جاي.
وصلنا لمقر النيابة اللي دينا رتبت فيه الميعاد. نزلت من العربية، ورفعت راسي للسما. الهواء كان رطب وحار، بس أنا كنت حاسة ببرودة أعصابي. إبراهيم ركن عربيته بعيد شوية، نزل منها ومعاه اتنين من قرايب نادية. كانوا فاكرين إنهم جايين يخوفوني قدام باب النيابة، زي ما اتعودوا يعملوا في بيتنا.
إبراهيم قرب مني، وعينه مليانة غل. انتي فاكرة إنك لما تروحي للنيابة هتحمي نفسك؟ ده إحنا هنقول إنك سړقتي فلوس العيلة وهربتي بالبنت!
بصيت له ببرود، وما طلعتش ولا كلمة. دينا وقفت جنبي، وفتحت شنطتها وطلعت حافظة ورق كبيرة. يا إبراهيم، كل كلمة بتقولها النهاردة بتتحول لمحضر إثبات حالة. وجودكم هنا، ومطاردتكم لنور، ده في حد ذاته إزعاج وټهديد، والقانون في مصر دلوقتي بقى له عين.
إبراهيم اتلجلج، وبص للرجالة اللي معاه. كان باين عليهم إنهم مترددين. هما متعودين على البلطجة في الحواري، مش على المواجهة في ساحات القانون.
دخلنا جوه. كان مكتب وكيل النيابة هادي، ريحة الورق والبيروقراطية كانت في كل حتة. حكيت كل حاجة. كل التفاصيل اللي كتبتها في النوت بوك بتاعي. حكيت عن التهديدات، عن ، عن البيت، وعن المبطن اللي أمي قالتهولي وأنا لسه والدة. وكيل النيابة كان بيسمع وبيدون، ووشه كان بيبان عليه الاستغراب من كمية الظلم اللي اتعرضت له.
يا مدام نور، قال وكيل النيابة بصوت جدي، دي قضايا صريحة. المحضر ده هيتفتح، وهنستدعي والدتك وأختك للتحقيق.
في اللحظة دي، حسيت إني أخيراً اتنفس. القوة اللي كانوا سارقينها مني رجعت لي في شكل ورقة رسمية مختومة بختم النسر.
خرجنا من النيابة، وكانوا لسه موجودين. إبراهيم وقف قدامي، بس المرة دي كان وشه أصفر. انتي عملتي إيه؟
أنا عملت اللي المفروض يتعمل من سنين، قلت له وأنا باصة في عينه مباشرة. روح بلغ نعمت ونادية إن اللعبة خلصت. من النهاردة، أي اتصال، أي رسالة، أي محاولة اقتراب من بيتي أو بنتي، هتكون تذكرة دخول للحبس. روح وقولهم إن نور اللي پتخاف ماټت، واللي قدامك دي واحدة تانية خالص.
ركبت العربية مع دينا، وسيبناهم واقفين وسط الشارع، تايهين ومش فاهمين إيه اللي حصل. دينا ضحكت وقالت يا بنت اللعيبة.. منظرهم كان يجنن!
لسه يا دينا، لسه.. ده مجرد بداية.
وصلنا البيت، قعدت ألملم شتات نفسي. كريم كلمني تاني، صوته كان متغير، كان فيه نبرة ڠضب مكتومة. نور، أنا في المطار. ساعتين وهكون عندك. إبراهيم اتصل بيا من شوية وهددني لو ما أقنعتكيش تتنازلي عن المحضر، هيعملوا ڤضيحة في شغلنا.
خليهم يعملوا يا كريم، قلت له بقوة. اللي بيعمل كده بيبقى عايز يغطي على خيبته. أنا مش هتنازل. المحضر ده هو اللي هيحمينا.
أنا معاكي يا نور. أنا مش هسمح لحد يمسنا.
قعدت أستنى كريم. البيت كان هادي، بس كان هدوء ما قبل العاصفة. كنت عارفة إن أمي مش هتسكت. نعمت ست طموحة في أذيتها، وهتستخدم كل كارت معاها. بدأت أفكر في نادية، يا ترى هي بتفكر في إيه؟ هي اللي كانت دايماً بتتحجج بالعيال، هي اللي كانت بتدير كل حاجة من ورا الستار.
حور صحيت وطلبت رضاعة. كنت بهزها، وفجأة الموبايل رن. رقم نادية.
فتحت الخط من غير ما أتكلم.
انتي فاكرة إنك انتصرتي يا نور؟ صوت نادية كان بارد ومستفز. انتي بتدخلي نفسك في حوارات هتنهي مستقبلك. كريم مستقبله في الجيش، وانتي عايزة تضيعيه بقضايا ومحاضر؟ ده إنتي أنانية وماتحبيهوش.
انتي اللي أنانية يا نادية، رديت بصوت واطي ومسيطر. انتي اللي بقالك سنين بتسرقي تعبي وبتسميه مساعدة. وأنا مش هسمحلك تلمسي مستقبلي ولا مستقبل كريم تاني. إنتي اللي نهيتي كل حاجة لما اخترتي تستغلي بنتي اللي لسه خارجة للدنيا.
إحنا أهلك يا نور! العيلة اللي ربتك!
لا، أنتم العيلة اللي علمتني إزاي أعتمد على نفسي، وأعلمكم إن كل غلطة ليها تمن.
قفلت الخط. مفيش دموع، مفيش ۏجع. كان فيه بس حقيقة واحدة أنا بقيت أقوى من ذكرياتهم.
كريم وصل البيت بعد ساعتين. كان شكله مجهد، بس أول ما شافني وحور، حسيت بالراحة. ضمني لحضنه، وشميت ريحة البذلة العسكرية بتاعته، الريحة اللي دايماً كانت بتطمني. أنا آسف، قال وهو بېلمس شعري. آسف إني سبتك تواجهي ده لوحدك.
مش وقته يا كريم، قلت له وأنا ببعد عنه شوية. دلوقتي إحنا لازم نركز في الخطوة الجاية. هما مش هيسكتوا.
عارف، قال وهو بيطلع موبايله. أنا كلمت المحامي بتاعنا، وهنجهز لقضية حماية. وهنغير أرقامنا تماماً. هما مش هيوصلوا لنا تاني.
قعدنا سوا، بنراجع الخطوات. حسينا إن البيت بقى قلعة. كريم أخد حور في حضنه، وأنا قعدت أكتب في النوت بوك. حسيت إن حياتي بدأت تأخذ شكل تاني.. شكل أنا اللي مختاراه.
بس فجأة، سمعت صوت حاجة
بتتحرك في الصالة. باب الشقة كان مقفول، بس كان فيه صوت خربشة في الكالون. حد بيحاول يفتح الباب بالمفتاح!
كريم قام بسرعة، وقف جنب الباب. بصيت له، وهزيت راسي. إبراهيم؟
كريم فتح الباب فجأة، ولقينا إبراهيم واقف وفي إيده مفتاح بيحاول يدخله في الكالون. كان باين إنه جاي في حالة هيجان.
كريم مسكه من رقبته ورماه جوه الصالة. إنت بتعمل إيه هنا؟
إبراهيم كان بيحاول يقوم، كان باين عليه إنه شربان حاجة أو تحت تأثير ڠضب چنوني. نور.. نادية قالت لي.. نادية قالت لي لو ما جبتش البنت.. هي هتبلغ عنك في النيابة إنك بتتاجري في الآثار.. هي عندها ورق!
اټصدمت. آثار؟ إنتي اټجننتي يا نادية؟
كريم مسك إبراهيم وطلع تليفونه، وبدأ يسجل كل كلمة بيقولها. عيد تاني يا إبراهيم، نادية قالت إيه؟
قالت.. قالت إنها سړقت أوراق من مكتبك يا نور.. ورق قديم.. وهتلفق لك قضية.. هي عايزة الفلوس.. عايزة الملايين اللي في حسابك.. قالت إنك مش من حقك تعيشي ملكة وهي بتعاني!
بصيت لكريم، وعرفت إن دي اللحظة اللي الحړب فيها اتغيرت. هما مش بس بيطالبوا بفلوس، هما بيحاولوا يدمروا حياتي كلها.
دينا لازم تيجي حالا، قلت لكريم. إحنا معانا إثبات تلفيق قضية دلوقتي.
إبراهيم بدأ ينهار. أنا مش عايز مشاكل.. أنا كنت مجرد أداة.. نادية هي اللي بتدير كل حاجة.. هي اللي بعتتني عشان أغير كالون الباب وأدخل أسرق الاب توب بتاعك!
كريم بص لي، وكانت عينه مليانة ڠضب. يا نور، إحنا لازم نخرج من هنا.. البيت ده ما بقاش أمان.
لا يا كريم، قلت له بقوة. إحنا مش هنخرج.. إحنا هنخلي القانون ييجي هنا.
بصيت لإبراهيم اللي كان قاعد على الأرض بيعيط، وحسيت بإشفاق عليه، بس الشفقة ما كانتش كافية. يا إبراهيم، إنت قدامك اختيارين يا إما تروح معانا النيابة وتعترف بكل اللي نادية قالته، وتكون شاهد إثبات.. يا إما هسيب كريم يسلمك للشرطة پتهمة محاولة اقټحام منزل ومعاك السلاح اللي كنت ناوي تستخدمه.
إبراهيم فكر لحظة، وبص للورق اللي كان كريم بيجهزه. هوافق.. أنا مش عايز أضيع مستقبلي عشان نادية.
حسيت إن دي نقطة التحول. نادية وأمي كانوا فاكرين إني ضعيفة، بس

تابع المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى