
دخلوا الأوضة زي الإعصار، وخرجوا جارين محمود وهو مش دريان بالدنيا. الظابط بصلي وقالي بلهجة صارمة: “وأنتِ كمان هتيجي معانا.. فيه تحقيقات لازم تتم”. نزلت وسط العساكر، والمنطقة كلها كانت واقفة في البلكونات. عيون الناس كانت بتاكلني.. عيون فيها شماتة، وعيون فيها دهشة. أنا السنيورة الشغالة المكافحة اللي في حالها، بتركب عربية الشرطة؟ سبت عيالي بيصرخوا، وجارتي أم محمد خديتهم في حضنها وهي بتعيط. ركبونا، ومحمود جمبي مرمي زي الشوال، مش حاسس بالدنيا. كنت ببص من الشباك على الشوارع اللي بنعدي فيها، وحاسة إن حياتي انتهت.. إن الستر ضاع في ثانية بسبب راجل ميعرفش ربنا.
وصلنا القسم، الريحة هناك كانت تخنق. رمونا في ممر طويل لحد ما الظابط دخل مكتبه. بدأت التحقيق. “اسمك وسنك؟”، “سهام عبد الرحمن.. ٢٩ سنة يا باشا.. والله العظيم أنا…”. “اسكتي! أنا هسألك وتجاوبي”. الماكينة دي بتاعتك؟ “أيوة يا باشا.. دي شقايا وعمري.. بعت خاتم أمي عشان أشتريها”. “وجوزك محمود باعها لمين؟”. بصيت لمحمود بكسرة: “باعها امبارح.. نزلت السوق ورجعت ملقتهاش، ولما سألته قالي بعتها.. مكنتش أعرف إنه وداها لتاجر ولا إن فيها اللي حصل!”.
-
بعد 20 سنة زواجمنذ يوم واحد
-
جوزي خلاني اربي بنتمنذ يوم واحد
-
ابو ولادىمنذ يوم واحد
-
قبل فرح ابنى بكام يوممنذ يوم واحد
الظابط لف وشه لمحمود، وزعق فيه: “وإنت يا روح أمك.. بعت الماكينة لمين؟”. محمود بدأ ينهار: “والله ما عملت حاجة يا باشا! أنا كنت مديون، وهو قالي هات أي حاجة من البيت أسد بيها جزء من الدين لحد ما تتصرف.. جيت أخدت الماكينة ورحتله الشقة”. الظابط بصلي بنظرة مريبة وقال: “بس الشهود بيقولوا إن فيه ست بملامحك وبنفس طرحتك شوهدو خارجين من مكان المشكلة بعد وقت قصير!”. الدنيا اسودت في عيني. أنا؟ وأنا اللي عملت كدة؟ صرخت بأعلى صوتي: “أنا؟ أنا أعمل كدة يا باشا؟ ده أنا بخاف من خيالي! ده أنا كنت نايمة في بيتي وعيالي في حضني!”.
الظابط خبط المكتب: “الكلام ده هتقوليه في النيابة.. خدوهم على الحجز”. رموني في حجز الحريم. الباب الحديد اتقفل ورايا بصوت رعبني. الحجز كان ضيق، ضلمة. انكمشت في ركن بعيد، وفضلت أعيط بحرقة. عيالي.. عيالي مين هيأكلهم؟ يا رب أنا عملت إيه؟ أنا اللي بعت دهب أمي عشان أعيش بالحلال، ينتهي بيا الحال متهمة في قضية كبيرة؟
مرت الساعات كأنها سنين. الصبح ندهوا علينا عشان النيابة. دخلت مكتب وكيل النيابة، كان شاب بس هيبته تخوف. بدأ يقرأ من الورق: “سهام عبد الرحمن.. أنتِ متهمة بالاشتراك في حيازة أشياء غير قانونية.. أقوالك إيه؟”. “محصلش يا بيه! والله العظيم ما أعرف حاجة.. أنا ست خياطة على باب الله”. بدأ يواجهني بأدلة وأوراق، وفي نص التحقيق طلع ورقة ومضاها قدامي. “دي بصمتك على عقد بيع وتوزيع بضائع غير مرخصة!”. اتصدمت.. عقد؟ بصمة؟ أنا مبعرفش أقرا وأكتب كويس، ومحمود استغل طيبتي وقال لي دي ورقة للديون.
في وسط الحيرة دي، افتكرت حاجة. أخت جوزي “صباح”، اللي كانت عندي قبل المشكلة بيومين، وكانت بتدور في المطبخ ومكنتش مرتاحة. قلت بسرعة: “يا بيه! السكينة اللي في بيت المشكلة دي يمكن اتسرقت من مطبخي! صباح أخت جوزي كانت عندي!”. بدأت خيوط الحقيقة تظهر، وبدأ المحقق يتوسع في التحريات. صباح وسيد (تاجر كان بيتعامل مع محمود) كانوا هما المخططين لكل حاجة، واستغلوا سذاجة محمود وسرقة ماكينتي عشان يلبسوني أنا وهو القضية ويختفوا هما.
بعد تحقيقات طويلة ومواجهات، بانت الحقيقة. صباح اعترفت إنهم كانوا بيحاولوا يتخلصوا من أطراف تانية في تجارتهم غير القانونية ويورطونا إحنا. لكن القاضي كان لسه شايف ورقة العقد اللي عليها بصمتي. “البصمة مابتكدبش يا سهام.. أنتِ شريكة!”. حسيت إن جدران المكتب بتطبق عليا. يا بيه.. أنا مش متعلمة.. الكلب ده استغل خوفي على عيالي وبصمني على الورقة دي وقال لي دي ورقة عشان الديون!
النيابة قررت الحبس احتياطياً لحد ما المحاكمة تخلص. دخلت الحجز تاني، بس المرة دي كان عندي أمل، لأن الحقيقة بدأت تظهر. بعد أيام، زارتني أم محمد جارتي، وقالت لي إن الحارة كلها واقفة معايا، وإن المحامي بيحاول يثبت إن البصمة دي أُخذت بطريق التدليس. ومن خلال التحقيقات، ظهر إن محمود، من كتر الضغط والخوف، انهار في الحجز ومات بأزمة قلبية، وده اللي خلى القضية تأخد منحنى تاني، خصوصاً بعد ما اعترفوا “صباح وسيد” بكل حاجة قبل ما ينالوا جزاءهم.
وجيه يوم المحاكمة. دخلت القفص بملابس السجن، وعيالي بيصرخوا من بعيد. القاضي كان بيقرأ الحكم. حكمت المحكمة ببراءة المتهمة “سهام عبد الرحمن” من كافة التهم المنسوبة إليها لثبوت تعرضها للتدليس وعدم علمها بما هو منسوب إليها من أوراق.
القاعة انفجرت بالزغاريط. أنا سجدت لله شكر. خرجت من المحكمة، وكان الهوا ليه طعم تاني. أول ما رجعت الحارة، لقيت زفة معمولة لي. دخلت شقتي، لقيت الماكينة اللي الجيران جمعوا تمنها وجمعهولي هدية. قعدت قدامها، مسكت القماش، وبدأت أسمع صوت تكتكتها من تاني. الصوت ده كان بداية حياة جديدة، حياة مفيهاش خوف، ولا فيها غدر. غرزة ورا غرزة، هخيط لعيالي مستقبل جديد ونظيف ومرفوع الراس.
تمت بحمد الله.








