قصص و روايات

ماكينة الخياطة

من تسع سنين فاتوا، كنت واقفة قدام مراية دولابي الصغير، بظبط الطرحة البيضا والضحكة مش سيعاني. كنت بنت غلبانة زي أي بنت كل حلمها ستر وبيت يلمها. لما دخلت شقتنا اللي في الحتة الشعبية دي، على قد حالها، ضيقة وجدرانها مقشرة، بس كنت شايفة الجدران دي قصور. كنت بقول الحمد لله، جالي راجل هيحميني وهيصونني. بس الفرحة في بيوتنا ساعات بتبقى زي النسمة، بتعدي وتختفي في ثانية وتصحينا على واقع تاني خالص.

 

مقالات ذات صلة

مكملتش سنة أولى جواز، وبدأت أشوف وش تاني لمحمود. عيونه اللي كانت بتلمع وهي بتبص لي، بقت ذبلانة وغريبة. سهر بره البيت لأوقات متأخرة، وفلوس بتطير من بين إيدينا من غير سبب واضح. في الأول قلت يمكن ضغوط شغل، يمكن ظروف الحياة صعبة، بس الحقيقة كانت أكبر وأوجع. اكتشفت إنه بدأ ينجرف لطريق غريب، طريق خلاه ينسى مسؤوليته تجاه بيته، وبدأ يضيع كل قرش بنجمعه في حاجات بتدمر صحته وشخصيته. واجهته، عيطت، اتخانقت، بس كان بيتهرب دايماً. الدنيا اسودت في عيني، وملاقيتش حل غير إني ألم هدومي وأروح لبيت أهلي، كنت فاكرة إنهم ضهري وسندي اللي هيرجعوا لي حقي. بس الصدمة الأولى كانت منهم هما.

أبويا بص لي بجمود وقال: “أنتِ مالك وماله؟ هو مقصر معاكي في لقمة ولا هدوم؟ طالما مكفيكي اقفلي بقك واقعدي في بيتك، الست ملهاش غير بيت جوزها!”. رجعت ودموعي على خدي، ورضيت بالهم، وقلت يمكن يتغير لما يخلف ويشوف حتة منه. بس الهم مبيتغيرش، الهم بيكبر. خلفنا العيل الأول، والتاني، والتالت.. ورا بعض. ومصاريف الولادة واللبن والحفاضات بدأت تقطم الظهر. وهو؟ بدل ما يفوق، كان بيغرق أكتر في دوامة إهماله لنفسه ولبيته. الحالة بقت ضنك، والقرش اللي كان بيكفي مبقاش يجيب عيش حاف. وكل ما أفتح بقي وأقوله وفر قرش عشان عيالك، كان الرد قسوة وجفاء، ووشي اللي دبل من الحزن، وعيالي اللي بيصرخوا حواليا. ومكنتش أقدر حتى أشتكي لأهلي، لأن ردهم في ودني كان دايماً: “استحملي ده جوزك.. ملكيش غيره”.

لما لقيت الدنيا بتضلم خالص، وعيالي مش لاقين اللقمه، قلت ماليش غير دراعي. كان الحيل والحل الوحيد اللي باقيلى من ريحة أمي هو خاتم دهب صغير. قلعته من صباعي وبكيته كأني ببيع حتة من عمري، ونزلت بعته. اشتريت بيه ماكينة خياطة قديمة، “سنجر” سودا، كانت زيي، مستعملة وشقيانة. الماكينة دي مكنتش مجرد حديد، دي كانت طوق النجاة بتاعي. كنت بقعد عليها بالساعات، ظهري يتوجع وعيني تزغلل من النور الضعيف، بس كله بيهون لما كنت أسمع صوت تكتكتها وهي بتخيط القماش. الصوت ده كان بالنسبالي هو لحن الأمل.

الحمد لله، ربنا فتحها عليا وبقى يجيلي زباين من الحتة. وبدأت أعمل لعيالي اللي ابوهم مكنش قادر يعمله. ابني الصغير كان بيمشي بجزمة مقطوعة وصباعه باين منها، جبتله جزمة جديدة كان طاير بيها من الفرحة. ابني الكبير بنطلونه كان مليان رقع، فصلتله بنطلون جديد يرفع راسه بيه. بنتي الحنينة كانت تعبانة، فضلت أحوش من عرق الماكينة قرش على قرش لحد ما عالجتها. كنت بحس بانتصار مع كل غرزة بتمشي في القماش. بس الحلو مبيكملش في بيت مبني على الهروب. كل ما كنت أشتغل وأجيب قرش، كان محمود يتكاسل أكتر. بدل ما يشيل معايا، بقى يدور على أي قرش أجمعه عشان يصرفه في حاجات تافهة تبعده عن الواقع.

وفي يوم مش هنسى تفاصيله طول ما أنا عايشة.. نزلت السوق الصبح، سبت العيال نايمين ورحت أشتري توب قماش وأدوات خياطة، كنت واخدة شغل لعروسة وكنت فرحانة إن القرشين بتوعها هيسندونا الشتا ده. رجعت البيت شايلة الحاجه على كتفي، وفتحت الباب ولقيت الهدوء غريب. دخلت أوضة الشغل.. عيني راحت على التربيزة.. الدنيا لفت بيا والشنط وقعت من إيدي. التربيزة فاضية! الماكينة مش موجودة! جريت عليه وهو قاعد على الكنبة عينه مزغلله، صرخت فيه: “فين الماكينة يا محمود؟ فين الماكينة اللي بناكل منها لقمة عيش؟”.

رد عليا ببرود يقهر الحجر: “احتجت فلوسها.. بعتها.. وهبقى أجبلك غيرها، متعمليش ليلة”. ليلة؟ بعت قوت عيالك؟ اتخانقت معاه بكل غل الدنيا اللي في قلبي، مسكته من هدومه وأنا بعيط، لكنه قام وزقني، وفضل يتجاهل صراخي. عيالي صحيوا على الصوت، جريوا عليا وحضنوني وهم بيصرخوا. سكت.. سكت عشانهم زي العاده. الضعف عمره ما كان حل، والسكوت عمره ما فادني، بس برده سكت.. خدتهم في حضني ودخلت الأوضة، قفلت الباب علينا وقعدت أعيط في الضلمة. كنت ببص لدرعاتي وبقول يارب، أنا عملت إيه لكل ده؟ هأكلهم منين بكره؟ نمت ودموعي منشفتش، نمت وأنا حاسة بكسرة نفس مفيش أصعب منها.

تاني يوم الصبح، صحينا على خبط مرعب زلزل جدران البيت. خبط وراه زعيق وصوت رجالة كتير بره الباب. قلبي انقبض، ورجلي مبقتش شيلاني. جريت على الباب، فتحت.. وفجأة لقيت نفسي قدام ظابط معاه عساكر، وفي إيد واحد منهم.. الماكينة بتاعتي! أيوة، هي.. بعلامتها المميزة اللي في الجنب. الرهبة شلت حركتي لما شفت وش الظابط الصارم. سألني بصوت جهوري: “أنتِ سهام عبد الرحمن؟”. بلعت ريقي بصعوبة: “أيوة.. أنا سهام يا باشا.. فيه إيه؟”. بص للماكينة وقال بلهجة غامضة: “الماكينة دي بتاعتك؟”. هزيت راسي بسرعة وقلق: “كانت بتاعتي وجوزي باعها امبارح.. هو فيه إيه يا باشا؟”.

بصلي بنظرة خلتني أتجمد في مكاني. قال لي إن الماكينة دي تم العثور عليها في ظروف غامضة، متورطة في مشكلة كبيرة، وإنها كانت جزء من عملية غير قانونية. الدنيا لفت بيا، والأرض مبقتش شايلاني. صوته كان بيرن في ودني زي الصاعقة.. مشكلة كبيرة؟ في ماكينتي؟ الماكينة اللي كنت بسهر قدامها بالليالي عشان أجيب لقمة حلال؟ الماكينة اللي كانت بتطبطب على قلبي، بقت هي دليل الاتهام؟ وقعت على ركبي، العيال صحيوا على الصراخ، جريوا عليا ورموا نفسهم في حضني. الظابط زعق: “فين جوزك يا ست أنتِ؟”. شاورت بإيد بتترعش على الأوضة اللي جوه: “جوه.. جوه نايم.. والله العظيم ما أعرف حاجة يا باشا.. أنا غلبانة وماليش في المشاكل”.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى