
بقدم مكسورة و52 مكالمة فائتة… أمرها زوجها أن تذهب لتطبخ لوالدته، دون أن يعلم أنها المالكة الحقيقية للشركة التي يتقاضى منها راتبه. — يعني كسرتِ رجلك ولا نسيتي كمان إن أمي لازم تاكل؟ دوّى صوت كريم الشناوي عبر مكبر الهاتف، بينما كانت ليلى الدمنهوري مستلقية على سرير الطوارئ في أحد مستشفيات القاهرة.
-
بعد 20 سنة زواجمنذ يوم واحد
-
جوزي خلاني اربي بنتمنذ يوم واحد
-
ابو ولادىمنذ يوم واحد
-
قبل فرح ابنى بكام يوممنذ يوم واحد
كانت تعاني من كسر في عظمة الساق، وتسع غرز في ربلة قدمها، وفستانها مغطى بدماء جافة بعدما دراجة وهي خارجة من مخبزها في مصر الجديدة.
توقف الطبيب عن خياطة الجرح للحظة.
ونظرت الممرضة إلى شاشة الهاتف.
52 مكالمة فائتة.
قالت ليلى بصوت متعب: — يا كريم… أنا في المستشفى، ومش قادرة حتى أقف على رجلي.
ضحك باستهزاء وقال: — يا شيخة بطلي دلع! أمي لازم تاكل أكلها قليل الملح قبل الساعة اتنين. اطلبي أوبر، وتعالي اطبخي لها، وبعدها ارجعي المستشفى.
رفع الطبيب رأسه غير مصدق ما يسمعه.
أما ليلى، فشعرت أن شيئًا انكسر داخلها… لكنه لم يكن عظمًا.
ثلاث سنوات كاملة وهي تطبخ للحاجة فوزية، وتغسل ملابسها، وترافقها في كل مشاويرها، وتتحمل كلماتها الجارحة التي لم تتوقف يومًا، وكانت تصفها دائمًا بأنها “ست ملهاش طموح” لأنها تدير مخبزًا صغيرًا.
أما كريم، فكان يتباهى أمام الجميع بأنه المدير الإقليمي لشركة النخبة للأجهزة المنزلية، ويؤكد دائمًا أن الشركة لا يمكن أن تستمر يومًا واحدًا من غيره.
قالت ليلى بهدوء: — والدتك مبقتش مسؤوليتي.
ساد الصمت لثوانٍ، ثم صرخ: — إنتِ قولتي إيه؟
قالت بثبات: — والجواز ده كمان… انتهى بالنسبة لي.
وأغلق الهاتف في وجهها.
بعد نصف ساعة، دخل شرطيان إلى غرفة الطوارئ.
كان كريم قد حرر بلاغًا يتهم فيه ليلى بأنها تركت سيدة مسنة تعتمد عليها في الرعاية بعد خلاف عائلي.
قدّم الطبيب التقرير الطبي وقال: — المريضة دخلت المستشفى الساعة الثانية عشرة وثماني عشرة دقيقة بعد تعرضها لحادث، وهي غير قادرة على الوقوف.
اتصل أحد الضباط بكريم من الهاتف الرسمي.
— البلاغ اللي قدمته غير صحيح.
تغير صوته في الحال وقال: — والله ما كنت أعرف إن حالتها خطيرة بالشكل ده.
نظرت إليه ليلى وقالت بهدوء: — ما عرفتش… لأنك أصلًا ما سألتش.
في تلك اللحظة فقد أعصابه تمامًا.
وقال بغضب: — اعملي اللي تعمليه! لكن لو طلبتي الطلاق، الفيلا والعربية والحساب البنكي… كلهم هيبقوا ليا. وإنتِ هتمشي بالجبس اللي على رجلك والهدوم اللي عليكي وبس.
حدقت ليلى في سقف الغرفة الأبيض، ثم قالت بهدوء أربكه: — إنت غلطان… أنا هرجع آخد رأس مالي.
ضاحكًا: — رأس مال إيه؟! إنتِ بالكاد بتبيعي شوية عيش وحلويات!
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت: — أول حاجة هرجعها… هي نفسي.
ثم طلبت نسخة من التقرير الطبي، والأشعة، وسجل المكالمات.
وبعدها أرسلت رسالة جمعت فيها مدير البنك، ومحاميها، وكاتب العدل، وأحمد منصور المدير التنفيذي لشركة النخبة للأجهزة المنزلية.
وكتبت: — أريد مراجعة مالية عاجلة لكل ملفات كريم الشناوي.
ساد الصمت للحظات.
ثم سألها أحمد: — هتقوليله أخيرًا مين إنتِ؟
أجابت: — لسه… عايزة أشوف هيستغرق قد إيه وهو بيهدم الكرسي اللي أنا اللي حطيته عليه.
لم يكن كريم يعلم أن ليلى هي المؤسسة الحقيقية لشركة النخبة للأجهزة المنزلية قبل زواجهما، وأن حصتها في الشركة محمية داخل صندوق استثماري خاص.
وبالنسبة له… لم تكن سوى صاحبة مخبز بسيطة يسهل إهانتها.
بعد خمس عشرة دقيقة، اقتحم كريم ووالدته الحاجة فوزية غرفة الطوارئ.
صرخ كريم: — خلصتي المسرحية دي ولا لسه؟
وقالت والدته وهي تصرخ: — أنا كنت من الجوع، وهي نايمة هنا بتتمارض!
مدّت ليلى يدها وضغطت زر استدعاء الممرضة.
وقالت بهدوء: — الأمن… لو سمحتم.
أشارت الحاجة فوزية إليها بإصبع مرتجف وقالت: — يوم ما تطلعي من العيلة دي… مش هتاخدي معاكي حتى معلقة واحدة.
رفعت ليلى رأسها ونظرت إليها بثبات.
ولم يكن أحد يعلم أن هذه الكلمات… كانت بداية جميعًا.
دخل أفراد الأمن إلى غرفة الطوارئ بسرعة، ووقفوا بين ليلى وكريم ووالدته.
قال أحد أفراد الأمن بحزم: — يا فندم، ممنوع رفع الصوت داخل المستشفى. اتفضلوا برا.
صرخ كريم: — دي مراتي! وأنا حر أكلمها بالطريقة اللي تعجبني.
رد الطبيب ببرود: — وهي مريضة عندنا، ومن حقها ترفض وجود أي شخص يسبب لها إزعاجًا.
نظرت ليلى إلى كريم للمرة الأخيرة قبل أن يخرجه الأمن.
وقالت بهدوء: — المرة الجاية… هنتقابل في مكان تاني.
ابتسم بسخرية. — في المحكمة؟ ممتاز… عشان آخد كل حاجة باسم القانون.
أغلقت عينيها ولم ترد.
في صباح اليوم التالي…
وصل كريم إلى مقر شركة النخبة للأجهزة المنزلية.
دخل كعادته مزهوًا بنفسه، وألقى مفاتيح سيارته على مكتب السكرتيرة.
— فين أحمد منصور؟ قوليله يجيني حالًا.
لكن السكرتيرة لم تبتسم كعادتها.
بدت متوترة.
— أستاذ أحمد في اجتماع مجلس الإدارة.
رفع حاجبه باستغراب.
— اجتماع؟ محدش بلغني.
وقبل أن تكمل…
خرج أحمد منصور بنفسه من قاعة الاجتماعات.
اقترب منه وقال بهدوء غريب:
— كريم… مجلس الإدارة طالب حضورك.
ابتسم كريم بثقة.
— أكيد بخصوص الترقية الجديدة.
فتح أحمد الباب دون أن يجيب.
ما إن دخل حتى لاحظ شيئًا غريبًا.
جميع أعضاء المجلس موجودون.
ومعهم محامٍ لا يعرفه.
وأمام كل واحد ملف أسود.
جلس بثقة.
— خير يا جماعة؟
فتح المحامي الملف وقال:
— في مراجعة مالية تمت بأمر من المالكة الرئيسية للشركة.
ضحك كريم.
— المالكة الرئيسية؟ الشركة ملك للمستثمرين.
رد أحمد لأول مرة:
— المستثمر الأكبر… قرر يتدخل بنفسه.
وقبل أن يسأل…
رن هاتف أحمد.
نظر إلى الشاشة ثم وقف فورًا.
وقال باحترام لم يعتد كريم سماعه:
— وصلت.
وقف جميع أعضاء المجلس في اللحظة نفسها.
نظر كريم حوله باستغراب.
— مين اللي وصل؟
انفتح باب القاعة ببطء…
ودخلت ليلى.
كانت تستند إلى عكاز طبي، وقد غطى الجبس ساقها، لكنها كانت ترتدي بدلة رسمية أنيقة، وخلفها محاميها ومدير البنك.
تجمد كريم في مكانه.
— ليلى؟!
ابتسم أحمد وقال:
— اسمح لي أعرفك رسميًا…
وأشار إليها باحترام.
— الأستاذة ليلى الدمنهوري… المؤسسة والمالكة صاحبة الحصة الحاكمة في شركة النخبة للأجهزة المنزلية.
ساد صمت ثقيل.
ثم كريم ضاحكًا.
— إيه الفيلم ده؟
ألقى أحمد أمامه نسخة من عقد التأسيس.
ثم كشف وثائق الأسهم.
وشهادات الملكية.
وتوقيع ليلى الأصلي منذ أكثر من سبع سنوات.
اختفت الابتسامة من وجه كريم تدريجيًا.
بدأ يقلب الأوراق بيد مرتعشة.
كل توقيع…
كل ختم…
كل مستند…
كان حقيقيًا.
همس بصوت مرتجف:
— مستحيل…
قالت ليلى بهدوء:
— كنت فاكر إنك بنيت نجاحك بنفسك…
ثم نظرت في عينيه مباشرة.
— الحقيقة إنك كنت بتاخد مرتبك كل شهر… من الشركة اللي أنا أسستها.
ارتبكت أنفاسه.
أما أعضاء المجلس…
فكانوا ينظرون إليه وكأنهم يرونه لأول مرة.
يتبع…الجزء الثالث








