روايات وقصص

رجل عربي

— جابر، لازم تسيبنا نعدّي.

الحارس هز رأسه ببطء:

— مش هقدر.

فهد رفع صوته:

— إنت كمان داخل في الموضوع؟

عم جابر بص له بحزن:

— يا ابني، أنا طول عمري كنت بحاول أحميك.

— تحميني من مين؟

الحارس فتح فمه، لكن قبل ما يتكلم، ظهر ضوء قوي من ناحية الحديقة.

عربية سوداء دخلت من البوابة الخلفية، ووقفت قدامهم.

نزل منها رجلان، وبعدهم نزل منصور بنفسه.

كان لابس بدلة رمادية، ووشه هادي بشكل مستفز، كأنه جاي اجتماع عمل عادي.

بص لفهد، وبعدها لصوفيا، ثم قال:

— واضح إنكم لقيتوا حاجات كتير النهارده.

فهد تقدم ناحيته:

— عايز إجابات.

منصور ابتسم:

— وهتاخدها. لكن مش هنا.

أشار إلى الحراس، ففتح أحدهم باب العربية الخلفي.

وبعدين أضاف:

— فيه شخص مستنيك يا فهد. شخص لو شفته، كل الأسئلة اللي في دماغك هتتغير.

فهد ضيّق عينيه:

— مين؟

منصور بص ناحية القصر، وقال:

— الشخص اللي الكل شهد إنه مات… لكنه لسه عايش.

صوفيا شهقت، ونادر اتراجع خطوة.

أما فهد، فحس إن قلبه بيخبط بعنف.

لأنه ما كانش فيه غير شخص واحد ممكن تكون الجملة دي بتتكلم عنه.

أبوه!

لكن قبل ما يقدر يسأل، مد منصور إيده وفتح باب العربية بالكامل.

ومن جوه، ظهر ظل رجل جالس في المقعد الخلفي.

الرجل رفع رأسه ببطء.

وكانت ملامحه…

تشبه ملامح فهد بشكل مخيف.

يتبع…

الجزء الثاني عشر: الراجل اللي شبه أبو فهد بشكل مرعب!

فهد وقف مكانه، مش قادر يحرّك رجليه.

الراجل اللي قاعد جوه العربية كان عنده نفس شكل الوجه اللي حافظه من صور أبوه، نفس الحاجب اليمين اللي كان فيه أثر قديم، ونفس الطريقة اللي بيحرّك بيها صوابعه لما يكون متوتر.

حتى الساعة الفضية اللي في إيده كانت شبه الساعة اللي فهد ورثها عن أبوه.

فهد قرب خطوة، وبص للراجل بتركيز:

— إنت مين؟

الراجل ما ردش.

رفع عينيه لفهد، وبعد لحظات قال بصوت مبحوح:

— آخر مرة شوفتك فيها، كنت لسه طفل صغير.

فهد حس إن نفسه اتقطع.

الصوت!

كان فيه شبه مخيف من صوت أبوه، لكن أهدى وأضعف، كأن صاحبه عاش سنين طويلة وهو محروم من الكلام.

فهد بص لمنصور، وصوته ارتفع:

— إنت بتلعب بأعصابي؟ الراجل ده مين؟

منصور شبك إيديه قدام صدره:

— مش هتصدقني لو قلتلك اسمه.

— جرّب!

منصور أشار للرجل إنه ينزل.

فتح الرجل باب العربية ببطء، وحاول يقف، لكن رجليه ما ساعدتوش كويس، فاستند على الباب.

صوفيا قربت من فهد وهمست:

— بص على إيده اليمين.

فهد بص.

كان فيه أثر حرق قديم على كف الرجل، بنفس المكان اللي كان فيه أثر حرق على إيد أبوه في صورة عائلية قديمة.

لكن ده ما كانش دليل كافي.

فهد رجع خطوتين وقال:

— أنا عايز تحليل DNA. ومش هصدق أي كلمة قبل ما أتأكد بنفسي.

الرجل ابتسم بحزن:

— عندك حق.

وبعدين مد إيده داخل جيب معطفه، وطلع صورة صغيرة، قديمة ومطوية.

ناولها لفهد.

الصورة كانت لطفل عمره حوالي خمس سنين، واقف جنب رجل شاب في حديقة القصر.

الطفل كان فهد.

والرجل كان أبوه.

لكن المفاجأة ما كانتش في الصورة نفسها.

على ظهرها كان فيه سطر مكتوب بخط أبوه:

لو جه اليوم اللي فهد يشوف فيه الصورة دي، يبقى الخطة فشلت، ومبقاش فيه وقت.

فهد رفع رأسه بسرعة:

— أي خطة؟!

الرجل بص لمنصور، وبعدين قال:

— الخطة اللي كان المفروض تحميك من الشخص اللي كان بيحاول ياخد كل حاجة منك.

فهد لف ناحية عمه:

— مين الشخص ده؟

منصور ما ردش.

لكن صوفيا لاحظت حاجة غريبة أول ما الرجل قال كلمة الخطة، عم جابر قبض على عصاه بقوة، وبدأت إيده ترتعش.

كانت فيه حاجة كلهم عارفينها، إلا فهد.

وفجأة، الرجل اللي شبه أبوه مسك ذراع فهد، وقال له:

— اسمعني كويس. لو عايز تعرف الحقيقة، ما تروحش المستشفى اللي مكتوب اسمها في تقرير الواقعة.

فهد اتصدم:

— إنت عرفت منين إن عندي تقرير الواقعة؟

الرجل سابه، ورجع للعربية.

وقبل ما يقفل الباب، قال جملة واحدة:

— لأن التقرير ده أنا اللي كتبته… وأنا ما كنتش طبيب الواقعة أصلًا.

وبعدين قفل الباب.

فهد فضل واقف مكانه، مش عارف إذا كان اللي سمعه اعترافًا بواقعة، ولا بداية لغز أكبر.

الجزء الثالث عشر: التقرير اللي اتكتب قبل الواقعة!

منصور طلب من الجميع يرجعوا للقصر، لكن فهد رفض يتحرك من مكانه:

— مش هروح أي حتة قبل ما أعرف الراجل ده مين.

منصور رد بهدوء:

— هتعرف. بس مش بالطريقة اللي إنت متخيلها.

— أنا مش عايز نصايح منك. أنا عايز الحقيقة.

لأول مرة، ملامح منصور اتغيرت.

الهدوء اللي كان بيغطي وشه اختفى للحظة، وظهر مكانه خوف حقيقي.

خوف حاول يخبيه بسرعة، لكنه ما قدرش يمنع فهد من ملاحظته.

منصور قال للحراس يرجعوا العربيات، وبعدها طلب من عم جابر يفتح المكتب القديم.

فهد وصوفيا ونادر دخلوا وراه.

المكتب كان مقفولًا من سنين، والأثاث مغطى بأقمشة بيضاء، والستائر سميكة لدرجة إن ضوء النهار ما كانش قادر يدخل.

منصور اتجه ناحية مكتبة خشبية، وسحب منها كتابًا قديمًا.

سمعوا صوت تكة، وبعدها انفتح درج مخفي.

جواه كان فيه ملف أزرق، عليه ختم مستشفى قديمة.

فهد أخده وفتحه بسرعة.

أول ورقة كانت تقرير واقعة العربية.

والورقة اللي بعدها كانت شهادة غياب أبوه.

أما الورقة التالتة، فكانت طلبًا رسميًا لنقل مريض مجهول الهوية إلى مركز علاجي خارج دبي، بتاريخ سابق للواقعة بثلاثة أيام.

فهد بص للتواريخ مرة واثنين:

— إزاي فيه طلب نقل مريض قبل الواقعة؟

منصور قعد على الكرسي، وحط إيده على جبينه:

— لأن اللي حصل لأبوك ما كانش واقعة عادية.

نادر اتدخل بغضب:

— كفاية لف ودوران يا منصور! قول له الحقيقة كاملة!

منصور رفع عينيه له:

— إنت آخر واحد يحق له يطلب مني كده.

نادر اتجمد مكانه.

صوفيا لاحظت إن الاتنين بيتبادلوا نظرات مليانة اتهامات قديمة.

فقالت:

— واضح إن كل واحد فيكم عارف جزءًا من الحكاية، وكل واحد بيخبي الجزء اللي يدينه.

منصور بص لها باستغراب:

— إنتِ أذكى مما توقعت.

صوفيا ردت:

— وأنت بتخاف من أسئلتي أكتر مما توقعت.

فهد ضرب الملف على المكتب:

— أنا مش مهتم بمين أذكى من مين! أبويا حصل له إيه؟

منصور سكت طويلًا، وبعدها قال:

— في الليلة اللي حصل فيها الواقعة، أبوك كان رايح يقابل شخصًا معاه مستندات تثبت إن جزءًا كبيرًا من أموال الشركة اختفى على مدار سنين. المستندات دي كانت كفيلة إنها تسجن أشخاصًا كتير، مش شخص واحد.

فهد سأله:

— مين الأشخاص؟

منصور بص ناحية الباب المفتوح، وكأنه بيتأكد إن محدش واقف بره.

وبعدين قال:

— أبوك، قبل الواقعة بيوم، اكتشف إن واحدًا من أقرب الناس ليه كان بيستخدم اسمه في تحويلات مالية سرية.

— مين؟

منصور فتح فمه، لكنه سكت لما سمع صوت تليفونه.

ظهرت على الشاشة رسالة من رقم مجهول:

لو قلت اسمي، مش هتشوف ابنك تاني.

منصور شحب.

فهد لمح الرسالة وخطف التليفون من إيده:

— مين اللي بعتلك الرسالة دي؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى