
يوم 26 ديسمبر سنة 2017، اختفت عيلة كاملة في ظروف غامضة أثناء رجوعها من زيارة عائلية قصيرة.
أب وأم وابنهم اللي عنده 19 سنة خرجوا بعربيتهم، وكان المفروض يوصلوا بيتهم خلال أقل من ساعة لكنهم اختفوا وكأن الأرض انشقت وبلعتهم!
وبعد يومين بس، رصدت كاميرات المراقبة شخص غامض واقف قدام ماكينة صراف آلي، لابس جاكيت شتوي نبيتي، وبيسحب مبلغ 5000 دولار من حساب الأم المختفية!
الشرطة اعتقدت في البداية إن العيلة هربت بإرادتها، وإن الأب قرر يسيب كل حاجة ويفتح صفحة جديدة بعيد عن المشاكل والديون.
لكن بنتهم إيزابيلا كانت متأكدة إن في حاجة أكبر بكتير بتحصل.
كانت عارفة إن أهلها مستحيل يختفوا ويسيبوا حياتهم بالشكل ده، خصوصًا إن أخوها الصغير كان متعلق بيها جدًا.
لكن اللي محدش كان يتوقعه إن الحقيقة هتفضل مدفونة أكتر من سنتين، لحد ما عامل إنشاءات يكتشف بقايا بشړية في مجرى تصريف مياه مهجور خلف منطقة صناعية.
والدليل الوحيد اللي هيربط الچثة بالأم المختفية كان غرزة خياطة صغيرة جدًا في كم الجاكيت!
والأغرب؟ لما المحققين رجعوا لتسجيل ماكينة الصراف الآلي وشغّلوه للنهاية، اكتشفوا إن الشخص اللي كان لابس جاكيت الأم ماكانش ست أصلًا!
كان شخص المفروض إنه هو كمان مختفي!
شخص كان ممكن يكون بيحاول ينقذ عيلته لكنه ما رجعش البيت أبدًا!
24 ديسمبر 2017 ليلة الكريسماس الأخيرة
في الليلة دي، كانت عيلة سادوفيسكي متجمعة في بيت الجدة ريجينا بمدينة صغيرة اسمها ماونت بليزانت في ولاية ميشيغان الأمريكية.
كانت البيوت كلها مزينة بأضواء الكريسماس، والثلج متراكم على جوانب الطرق، والجو مليان برائحة المخبوزات والقرفة واللحوم المشوية.
إيزابيلا، اللي كان عندها 24 سنة، كانت قاعدة على كرسي جنب السفرة، وماسكة إبرة وخيط وبتصلح جاكيت مامتها المفضل، اللي كان لونه نبيتي غامق.
مامتها ماريوولا كانت قطعته بالغلط في سلك بارز من بوابة الجنينة.
بصتلها وقالت بحنان
ممكن تصلحيهولي يا حبيبتي؟ ده الجاكيت اللي بحبه ومش عايزة أستغنى عنه.
ابتسمت إيزابيلا وقالت
سيبيه عليّا يا ماما، هرجعهولك كأنه جديد.
إيزابيلا كانت شغالة فنية ملابس في ديترويت، وكانت بتحب الخياطة من وهي طفلة.
قصّت قطعة صغيرة من قماش نبيتي أغمق شوية، وثبتتها فوق مكان القطع، وبعدها بدأت تخيطها بعناية شديدة.
وفي نهاية الخياطة، عملت عقدة مزدوجة صغيرة، وأنهت الغرزة بحلقة دقيقة.
كانت دي علامتها المميزة اللي اتعلمتها من مدرستها القديمة.
مدرستها كانت دايمًا
تقولها
الخياطة الشاطرة ليها بصمة، وكل غرزة بتعملها بتكون زي توقيعها.
إيزابيلا ضحكت وهي بتقطع الخيط، من غير ما تعرف إن الغرزة الصغيرة دي هتكون بعد كده أهم دليل في قضية اختفاء عيلتها!
على الناحية التانية من السفرة، كان والدها ميروسواف بيقطع العيش بإيده الشمال.
أخوها الأصغر كاسبر ضحك وقاله
يا بابا، هو إنت عمرك ما هتتعلم تمسك السکينة زي الناس الطبيعية؟
أبوه رد وهو بيضحك
لما تتعلم تلبس جاكيتك قبل ما تنزل في التلج، ابقى علّمني!
الكل ضحك.
كاسبر كان عنده 19 سنة، طالب جامعة، وعاشق للتصوير الفوتوغرافي. ماكانش بيفارق الكاميرا بتاعته تقريبًا.
جاكيته الرمادي كان متعلّق على كرسي قريب منهم، وفيه قطع صغير في الكم بسبب حاډثة حصلت له بالعجلة من كام شهر.
بص لإيزابيلا وقال
طب ما تصلحيلي جاكيتي أنا كمان؟
ردت وهي بتضحك
بعد الكريسماس.
قال متذمرًا
إنتِ بتقوليلي كده كل مرة!
كانت ليلة عائلية دافية، مليانة ضحك وهزار، ومحدش فيهم كان متخيل إن دي هتكون آخر مرة يجتمعوا فيها بالشكل ده.
لكن في وسط اللمة، حصل موقف غريب.
بعد العشاء، لاحظت إيزابيلا إن أبوها خرج مع جدتها ريجينا للغرفة الجانبية، وبدأ يتكلم معاها بصوت منخفض.
سمعته بيقول
بعد رأس السنة، هسلّم كل المستندات للمدعي العام.
الجدة اتغيرت ملامحها وقالت پخوف
ميرِك، أرجوك، مش الليلة. خلينا نعدّي الكريسماس بسلام.
رد پغضب مكتوم
هو فاكر إنه يقدر يهددني لمجرد إني مديون له بفلوس؟
سألته
بتتكلم عن شريكك في الشغل؟
هز راسه وقال
بوجدان.
بوجدان باولاك كان صديق قديم للعيلة، وصاحب شركة نقل واستخراج حصى ورمال خارج البلدة.
من سنين، كان ساعد ميروسواف في شراء شاحنة جديدة لشغله، لكن العلاقة بينهم اتدهورت بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة.
ميرِك اكتشف إن شاحناته ومقطوراته ممكن تكون اتورطت في نقل وقود مصدره مشپوه، وكان شاكك إن بوجدان بيستخدم الشركة في عمليات غير قانونية.
قرر إنه ينسحب من الشراكة، ويكشف كل حاجة للسلطات.
قال لجدته پغضب
مش هسمح له يدمّر حياتي ولا حياة عيلتي!
ريجينا مسكت إيده وقالت
خليك حريص يا ابني. الراجل ده مش سهل.
وقبل ما يكملوا كلامهم، دخلت ماريوولا الغرفة، فسكتوا فورًا.
لكن إيزابيلا كانت لاحظت الخۏف الواضح على وش جدتها.
ولم تتخيل إن الخۏف ده كان مجرد بداية لكابوس طويل.
26 ديسمبر آخر مرة شافوا بعض
بعد يومين، والد إيزابيلا وصلها بالعربية لمحطة القطار، لأنها كانت راجعة لشغلها في ديترويت.
قبل ما تنزل، بص لها وقال
أول
ما توصلي، كلميني. ماتنسيش.
ابتسمت وحضنته
حاضر يا بابا، ماتقلقش.
كان حضڼ عادي جدًا، لكنه كان آخر حضڼ بينها وبين أبوها.
في نفس المساء، ميروسواف وماريوولا وكاسبر بدأوا يجهزوا نفسهم للعودة إلى منزلهم في مدينة قريبة.
المسافة بين بيت الجدة وبيتهم كانت حوالي 22 ميلًا، يعني أقل من ساعة بالعربية.
ماريوولا لبست جاكيتها النبيتي اللي بنتها صلحته، ورفعت الكابيشو فوق شعرها.
كاسبر أخد موبايله والكاميرا، وميروسواف حمّل الحاجات في العربية العائلية الرمادي.
حوالي الساعة الخامسة مساءً، ودّعتهم الجدة ريجينا من باب البيت.
كانت العربية ماشية ببطء وسط الثلج الخفيف، لحد ما اختفت عند نهاية الشارع.
الساعة 750 مساءً، إيزابيلا استقبلت رسالة من مامتها
إحنا لسه عند بوجدان. بابا بيخلص شوية ورق. ماتستنونيش. هكلمك بكرة الصبح. بحبك .
إيزابيلا ردت
تمام يا ماما، خلي بالك من نفسك. بحبك.
بعد حوالي أربعين دقيقة، بعتت لأخوها
وصلتوا البيت ولا لسه؟ طمني.
الرسالة اتعلم عليها إنها اتقرت.
لكن كاسبر ما ردش!
الساعة 914 مساءً، موبايل ماريوولا خرج من الشبكة.
وبعد دقيقتين، موبايل ميروسواف اختفى.
وبعد أربع دقايق، موبايل كاسبر اتقفل هو كمان.
ثلاثة تليفونات، وثلاثة أشخاص اختفوا في نفس الوقت تقريبًا!
وبعد كده، لما الشرطة راجعت بيانات شركات الاتصالات، اكتشفت إن آخر إشارة للأجهزة الثلاثة كانت من برج اتصالات بيغطي المنطقة المحيطة بمقلع الحصى الخاص ببوجدان.
لكن في الوقت ده، إيزابيلا كانت لسه فاكرة إن أهلها وصلوا بيتهم وناموا.
البيت اللي كان فيه كل حاجة إلا أصحابه
تاني يوم الصبح، إيزابيلا اتصلت بمامتها.
مفيش رد.
اتصلت بأبوها.
الموبايل مقفول.
اتصلت بكاسبر.
مفيش أي استجابة!
في البداية حاولت تقنع نفسها إنهم يمكن ناموا متأخر، أو إن في مشكلة في الشبكة بسبب العاصفة.
لكن مع دخول وقت الضهر، بدأ الخۏف يسيطر عليها.
اتصلت بجدتها ريجينا وسألتها
يا تيتة، ماما وبابا وصلوا البيت؟
الجدة ردت باستغراب
هما خرجوا من عندي امبارح، والمفروض يكونوا وصلوا من زمان!
إيزابيلا سكتت لحظة وبعدين قالت
يعني إنتِ مش عارفة هما فين؟
الجدة بدأت تقلق، واتصلت فورًا ببوجدان.
الغريب إنه رد بهدوء شديد، وكأن مفيش أي حاجة حصلت.
قال
أيوه، هما جم عندي. ميرِك مضى شوية ورق، ومشيوا حوالي الساعة تسعة. كل حاجة كانت تمام.
لكن كلامه كان غريبًا؛ لأن الجدة كانت متأكدة إنهم خرجوا من بيتها الساعة خمسة، ومحدش قالها إنهم ناويين يتأخروا.
في
المساء، إيزابيلا رجعت لبيت أهلها.
أول ما فتحت الباب، وقفت مكانها.
كان البيت هادي بشكل مخيف.
تلات أزواج شباشب
سه موجودين عند المدخل.
نضارة مامتها للقراءة على الترابيزة.
كتابها مفتوح على الصفحة اللي كانت بتقرأها.
أدوية أبوها في مكانها.
وهدوم كاسبر كلها موجودة في غرفته.
مفيش شنط سفر ناقصة، ولا هدوم متجمعة، ولا حتى ورقة صغيرة بتقول إنهم قرروا يسافروا!
إيزابيلا بدأت ټعيط وهي بتفتش كل ركن في البيت.
وبعدها جريت على مركز الشرطة وقدمت بلاغ باختفاء أهلها الثلاثة.
حكت للمحقق عن خلافات أبوها مع بوجدان، وعن تهديداته، وعن اختفاء الموبايلات في نفس التوقيت.
في البداية، الشرطة تعاملت مع البلاغ بجدية.
لكن بعد يومين، ظهر دليل غريب غيّر اتجاه القضية بالكامل.
5000 دولار والشخص اللي سرق هوية الأم
مساء الخميس 28 ديسمبر، كاميرات ماكينة صراف آلي في مدينة قريبة سجلت شخصًا بيستخدم البطاقة البنكية الخاصة بماريوولا.
الشخص سحب 2500 دولار.
وبعد دقائق، سحب 2500 دولار تانيين.
الإجمالي كان 5000 دولار!
كاميرا المراقبة أظهرت شخصًا لابس جاكيت شتوي نبيتي، والكابيشو مرفوع ومقفول بإحكام تحت الذقن، ووشه مش واضح بسبب زاوية التصوير.
لما المحقق عرض الصورة على إيزابيلا، اټصدمت.
صړخت
ده جاكيت ماما! أنا اللي صلحته بإيدي!
المحقق بص للصورة وقال
ده معناه إن والدتك كانت عايشة بعد اختفائها بيومين على الأقل.
لكن إيزابيلا قربت من الشاشة وفضلت تدقق في الصورة.
وبعدين قالت
استنى ماما عمرها ما كانت بتقفل الكابيشو بالطريقة دي!
المحقق رد
يمكن كانت بردانة جدًا.
لكن إيزابيلا كانت حاسة إن في حاجة غلط.
وبعدها حصلت حاجة زادت شكوكها.
وصلت رسالة من رقم مامتها
ماتدورشوا علينا. إحنا محتاجين وقت لوحدنا. هشرحلكم كل حاجة بعدين.
إيزابيلا فضلت باصة للرسالة وهي مش مصدقة.
مفيش علامات ترقيم.
مفيش أسلوب مامتها المعتاد.
مفيش حتى قلب صغير في نهاية الكلام!
ماريوولا كانت مدرسة لغة وأدب، وكانت بتصحح الأخطاء الإملائية حتى في رسايل العيلة.
إيزابيلا قالت للمحقق
دي مش أمي! مستحيل تكون هي اللي كتبت الكلام ده!
لكن الشرطة بدأت تميل لفكرة إن العيلة هربت بإرادتها.
الأب عليه ديون، وفي فلوس اتسحبت من الحساب، والعربية اتلاقت بالقرب من محطة القطار.
يمكن قرروا يسيبوا كل حاجة ويبدأوا حياة جديدة!
وبالفعل، عمليات البحث اتراجعت، والملف بدأ يبرد.
لكن إيزابيلا رفضت تستسلم.
فضلت أكتر من سنتين تحاول تقنع أي حد يسمعها إن أهلها ما سابوهاش بإرادتهم.
كانت كل مرة تروح فيها للشرطة ترجع بنفس الإجابة تقريبًا
مفيش دليل كافي يثبت إنهم اتعرضوا لچريمة.
لحد يوم 15 أبريل سنة 2020.
اليوم اللي رجع فيه الړعب من جديد.
الجاكيت اللي خرج من تحت الطين
في اليوم ده، كان عامل إنشاءات بينضف مجرى تصريف مياه جاف ومهجور خلف منطقة مقلع الحصى.
وفجأة، وهو بيحرك الطين بمعداته، لمح حاجة لونها نبيتي طالعة من الأرض.
في البداية افتكر إنها قطعة ملابس قديمة.
لكن لما قرب منها، اتجمد مكانه.
كان جاكيت شتوي!
وبجانبه بقايا بشړية!
الشرطة وصلت فورًا، وبدأت تفحص المكان بعناية.
ولما رفعوا الجاكيت من الطين، ظهرت تفصيلة صغيرة في الكم الشمال.
رقعة مستطيلة من القماش، متخيطة بطريقة مميزة جدًا!
نفس الرقعة اللي إيزابيلا خاطتها لمامتها ليلة الكريسماس!
استدعوا إيزابيلا للتعرف على الجاكيت.
أول ما شافته، إيديها بدأت ترجف.
قلبت الكم من الداخل، وفضلت تدور بعينيها على العلامة اللي عملتها بإيديها.
وفجأة لقتها!
العقدة المزدوجة والحلقة الصغيرة!
نفس بصمتها اللي كانت بتختم بيها كل شغلها.
دموعها نزلت وهي بتقول
ده جاكيت ماما!
لكن لما بصت على بقايا الچثة، لاحظت حاجة خلتها تتراجع خطوة لورا.
الأكمام كانت أقصر بكتير من طول دراعات مامتها.
والهيكل العظمي نفسه كان أطول من جسمها بشكل واضح!
المحقق سألها بهدوء
إنتِ متأكدة إن الجاكيت ده بتاع والدتك؟
هزت راسها وهي بټعيط
أيوه متأكدة.
وبعدين قالت بصوت مرتعش
بس الشخص اللي كان لابسه مش أمي!
بعد أيام، ظهرت نتيجة تحليل الحمض النووي.
والصدمة كانت أكبر من كل التوقعات!
الچثة ماكانتش لماريوولا.
كانت لوالدها ميروسواف!
يعني الشخص اللي ظهر في كاميرا ماكينة الصراف الآلي، وهو لابس جاكيت مراته، ممكن يكون هو نفسه ميروسواف!
لكن ليه راجل يلبس جاكيت مراته ويسحب فلوس من حسابها؟
وفين راحت ماريوولا؟
وفين كاسبر؟
والأهم من كل ده إيه اللي حصل في مقلع الحصى ليلة اختفاء العيلة؟
الإجابة كانت مستخبية في تسجيل فيديو مدته ست دقايق، والشرطة كانت معاها التسجيل ده من أكتر من سنتين!
ست دقايق محدش اهتم يتفرج عليها للنهاية!
لكن لما المحققين قرروا يشغّلوا الفيديو كامل، ظهرت تفصيلة واحدة قلبت القضية رأسًا على عقب
تفصيلة متعلقة بإيد ميروسواف الشمال!
واللي ظهر في آخر التسجيل كان أبشع بكتير من مجرد چريمة قتل!
الجزء الثاني الست دقائق اللي كشفت القاټل!
الساعة 914 مساءً تسجيل واحد كان كفيل يكشف چريمة كاملة، لكن محدش اهتم يشوفه للنهاية!
لما المحقق دانيال ميلر استلم ملف اختفاء عيلة سادوفيسكي من جديد، كان أول قرار أخده إنه يراجع كل الأدلة القديمة، حتى الحاجات اللي الشرطة اعتبرتها غير مهمة وقتها.
كان قدامه چثة أب، وجاكيت أم، وابن مفقود، وامرأة اختفت من غير أثر، و دولار اتسحبوا من حسابها بعد اختفائها.
لكن أكتر حاجة لفتت انتباهه كانت تسجيل فيديو مدته ست دقايق من كاميرا مراقبة موجودة عند مدخل مقلع الحصى الخاص ببوجدان باولاك.
التسجيل كان موجود في ملف القضية من أول أسبوع، لكن المحققين القدماء اكتفوا بمشاهدة مقطع قصير منه.
دانيال طلب النسخة الأصلية من الشركة اللي ركبت الكاميرات، وقرر يشوف التسجيل كامل.
الساعة كانت 1140 مساءً لما دخل غرفة المشاهدة، وقفل الباب، وبدأ يشغّل الفيديو.
في البداية، مفيش حاجة غير الطريق المظلم، وشاحنة واقفة بعيد، وأضواء متقطعة جاية من داخل الموقع.
بعد حوالي دقيقة ونص، ظهرت العربية الرمادي الخاصة بميروسواف.
وقفت قدام البوابة.
نزل منها رجل، وفتح البوابة بالمفتاح.
كان طويل، وبيتحرك ببطء، وإيده الشمال كانت ماسكة مصباحًا صغيرًا.
دانيال وقف التسجيل.
رجع الصورة للخلف، وكبّرها.
قال لنفسه
إيدك الشمال؟
فتح تقرير الطب الشرعي الخاص بالچثة.
التقرير ذكر إن ميروسواف كان أعسر، وإن آثار بعض الإصابات القديمة في عظام إيده اليسرى كانت متوافقة مع ملفه الطبي.
لكن اللي ظهر في الفيديو كان بيستخدم إيده الشمال بطريقة واضحة.
دانيال كمل.
بعد دقيقتين، ظهرت ماريوولا وهي خارجة من العربية.
كانت لابسة الجاكيت النبيتي.
لكن بعد ثوانٍ، ظهر شخص تالت من ناحية بوابة جانبية.
الشخص كان بوجدان باولاك.
وقف الثلاثة جنب العربية.
ميرِك كان بيشير ناحية مبنى صغير داخل الموقع، وماريوولا كانت بتتكلم بعصبية.
ثم فجأة، بوجدان فتح باب المبنى.
دخلوا جميعًا.
بعدها بدقيقة، ظهر كاسبر.
كان ماسك الكاميرا بتاعته.
وقف للحظة عند مدخل الموقع، وبص ناحية الطريق، وكأنه متردد يدخل.
ثم اختفى داخل المبنى.
دانيال قرب وشه من الشاشة.
يبقى الأربعة كانوا هنا!
لكن التسجيل استمر.
بعد حوالي أربع دقائق، ظهر بوجدان خارج المبنى لوحده.
كان بيبص حواليه، وبعدين رجع لجوه.
بعدها، خرج شخص لابس الجاكيت النبيتي.
كان رأسه منخفضًا، والكابيشو مقفول حول وجهه.
الشخص مشي ناحية العربية الرمادي، لكنه توقف فجأة، وبص ناحية الكاميرا.
ثم رفع إيده اليسرى وعدّل الكم.
دانيال أوقف التسجيل مرة تانية.
لاحظ إن الشخص أطول من ماريوولا بوضوح، وإن كتفيه أعرض.
وبعدها ظهرت التفصيلة اللي خلت المحقق يطلب إعادة فتح التحقيق رسميًا.
الشخص كان بيعرج عرجة بسيطة في رجله اليمنى.
دانيال فتح ملف ميروسواف الطبي.
كان عنده إصابة قديمة في الركبة اليمنى، وكان بيعرج لما يمشي مسافات طويلة.
أما ماريوولا، فكانت لا تعاني من أي مشكلة في المشي.
قال المحقق بصوت منخفض
اللي كان لابس الجاكيت هو ميرِك نفسه!
لكن السؤال الأهم كان
فين كانت ماريوولا وقتها؟
وليه بوجدان كان موجود في الموقع؟
أول خيط الحسابات اللي ڤضحت الشراكة
في صباح اليوم
لتالي، استدعى دانيال المحققة سارة كولينز، المتخصصة في الچرائم المالية.
طلب منها مراجعة جميع الحسابات البنكية الخاصة بميروسواف وبوجدان، والشركات اللي كانوا بيتعاملوا معاها.
في البداية، الحسابات كانت تبدو طبيعية.
لكن بعد مراجعة التحويلات القديمة، ظهرت مشكلة كبيرة.
قبل اختفاء العيلة بثلاثة أشهر، كان ميروسواف اكتشف تحويلات مالية مشپوهة من شركة النقل إلى حسابات مرتبطة بموردين وهميين.
المبالغ كانت بتخرج على شكل فواتير نقل وصيانة، لكن مفيش أي إثبات إن الخدمات دي اتنفذت فعلًا.
خلال ثمانية عشر شهرًا، اختفى من حساب الشركة مبلغ يقارب 186 ألف دولار.
وكان بوجدان هو الشخص الوحيد اللي عنده صلاحية اعتماد جزء كبير من التحويلات.
لكن الموضوع ماكانش مجرد سړقة أموال.
في مستندات الشحن، ظهرت شحنات وقود اتسجلت على إنها مواد بناء، وشحنات تانية اتنقلت باستخدام أوراق غير مطابقة للواقع.
ميرِك كان بدأ يجمع نسخًا من الفواتير وأرقام الشاحنات وأسماء السائقين.
وكان ناوي يسلّمها للمدعي العام بعد الكريسماس.
دانيال قال
بوجدان كان عارف إنه لو ميروسواف اتكلم، مش هيخسر فلوسه بس. ممكن يدخل السچن.
سارة ردت
وفي حاجة تانية. ميروسواف كان عنده نسخة من بعض المستندات خارج الشركة. لو اختفى، المفروض إنها تظهر في مكان ما.
بدأوا يراجعوا البريد الإلكتروني القديم، واكتشفوا إن ميروسواف كان بعت رسالة مشفّرة لمحاسبه قبل اختفائه بأسبوع.
الرسالة كانت قصيرة
لو حصل أي شيء، راجعوا النسخة الزرقاء من ملف الشحنات. متسلمهاش لبوجدان.
لكن الملف الأزرق ماكانش موجود في مكتبه ولا في بيته.
إذن، فين أخفاه؟
زيارة إيزابيلا والسر اللي خبّته عن الشرطة
استدعى دانيال إيزابيلا مرة تانية.
كانت قاعدة قدامه، وملامح التعب واضحة على وشها.
قالها
عايزين نعرف كل حاجة عن آخر أيام والدك. حتى الحاجات اللي ممكن تكوني شايفاها عادية.
إيزابيلا فكرت شوية، وبعدين قالت
بابا كان متوتر جدًا قبل الكريسماس. وكان بيتكلم كتير عن بوجدان.
سألها
هل قال لك إنه بېخاف منه؟
هزت راسها.
مش بالضبط. بس مرة قال لي إن فيه ناس بتفتكر إن الفلوس بتشتري سكوت أي حد.
وبعدها سكتت.
دانيال لاحظ إنها مترددة.
في حاجة تانية؟
قالت
في يوم 25 ديسمبر، بابا اتصل بيا. كان صوته غريب، وسألني لو لسه محتفظة بصندوق الأدوات القديم بتاعه.
صندوق إيه؟
صندوق معدني أزرق كان بيحتفظ فيه بأوراق مهمة. أنا كنت شايلاه عندي في الشقة، لأنه كان سايب فيه بعض أدوات التصليح القديمة.
دانيال اعتدل في كرسيه.
وإنتِ ماقلتيش الكلام ده قبل كده ليه؟
ردت بخجل
وقتها كنت فاكرة إنه بيسأل عن أدوات عادية. ولما اختفوا، الشرطة سألتني عن الشنط والأوراق، لكن محدش سألني عن صندوق الأدوات.
طلب منها المحقق تجيب الصندوق فورًا.
بعد ساعتين، كانت قاعدة في غرفة الأدلة، والصندوق قدامها.
فتحوه بحضورها.
كان فيه مفكات قديمة، ومسامير، ودفتر صغير، لكن تحت القاعدة المعدنية ظهر تجويف ضيق.
وفي التجويف، كانت فيه وحدة تخزين إلكترونية صغيرة، ملفوفة في كيس بلاستيك.
دانيال بص لإيزابيلا.
أعتقد إننا لقينا النسخة الزرقاء.
الملف اللي كان ممكن يودي بوجدان للسجن
بعد فحص وحدة التخزين، اكتشف فريق التحقيق مجموعة كبيرة من المستندات.
نسخ فواتير، صور لشحنات، تسجيلات صوتية لاجتماعات عمل، ومراسلات بين بوجدان وعدد من الموردين.
لكن الملف الأهم كان جدولًا ماليًا مفصلًا، فيه تواريخ التحويلات والمبالغ والحسابات المستقبلة.
كل حاجة كانت بتشير إلى إن بوجدان استولى على أموال الشركة، واستخدم بعض الشاحنات في عمليات نقل غير قانونية.
وكان فيه تسجيل صوتي لمكالمة بين ميروسواف وبوجدان قبل اختفائهما بأيام.
صوت ميروسواف كان واضحًا
أنا مش هكمل في الموضوع ده. معايا نسخ من كل حاجة.
بوجدان رد
إنت فاهم إنك لو عملت كده، هتدمر نفسك قبل ما تدمرني؟
ميرِك قال
أنا مش خاېف من المحكمة. أنا خاېف على عيلتي من واحد زيك.
بوجدان سكت لحظات، ثم قال
يبقى فكّر كويس قبل ما تعمل أي خطوة.
وانتهت المكالمة.
لكن التسجيل ده ماكانش دليلًا كافيًا لإثبات چريمة قتل.
كان مجرد دليل على خلاف وټهديد محتمل.
دانيال كان محتاج يعرف إيه اللي حصل فعلًا ليلة 26 ديسمبر.
إعادة بناء الليلة الأخيرة
بدأ المحققون يراجعوا تسجيلات الكاميرات في الطرق المحيطة بمقلع الحصى.
واكتشفوا إن عربية ميروسواف دخلت الموقع الساعة 842 مساءً.
لكن المفاجأة إن العربية خرجت الساعة 927 مساءً، وكان فيها شخص واحد فقط ظاهر من خلال الزجاج الأمامي.
وبعد حوالي عشر دقائق، ظهر الشخص نفسه عند محطة وقود قريبة.
اشترى زجاجة مياه، وبعض المناديل، وبطاقة هاتف مسبقة الدفع.
كان لابس الجاكيت النبيتي.
الوجه ماكانش واضح بالكامل، لكن طريقة المشي كانت متطابقة مع طريقة ميروسواف.
المحققون رجعوا لكاميرا ماكينة الصراف الآلي.
المقطع اللي كانت الشرطة القديمة اعتمدت عليه كان مدته أقل من دقيقة.
لكن النسخة الأصلية كانت أطول.
في التسجيل الكامل، الشخص اللي سحب الفلوس دخل الكادر من الناحية اليمنى.
وقف أمام الماكينة، وسحب البطاقة من جيبه.
ثم استخدم إيده الشمال لإدخال الرقم السري.
بعد ما سحب المبلغ، وقع منه إيصال صغير.
انحنى والتقطه بإيده الشمال، وبعدها غادر.
دانيال قال
الشخص ده مش بيقلّد ماريوولا. ده راجل بيحاول يخفي هويته!
لكن ليه اختار جاكيت مراته؟
الجواب ظهر لما فحصوا ملابس ميروسواف القديمة اللي كانت محفوظة في البيت.
كان فيه جاكيت رمادي شبيه بالجاكيت اللي ظهر به الشخص في الكاميرات، لكنه كان مقطوعًا عند الكم، ولم يكن مناسبًا للخروج في البرد.
أما جاكيت ماريوولا النبيتي، فكان واسعًا وطويلًا، وكان قادرًا يخفي شكل جسمه وملامحه لو رفع الكابيشو.
والأهم إن الشخص كان بيحاول يبعد الشك عن هويته، ويخلي الشرطة تعتقد إن ماريوولا ما زالت حية.
لكن الحقيقة إن ميروسواف نفسه كان بيحاول الهرب من الموقع.
الشاهد اللي كان ساكت سنتين
خلال مراجعة قائمة العاملين في مقلع الحصى، ظهر اسم رجل اسمه إريك هاريس.
كان سائق شاحنة سابقًا، وترك الشغل بعد اختفاء العيلة بشهرين.
المحقق دانيال طلب استدعاءه.
في البداية، إريك أنكر إنه يعرف أي حاجة.
قال
أنا كنت شغال هناك، لكن ماكنتش موجود ليلة الحاډثة.
دانيال حط قدامه صورة التسجيل.
متأكد؟
إريك بص للصورة، وبدأ يتوتر.
أنا مش عايز مشاكل.
المحقق رد
فيه أب ماټ، وأم وابن اختفوا. ولو عندك معلومة وسكت عنها، إنت كده بتساعد الشخص اللي عمل ده.
إريك فضل ساكت فترة طويلة.
وبعدين قال
أنا سمعت خناقة الليلة دي.
بدأ يحكي.
كان بيشتغل في وردية مسائية، وسمع أصوات عالية جاية من المكتب الصغير.
ميرِك كان پيصرخ
إنت سړقت فلوسي، وورطتني في شغل قذر، ودلوقتي عايزني أسكت؟
وبوجدان رد
إنت اللي مضيت على الورق!
ميرِك قال
مضيت على فواتير نقل، مش على تهريب!
بعدها إريك سمع صوت حاجة وقعت على الأرض، ثم صوت ارتطام قوي.
خاف وخرج من المكان.
لكنه قبل ما يركب عربيته، شاف بوجدان خارج من المكتب، وهدومه متسخة، ووشه شاحب.
سأله
في حاجة حصلت؟
بوجدان رد بعصبية
ميروسواف مشي. إنت مالك؟
إريك ماصدقوش.
بعد حوالي نصف ساعة، شاف بوجدان وهو بيطلب منه يرجع البيت، ويقول إنه هيحسب له باقي الوردية.
المحقق سأله
ليه ما بلغتش الشرطة؟
إريك نزل عينيه.
بوجدان هددني. قال لي إنه عارف عنوان بيتي، وإن عنده صور ليا وأنا بنقل شحنات غير قانونية. كنت خاېف أخسر شغلي وأدخل السچن.
دانيال قال
هل شفت ماريوولا أو كاسبر؟
إريك اتردد، وبعدين قال
أيوه. شفت كاسبر داخل المكتب بالكاميرا بتاعته. وبعدها سمعت صوت بوجدان بيقوله يسيب الكاميرا بره.
سأله دانيال
ومراته؟
قال إريك
شفتها خارجة من المكتب قبل




