
جوزي سابني بعد ما فقدنا واحدة من بناتنا التوأم…لكن يوم عيد ميلاد أختها الـ18، أبويا قرب مني وقال:جوزك خلاني أحلف إني ما أقولكيش أي حاجة غير لما بنتك تتم 18 سنة
لما بناتي التوأم كان عندهم 5 سنين، واحدة منهم تعبت فجأة.
الإسعاف نقلتها المستشفى بسرعة، وبعد ساعات قليلة خرج الدكتور وقالي الخبر اللي دمر حياتي:للأسف… بنتك ماقدرتش تنجو.
في اللحظة دي، ماكنتش عارفة المفروض أكمل حياتي إزاي.
لكن اللي حصل بعد كده كان صدمة تانية ماكنتش مستعدة لها. #حكايات_اسما_السيد
بعد جنازة بنتي، جوزي قرب مني وقال: أنا آسف… بس أنا مش قادر أكمل بالشكل ده…وبعدها..سابني.سابني أنا وبنتنا التانية ومشي…الحزن سيطر عليا تمامًا.
كنت فقدت بنتي، وكنت فاكرة إن أنا وجوزي هنتمسك ببعض ونحاول نعدي المصيبة دي سوا…لكن ده ماحصلش.
الشخص الوحيد اللي فضل واقف جنبي طول الوقت كان أبويا. #عيش_الابداع
عمره ما سابني…كان موجود يوم ما التوأم اتولدوا.وكان دايمًا يقعد معاهم لما أكون مشغولة.وساعات كان يعدي علينا بعد شغله مخصوص علشان يشوفهم.كان بيحب البنتين بطريقة صعب أوصفها…ولما واحدة منهم ماتت…حسيت إن قلبه هو كمان اتكسر. #العراق
ومن وقتها، قربنا من بعض أكتر، وحاولنا نساعد بعض علشان نعدي الفترة دي.. الحياة كانت صعبة جدًا عليا. لكن أبويا ساعدني في تربية بنتي التانية…ولحد النهارده، معرفش كنت هعمل إيه من غيره.. مرت 13 سنة كاملة…وطول السنين دي…ماسمعتش أي حاجة عن جوزي.. لا اتصال. ولا رسالة.ولا حتى محاولة إنه يشوف بنته…في البداية كنت بسأل نفسي كل يوم:
إزاي أب يقدر يسيب بنته بالشكل ده؟..لكن مع مرور السنين، بطلت حتى أسأل…قلت لنفسي إن ده كان اختياره، وإن أنا لازم أكمل حياتي علشان بنتي…لحد امبارح…امبارح كان عيد ميلاد بنتي…كملت 18 سنة…احتفلنا وسط العيلة، واليوم كان جميل جدًا…كانت مبسوطة، بتضحك، وبتفتح هداياها.
وأنا كنت ببصلها وفخورة بالبنت اللي بقت قدامي…وفي آخر الليل، بعد ما دخلت أوضتها تنام، فضلت أنا في المطبخ بلم الأطباق وأنضف بعد الحفلة…وفجأة…أبويا دخل عليا.
أول ما بصيتله، عرفت إن فيه حاجة غلط…وشه كان شاحب.
قلتله: مالك يا بابا؟ إنت كويس؟بص في الأرض.وسكت شوية.
وبعدين قال بصوت غريب:يا بنتي… أنا عملت في حقك حاجة وحشة جدًا. سامحيني.وقفت مكاني وبصيتله باستغراب.
بتقول إيه يا بابا؟ عملت إيه؟ما ردش.
مد إيده وحط قدامي صندوق قديم كان شايله…وبصلي وهو بيقول بصوت بيرتعش: جوزك خلاني أحلف إني ما أقولكيش أي حاجة غير النهارده… غير لما بنتك تتم 18 سنة.
حسيت قلبي بدأ يدق بعنف…قلت:إنت بتتكلم عن إيه؟
قرب الصندوق مني أكتر وقال:جوزك ما سابكيش من غير سبب.
سكت لحظة، وبعدين كمل… فيه حاجة إنتِ عمرك ما عرفتيها.
اضطريت أقعد على الكرسي لأن رجلي بدأت تترعش.
بصيت لأبويا وقلت: إيه اللي بيحصل يا بابا؟
لكنه ماجاوبنيش مباشرة….أشار للصندوق وقال:افتحيه… وهتفهمي كل حاجة.
وبعدين قال الجملة اللي خلت الدم ينشف في عروقي:
— اللي حصل لبنتك من 13 سنة… مش هو اللي إنتِ فاكرة إنه حصل…مديت إيدي ناحية الصندوق وأنا بترعش…رفعته وحطيته قدامي وفتحت الغطا ببطء…لكن أول ما شوفت اللي جواه…
حسيت إن الدنيا كلها بتلف بيا….وكنت على وشك أقع من الصدمة…
يـالا صلي علي محمد ال محمد وتابعني علشان تكمل باقي القصه … حكايات الكاتبه اسما السيد ممنوعه من النسخ 👇 رابط القصه كامله في الرابط بالتعليقات 👇👇
@أبرز المعجبين #اليوم #واحدة
الفصل الأول
أول حاجة وقعت عليها عيني جوه الصندوق كانت صورة.
صورة قديمة، أطرافها مصفرة شوية من السنين.
مديت إيدي وخدتها وأنا مش فاهمة ليه مجرد صورة تخلي أبويا واقف قدامي بالشكل ده، وشه أبيض وإيده بتترعش.
لكن أول ما قربتها من عيني…
نفسي اتقطع.
الصورة كانت لبنت صغيرة.
عندها تقريبًا خمس أو ست سنين.
شعرها طويل مربوط بضفيرتين، ولابسة فستان أصفر، وفي إيدها دبدوب أبيض صغير.
عرفت الدبدوب فورًا.
أنا اللي كنت شرياه لبناتي في عيد ميلادهم الخامس.
اشتريت اتنين شبه بعض بالظبط، علشان محدش فيهم تزعل من التانية.
رفعت عيني لأبويا وقلت بصوت مخنوق:
— الصورة دي منين؟
ما ردش.
رجعت أبص للصورة.
البنت كانت واقفة قدام بيت معرفوش، وخلفها شجرة كبيرة وسور خشب.
قلبت الصورة على ضهرها.
وكان مكتوب تاريخ بالقلم الأزرق.
قريت التاريخ مرة.
وبعدين مرة تانية.
وبعدين حسيت إن إيدي بتبرد.
لأن الصورة متصورة بعد وفاة بنتي بسنتين.
رفعت رأسي ببطء ناحية أبويا.
— بابا…
بلع ريقه.
قلت وأنا برفع الصورة قدامه:
— التاريخ ده غلط، صح؟
سكت.
صرخت:
— بقولك التاريخ ده غلط؟!
قعد أبويا على الكرسي المقابل ليا، وحط وشه بين إيديه.
وفي اللحظة دي عرفت إن التاريخ مش غلط.
حسيت بحاجة جوايا بتقولي إني مش عايزة أسمع الباقي.
وإن الأفضل أقفل الصندوق وأرميه.
لكن في نفس الوقت، كان فيه سؤال واحد بيصرخ جوا دماغي:
مين البنت اللي في الصورة؟
رجعت أبص لها.
ملامحها…
عينيها…
شكل ضحكتها…
حتى الطريقة اللي كانت ميلة بيها براسها ناحية كتفها.
كنت أعرفها.
دي كانت بنتي.
همست:
— مستحيل.
أبويا بدأ يعيط.
عمري ما شوفت أبويا بيعيط بالشكل ده.
حتى يوم جنازة حفيدته، كان بيحاول يفضل قوي علشاني.
لكن المرة دي كان منهار.
قلت:
— بابا… مين دي؟
رد بصوت مبحوح:
— كملي اللي في الصندوق.
رميت الصورة على الترابيزة وبدأت أقلب جواه بسرعة.
كان فيه صور تانية.
البنت وهي عندها حوالي سبع سنين.
صورة وهي ماسكة شنطة مدرسة.
صورة وهي عندها عشر سنين تقريبًا.
صورة في عيد ميلاد.
صورة وهي مراهقة.
وكل صورة كان مكتوب وراها تاريخ.
سنة ورا سنة.
لحد صورة حديثة جدًا.
بنت شابة واقفة قدام مدرسة، شعرها طويل وملامحها بقت أوضح.
وقتها مقدرتش أتنفس.
لأنها كانت شبه بنتي اللي نايمة فوق في أوضتها بطريقة مرعبة.
مش مجرد شبه عادي.
نفس العينين.
نفس الأنف.
نفس الابتسامة.
نفس الغمازة الصغيرة في الخد الشمال.
طبيعي…
لأنهم توأم.
وقعت الصورة من إيدي.
بصيت لأبويا وأنا حاسة إني مش موجودة في المكان.
— بنتي عايشة؟
أبويا قفل عينيه.
قلت بصوت أعلى:
— رد عليا!
هز راسه ببطء.
صرخت:
— بنتي عايشة؟!
قال:
— أيوه.
الكلمة كانت قصيرة.
لكنها هدت 13 سنة من حياتي في ثانية.
قمت من على الكرسي بسرعة لدرجة إنه وقع ورايا.
— إنت بتقول إيه؟!
حاول يقرب مني.
رجعت خطوة.
— ما تقربش مني!
وقف مكانه.
قلت:
— أنا دفنت بنتي بإيدي!
قال:
— إنتِ ما شفتيش جثمانها.
سكت.
الجملة دخلت جوا دماغي كأنها سكينة.
وفجأة رجعت بيا الذاكرة 13 سنة.
المستشفى.
الممر الأبيض.
الدكتور وهو خارج ووشه حزين.
جوزي وهو ماسكني قبل ما أدخل.
كنت بصرخ وقتها:
— عايزة أشوف بنتي!
لكنه حضني ومنعني.
قال إن شكلها اتغير بسبب المحاولات الطبية، وإن الأفضل أفتكرها زي ما كانت.
كنت منهارة لدرجة إني صدقته.
بعدها أبويا هو اللي خلص معظم الإجراءات مع جوزي.
وأنا؟
أنا كنت قاعدة في البيت، حضنة بنتي التانية، ومش قادرة حتى أقوم من السرير.
رجعت للحاضر وبصيت لأبويا.
— إنت كنت عارف؟
ما ردش.
قربت منه.
— إنت كنت عارف إن بنتي عايشة؟
رفع عينه ليا.
والإجابة كانت واضحة قبل ما يتكلم.
صفعته.
إيدي اتحركت لوحدها.
أبويا ما اتحركش.
ما غضبش.
حتى ما لمسش خده.
قال:
— من حقك.
بدأت أعيط وأنا بزعق:
— 13 سنة يا بابا!
— عارف.
— 13 سنة وأنا بروح المقابر!
— عارف.
— 13 سنة وأنا بلوم نفسي!
— عارف يا بنتي.
— وإنت ساكت؟!
خبطت بإيدي على صدره.
— إزاي قدرت تبص في وشي كل يوم وتسكت؟!
انهار أبويا في العياط.
وقال:
— لأني كنت فاكر إني بحميكي.
ضحكت وسط دموعي.
— بتحميني؟ من إيه؟ من بنتي؟!
قال بسرعة:
— الموضوع مش بالشكل اللي إنتِ متخيلاه.
— يبقى بالشكل إيه؟!
رجع للصندوق.
طلع ملف بني قديم.
حطه قدامي.
— يوم ما البنتين دخلوا المستشفى… حصلت حاجة إنتِ ما تعرفيهاش.
بصيتله.
قال:
— بنتك فعلًا كانت حالتها خطيرة جدًا.
— وبعدين؟
— لكن البنت اللي ماتت في المستشفى…
سكت.
قربت منه.
— إيه؟
قال:
— ما كانتش بنتك.
حسيت الأرض اتحركت تحت رجلي.
— يعني إيه؟
— حصل خطأ في التعرف على طفلة تانية وصلت المستشفى في نفس الليلة بعد حادث. وفي وسط الفوضى، حصل لخبطة في البيانات.
قلت:
— ولو حصل خطأ… ليه جوزي خد بنتي ومشي؟ وليه إنت وافقت؟
أبويا مسح دموعه.
— لأنه لما اكتشف الحقيقة، اكتشف معاها حاجة أخطر.
— إيه هي؟
فتح الملف.
كان جواه أوراق طبية قديمة.
تقارير.
تحاليل.
وفي الآخر ظرف أبيض مكتوب عليه بخط جوزي:
“إلى زوجتي… عندما تصبح ابنتنا في الثامنة عشرة.”
مديت إيدي ناحية الظرف.
لكن أبويا مسكه قبل ما آخده.
— قبل ما تقريه، لازم تعرفي حاجة.
بصيتله بغضب:
— مفيش حاجة في الدنيا ممكن تبقى أسوأ من اللي عرفته.
قال:
— فيه.
سكت لحظة، وبعدين كمل:
— جوزك ما اختفاش لأنه كان عايز يهرب منك.
— أمال؟
قال:
— اختفى علشان يحمي البنت.
ضحكت بمرارة:
— يحميها من أمها؟
هز رأسه.
— لأ.
قرب مني وهمس:
— يحميها من الناس اللي كانوا بيدوروا عليها.
فضلت باصة له من غير ما أفهم.
— ناس مين؟
أبويا أشار للتقارير.
— في الليلة دي، الدكتور اكتشف إن المرض اللي أصاب بنتك مش مرض طبيعي زي ما اتقالك.
حسيت جسمي كله برد.
— تقصد إيه؟
قال:
— التحاليل أثبتت إن جسمها دخل فيه دواء بجرعة خطيرة جدًا… دواء ماكانش المفروض طفلة في سنها تاخده أصلًا.
فتحت بقي من الصدمة.
— إنت بتقول إن حد أذاها؟
أبويا ما جاوبش.
لكن نظرته كانت كفاية.
وفجأة…
سمعنا صوت حاجة وقعت على الأرض ورا باب المطبخ.
لفينا إحنا الاتنين.
بنتي كانت واقفة عند الباب.
لابسة بيجامتها، ووشها أبيض زي الورق.
واضح إنها كانت واقفة بقالها فترة.
وإنها سمعت جزء كبير من الكلام.
بصتلي.
وبعدين بصت لجدها.
وقالت بصوت بيرتعش:
— ماما…
سكتت ثواني قبل ما تسأل:
— إنتوا بتقولوا إن أختي عايشة؟
ماعرفتش أرد.
قربت مني والدموع ملت عينيها.
— هي عايشة فعلًا؟
حضنتها.
لكنها بعدت عني بسرعة وقالت:
— طب فين؟
بصيت لأبويا.
— أيوه يا بابا… فين بنتي؟
أبويا أخد نفس طويل.
وبعدين قال:
— أبوها خدها وخرج بيها من البلد بعد الحادث بفترة قصيرة.
— وعايشة فين دلوقتي؟
— معرفش عنوانها الحالي.
صرخت:
— إزاي يعني معرفش؟!
قال:
— لأنه من حوالي أربع سنين… جوزك وقف يبعتلي أي حاجة.
سكتنا.
قلت:
— وقف ليه؟
أبويا بص ناحية الظرف الأبيض.
— آخر رسالة وصلتني منه كانت الرسالة دي.
خدت الظرف من إيده المرة دي.
فتحته.
كان جواه ورقتين.
أول سطر كان:
“لو الرسالة دي وصلت لمراتي بعد ما بنتنا تتم 18 سنة، فده معناه إني غالبًا ماقدرتش أرجع بنفسي.”
إيدي بدأت ترتعش.
كملت القراءة:
“أنا عارف إنها هتكرهني، ويمكن عمرها ما تسامحني. لكن اليوم اللي خرجت فيه ببنتنا من المستشفى، ماكنتش بهرب من بيتي… كنت بهرب ببنتنا من شخص عرف إنها ما ماتتش.”
وقفت عن القراءة.
بنتي قالت:
— كملي يا ماما.
بصيت للسطر اللي بعده.
وكان مكتوب:
“والشخص ده كان قريب مننا جدًا… لدرجة إنه كان موجود في المستشفى في الليلة دي.”
رفعت عيني ناحية أبويا.
وشه اتغير.
وفجأة فهمت إن لسه فيه سر تاني.
سر أكبر من إن بنتي عايشة.
قلبت الورقة بسرعة.
لكن الصفحة التانية ماكانش فيها تكملة الرسالة.
كان فيها اسم.
واسم مستشفى.
ورقم ملف طبي.
وتحتهم جملة واحدة بخط جوزي:
“لو عايزة تعرفي مين حاول يؤذي بنتنا… ابدئي من الملف ده، وماتثقيش في أي حد كان موجود معانا الليلة دي.”
بصيت لأبويا.
وهو بصلي.
وبنتي واقفة بينا مش فاهمة.
لكن أنا كنت فاكرة الليلة دي كويس.
لأن غيري وغير جوزي وأبويا…
كان فيه شخص رابع وصل المستشفى بعدنا بدقايق.
شخص أنا نفسي كنت اتصلت بيه وطلبت منه ييجي يقف جنبي.
شخص دخل أوضة بنتي قبل ما حالتها تتدهور للمرة الأخيرة.
وفجأة…
افتكرت حاجة صغيرة جدًا حصلت قبل 13 سنة.
حاجة وقتها ما أخدتش بالي منها.
لكن دلوقتي خلت جسمي كله يقشعر.
بصيت لأبويا وقلت:
— بابا…
رفع عينه.
قلت وأنا بالكاد قادرة أطلع صوتي:
— إنت فاكر مين اللي جاب للبنتين العصير قبل ما واحدة فيهم تتعب؟
أبويا ما ردش.
لكن وشه شحب أكتر.
وساعتها عرفت…
إنه فاكر.
فضل أبويا ساكت.
والسكوت المرة دي كان أخوف من أي إجابة ممكن يقولها.
بنتي كانت واقفة جنبي، بتبص مرة ليا ومرة لجدها، ومش فاهمة ليه سؤال بسيط عن كوباية عصير خلانا إحنا الاتنين بالشكل ده.
قربت من أبويا وقلت:
— فاكر مين اللي جاب العصير، صح؟
رفع عينه ليا ببطء.
وقال:
— خالتك.
اتجمدت.
— أخت أمي؟
هز راسه.
رجعت خطوة لورا.
— مستحيل.
خالتـي كانت أقرب واحدة ليا بعد وفاة أمي.
كانت موجودة يوم ولادتي.
كانت بتيجي البيت تقريبًا كل أسبوع.
وكانت بتعامل بناتي كأنهم أحفادها.
يوم ما بنتي تعبت، كانت أول واحدة اتصلت بيها بعد أبويا.
ويوم الجنازة…
كانت حضناني طول الوقت.
همست:
— لأ… أكيد فيه حاجة غلط.
أبويا قال:
— أنا كمان فضلت سنين أقول كده.
بنتي سألت:
— هو إيه موضوع العصير أصلًا؟
بصيتلها.
الذكرى بدأت ترجع قدامي بتفاصيل كنت فاكرة إني نسيتها.
كان يوم جمعة.
البنتين كانوا بيلعبوا في الصالة.
وخالتـي جات تزورنا ومعاها حاجات بسيطة ليهم.
بعد العصر دخلت المطبخ وقالت إنها هتعمل عصير للبنات.
وبعد حوالي نص ساعة، واحدة من التوأم بدأت تشتكي من وجع شديد في بطنها ودوخة.
وبعدين وقعت.
وقتها محدش فكر في العصير.
إحنا افتكرنا إنها تعبت فجأة وخلاص.
قلت لأبويا:
— بس الاتنين شربوا.
رد:
— لأ.
— يعني إيه؟
— فاكرة إن واحدة من البنتين كانت رافضة تشرب علشان كانت عايزة عصير فراولة؟
حطيت إيدي على بوقي.
افتكرت.
أيوه.
واحدة منهم زقت الكوباية وقالت:
— مش عايزاه.
أما أختها شربت بتاعها كله.
جلست على الكرسي.
كل تفصيلة صغيرة بدأت تاخد معنى جديد.
لكن عقلي كان بيرفض يوصل للنتيجة.
قلت:
— وحتى لو خالتي هي اللي عملت العصير، ده مش دليل إنها حطت فيه حاجة.
أبويا قال:
— صح.
— أمال ليه جوزي شك فيها؟
— هو ماشكش فيها في الأول.
سكت لحظة.
— شك فيها بعد اللي حصل في المستشفى.
رفعت رأسي.
— حصل إيه؟
أبويا قرب الكرسي وقعد قدامي.
— بعد ما الدكتور أعلن الوفاة، جوزك كان في حالة صعبة جدًا. لكنه بعد حوالي ساعة، ممرضة طلبت منه يروح معاها بعيد عنك.
— ليه؟
— لأنها كانت اكتشفت إن فيه خطأ.
نفسي بدأ يضيق.
قال:
— الطفلة اللي اتسجلت باسم بنتكم ماكانتش بنتكم أصلًا. حصلت فوضى بسبب وصول أكتر من حالة في نفس الوقت. ولما راجعوا البيانات، اكتشفوا إن بنتك لسه موجودة في العناية.
قلت:
— طب ليه ماقالليش؟!
— كان هيقولك.
— أمال إيه اللي منعه؟
أبويا سكت.
ثم قال:
— لأنه وهو رايح يشوفها… سمع واحدة بتسأل عنها بالاسم.
— مين؟
— خالتك.
قلبي وقع.
قال:
— الممرضة قالت لجوزك إنها استغربت جدًا. خالتك كانت بتسأل إذا كانت الطفلة فاقت ولا لأ، ولما الممرضة قالتلها إنها مستقرة، اتوترت ومشيت بسرعة.
قلت:
— يمكن كانت خايفة عليها!
— جوزك قال نفس الكلام.
— يبقى؟
أبويا فتح الملف القديم وطلع ورقة.
— لحد ما التحليل ظهر.
ناولني الورقة.
أنا ما فهمتش المصطلحات الطبية، لكن كان فيه سطر محدد عليه بقلم أحمر.
أبويا قال:
— الدكتور قال إنهم لقوا أثر لمادة دوائية بكمية غير مناسبة لطفلة.
سألته:
— وليه حد يعمل كده أصلًا؟
— هنا بدأ جوزك يدور على السبب.
بنتي قعدت جنبي.
كانت ساكتة، لكن دموعها بتنزل.
مسكت إيدها.
قالت:
— يعني أختي كانت مستهدفة؟
أبويا رد:
— أبوكم كان مقتنع بكده.
قلت:
— بس ليه هي تحديدًا؟
أبويا بص للصندوق.
— علشان كده لازم نكمل.
مد إيده وطلع ظرف تاني.
كان أصغر من الأول، ومكتوب عليه:
“نتيجة التحليل — لا تُفتح إلا بعد الرسالة.”
فتحته.
كان جواه ورقة قديمة.
أول ما بصيت فيها ما فهمتش.
لكن عيني وقفت عند كلمتين:
تحليل نسب.
رفعت رأسي بسرعة.
— تحليل نسب مين؟
أبويا قال:
— البنتين.
— ليه جوزي يعمل تحليل نسب لبناته؟!
— لأن بعد حادثة المستشفى، اكتشف حاجة في ملفات الولادة القديمة.
شعرت إن رأسي هينفجر.
— قول مرة واحدة يا بابا!
قال:
— وقت ولادتك بالتوأم حصلت مشكلة في المستشفى.
قلت بعصبية:
— عارفة. واحدة منهم احتاجت حضّانة يومين.
— الموضوع ماكانش بس حضّانة.
سكت لحظة.
— كان فيه طفلة تانية اتولدت في نفس اليوم.
نظرت له.
— وبعدين؟
— أم الطفلة دي توفت بعد الولادة بساعات.
قلت:
— وإيه علاقتنا؟
أبويا قال:
— جوزك اكتشف بعد خمس سنين إن فيه اختلاف في أرقام الأساور اللي اتحفظت في ملف المستشفى.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
قلت:
— إنت عايز تقول إيه؟
— مش أنا اللي هقول.
وأشار لنتيجة التحليل.
فتحت الورقة.
بدأت أقرأ.
أنا مش طبيبة، لكن النتيجة في آخر الصفحة كانت واضحة.
البنت اللي عاشت معايا…
ابنتي بيولوجيًا.
أما الطفلة التانية…
فكانت النتيجة مختلفة.
وقفت.
قريت تاني.
ثم رفعت عيني لأبويا.
— لأ.
قال:
— للأسف.
— لأ يا بابا.
بنتي سألت وهي بتعيط:
— فيه إيه؟
ماقدرتش أقولها.
لكن أبويا قال بهدوء:
— أختك اللي كنا فاكرين إنها ماتت… التحليل بيقول إنها مش أختك التوأم بيولوجيًا.
صرخت بنتي:
— إيه؟!
حضنتها فورًا.
— ده ما يغيرش أي حاجة. فاهمة؟ دي أختك. اتربيتوا سوا، وأنا أمها مهما كان التحليل بيقول إيه.
أبويا قال:
— وده بالضبط اللي أبوكم كان شايفه.
قلت:
— طب خالتي علاقتها إيه؟
هنا أبويا سكت.
وبعدين قال:
— الطفلة التانية اللي اتولدت يومها…
بلع ريقه.
— كانت حفيدة خالتك.
تجمدت.
— حفيدتها إزاي؟
قال:
— بنت خالتك اللي كانت مسافرة وقتها… كانت حامل من غير ما حد في العيلة يعرف التفاصيل، وولدت في نفس المستشفى.
وقفت بسرعة.
— إنت بتقول إيه؟!
— بعد الولادة حصلت مضاعفات شديدة، وتوفت.
كنت فاكرة بنت خالتي ماتت في حادث سفر.
ده اللي العيلة كلها اتقال لها.
قلت:
— وخالتي كانت عارفة إن حفيدتها عاشت؟
— غالبًا اكتشفت بعد سنين.
— وإحنا أخدناها بالغلط؟
— ده اللي الأوراق بتشير له.
بدأت الصورة تتضح، لكن بطريقة أبشع.
قلت:
— يعني خالتي كانت عايزة ترجع حفيدتها؟
أبويا رد:
— لو كانت عايزة ترجعها بس، كانت تقدر تتكلم.
— أمال ليه تأذيها؟
قال:
— أبوكم ماعرفش الإجابة.
سكت قليلًا.
— لكنه اكتشف إن الموضوع أكبر من مجرد تبديل أطفال.
ثم أخرج من الصندوق مفتاحًا صغيرًا.
مفتاح معدني مربوط بورقة مكتوب عليها رقم.
قلت:
— ده مفتاح إيه؟
— خزنة.
— فين؟
— بنك.
قلبي دق أسرع.
— ومين صاحبها؟
— جوزك.
— وإيه فيها؟
أبويا قال:
— معرفش.
ثم أضاف:
— لكنه قال لي إن لو وصلنا لليوم ده وهو ما رجعش، لازم إنتِ وبنتك تفتحوا الخزنة سوا.
بنتي سألت:
— ليه لما أتم 18 بالذات؟
أبويا نظر لها.
— لأن أبوكي كتب إن اللي موجود فيها يخصكم إنتوا الاتنين قانونيًا، وإن قبل سنك القانوني ماكانش عايز حد يقدر يتصرف فيه بالنيابة عنك.
قلت:
— طب ليه ما رجعش؟
أبويا ما ردش.
سألته تاني:
— آخر مرة كلمك إمتى؟
قال:
— من أربع سنين.
— قالك إيه؟
— اتصل بيا من رقم غريب.
صوته كان متوتر.
قال لي: “أنا اضطريت أنقلها لمكان تاني. حد عرف إحنا فين.”
سألته مين.
ماقالش.
قال بس:
“لو جرالي حاجة، نفذ الوعد.”
قلت:
— وبعدها؟
— بعدها بأسبوع وصل الصندوق.
— ومن وقتها مفيش حاجة؟
أبويا هز رأسه.
سألت:
— حاولت تدور عليه؟
— كتير.
— والشرطة؟
— ماقدرتش أقول الحقيقة كلها من غير ما أكسر الوعد، لكن سألت بطرق مختلفة. مفيش أي أثر واضح.
حسيت بغضب شديد.
— يعني ممكن يكون جراله حاجة من أربع سنين وإنت ساكت؟!
قال:
— كنت كل يوم بصحى وأسأل نفسي نفس السؤال.
قبل ما أرد…
بنتي مدت إيدها جوه الصندوق.
— ماما…
بصيتلها.
كانت ماسكة حاجة صغيرة.
موبايل قديم.
قالت:
— ده بتاع مين؟
أبويا اتفاجئ.
— أول مرة أشوفه.
أخدته منها.
كان مقفول.
دورت في الصندوق، فلقيت شاحن قديم.
وصلناه بالكهرباء.
فضلنا واقفين حوالي عشر دقايق من غير ما حد يتكلم.
لحد ما الشاشة نورت.
الموبايل طلب رقم سري.
بنتي قالت:
— نجرب تاريخ ميلادنا؟
جربته.
فتح.
بصينا لبعض.
كان الموبايل فاضي تقريبًا.
مفيش صور.
مفيش تطبيقات.
لكن كان فيه تسجيل صوتي واحد.
مدته أربع دقايق وسبع ثواني.
واسمه:
“لما تعرفوا الحقيقة.”
إيدي ارتعشت.
ضغطت تشغيل.
ثواني صمت.
وبعدين…
سمعت صوته.
صوت جوزي.
بعد 13 سنة.
نفس الصوت اللي كنت فاكرة إني نسيته.
قال:
— لو إنتِ سامعة التسجيل ده، يبقى بنتنا بقت عندها 18 سنة… وأنا غالبًا مش موجود علشان أشرحلك بنفسي.
بدأت أعيط.
بنتي مسكت إيدي.
الصوت كمل:
— أول حاجة لازم تعرفيها… أنا آسف.
سكت ثانيتين.
— أنا عارف إن اللي عملته فيكي ممكن مايتغفرش. أخدت طفلة إنتِ كنتِ أمها من يوم ولادتها، وخليتك تعيشي مقتنعة إنها ماتت.
غمضت عيني.
— لكن في الليلة دي، الدكتور قال لي حاجة خلتني أخاف آخدها البيت.
فتحنا عينينا كلنا.
صوته قال:
— المادة اللي دخلت جسم البنت ما كانتش في العصير.
بصيت لأبويا.
هو نفسه اتصدم.
التسجيل كمل:
— التحاليل أثبتت إن الجرعة دخلت جسمها بعد وصولها المستشفى.
شهقت.
يعني العصير…
ماكانش السبب.
جوزي كمل:
— وده معناه إن الشخص اللي حاول يأذيها كان موجود جوه المستشفى.
قلبي بدأ يدق بجنون.
ثم قال:
— وأنا عرفت مين.
سكت التسجيل لثوانٍ.
وبعدين جاء صوته:
— لكن المشكلة إن الشخص ده لما واجهته… قال لي حاجة عن والد الطفلة الحقيقي قلبت كل اللي كنت فاكره.
قربت الموبايل من ودني.
— وعشان كده هربت بيها.
صوت نفسه بقى أوطى.
— مش لأن خالتك كانت بتحاول تأذي حفيدتها.
ثم قال الجملة اللي خلت أبويا يقوم من مكانه:
— خالتك كانت بتحاول تنقذها هي كمان.
بصيت لأبويا.
قلت:
— تنقذها من مين؟
لكن التسجيل كان لسه شغال.
وجوزي جاوب:
— الشخص اللي كان عايز البنت تختفي هو أبوها الحقيقي.
سكتنا كلنا.
ثم أكمل:
— وأنا كنت أعرفه.
ثانية.
اتنين.
وبعدين قال:
— وإنتِ كمان تعرفيه.
شهقت.
لكن قبل ما ينطق الاسم…
التسجيل وقف فجأة.
ظهر على الشاشة:
الملف تالف.
صرخت:
— لأ!
ضغطت عليه تاني.
نفس المكان.
نفس التوقف.
حاولت مرة واتنين وعشرة.
مفيش.
بنتي قالت:
— يبقى لازم نفتح الخزنة.
بصيت للمفتاح.
وفعلًا…
تاني يوم الصبح، كنا واقفين قدام البنك.
أنا وبنتي وأبويا.
بعد مراجعة الأوراق والإجراءات، دخلنا غرفة صغيرة.
الموظف حط قدامنا صندوق معدني طويل.
وخرج.
دخلت المفتاح.
لفيته.
فتحت الصندوق.
كان جواه ملف أسود سميك.
وصورة حديثة لبنت شابة.
أول ما بنتي شافتها…
حطت إيدها على بوقها.
لأن البنت في الصورة كانت نسخة منها تقريبًا.
لكن الشيء اللي صدمني ماكانش الصورة.
كان الورق اللي تحتها.
في أول صفحة مكتوب اسم مستشفى.
وتاريخ من أربع سنين.
وتحتهم عبارة:
“بيانات دخول المريض.”
واسم المريض كان اسم جوزي.
أما سبب الدخول فكان:
إصابات خطيرة إثر حادث سيارة.
قلبت الصفحة بسرعة.
لقيت تقرير تاني.
وبعدين تقرير تالت.
وفي النهاية…
ورقة وفاة.
وقعت على الكرسي.
بنتي بدأت تعيط.
جوزي ما اختفاش من أربع سنين.
جوزي كان مات.
لكن قبل وفاته بثلاثة أيام…
كان فيه مستند أخير موقّع منه.
مستند نقل وصاية مؤقتة على البنت لشخص آخر.
بصيت للاسم.
وقرأته.
وبعدين حسيت إني مش قادرة أتنفس.
لأن الشخص اللي سلّمه جوزي بنتي قبل موته…
كان خالتـي.
نفس الست اللي قضيت الليلة كلها وأنا شاكّة إنها حاولت تأذيها.
وتحت توقيع جوزي كانت فيه ملاحظة بخط إيده:
“هي الوحيدة اللي تعرف الحقيقة كاملة… ولو أنا مت، هي الوحيدة اللي تقدر توصلك لبنتك.”
رفعت رأسي ناحية أبويا.
قلت:
— يبقى خالتي تعرف مكانها.
أبويا ما ردش.
طلعت موبايلي فورًا.
دورت على رقمها.
13 سنة تقريبًا علاقتنا فيها كانت محدودة جدًا بعد اللي حصل.
اتصلت.
مرة.
مردتش.
اتصلت تاني.
مفيش.
في المرة التالتة…
الخط اتفتح.
لكن محدش اتكلم.
قلت:
— ألو؟
سمعت نفس حد بيتنفس.
قلت:
— خالتي؟
ثواني صمت.
ثم جاء صوتها.
لكن أول جملة قالتها ما كانتش سلام.
ولا حتى سؤال عني.
قالت:
— أخيرًا أبوكي اداكي الصندوق.
اتجمدت.
قلت:
— بنتي فين؟
سكتت.
صرخت:
— بنتي فين؟!
قالت بهدوء:
— معاها وقت قليل قبل ما تعرف هي كمان الحقيقة.
— حقيقة إيه؟
ردت:
— حقيقة إن اللي حصل يوم ولادتها ماكانش خطأ مستشفى.
قلبي وقع.
قالت:
— تبديل البنتين حصل عمد.
همست:
— مين عمله؟
خالتـي سكتت ثواني.
ثم قالت:
— أبو البنت الحقيقي.
— ليه؟
جاء ردها:
— لأنه من يوم ولادتها كان عارف إن وجودها ممكن يكشف سر يدمّر حياته كلها.
قلت:
— مين هو؟
لكنها قالت:
— مش على التليفون.
— أنا جاية لك حالًا.
ردت بسرعة:
— لأ. ماتجيش البيت.
— أمال فين؟
قالت:
— هبعتلك عنوان.
ثم أضافت:
— وتعالي إنتِ وبنتك بس.
بصيت لأبويا.
وقبل ما أسألها ليه، قالت:
— والأهم…
صوتها اتغير.
— ما تجيبيش أبوكي معاكي.
بصيت لأبويا وأنا ماسكة الموبايل.
هو ماكانش سامع كلامها.
لكنه شاف التغيير في وشي.
قال:
— قالت إيه؟
ما جاوبتش.
لأن خالتي همست في ودني قبل ما تقفل:
— جوزك خلاه يحلف إنه يسكت لحد عيد الميلاد الـ18، صح؟
قلت:
— أيوه.
قالت:
— اسأليه بقى ليه جوزك اختاره هو بالذات يحفظ الصندوق.
سكتت لحظة.
ثم قالت:
— واسأليه كمان…
ليه ماقالكيش إنه كان موجود في المستشفى قبل ما بنتك توصل أصلًا.
وقفل الخط.
فضلت واقفة مكاني.
وببطء شديد…
رفعت عيني ناحية أبويا.
كان واقف قدامي.
الراجل اللي وثقت فيه أكتر من أي حد في حياتي.
الراجل اللي ساعدني أربي بنتي 13 سنة.
الراجل اللي كنت فاكرة إنه الشخص الوحيد اللي عمره ما كذب عليا.
قلت:
— بابا…
— نعم؟
قربت منه خطوة.
— إنت وصلت المستشفى إمتى بالظبط يومها؟
وشه اتغير.
وفي اللحظة دي…
عرفت إن خالتي ما كانتش بتكدب.
الفصل الثالث والأخير
فضلت باصة لأبويا وأنا مستنية الإجابة.
— إنت وصلت المستشفى إمتى يومها بالظبط؟
وشه اتغير.
ولأول مرة من ساعة ما فتحنا الصندوق، حسيت إن أبويا مش بس مخبي سر جوزي.
كان مخبي سر يخصه هو.
قال:
— قبل الإسعاف بحوالي عشر دقايق.
بنتي شهقت:
— إزاي يا جدو؟ ماما بتقول إنها كلمتك بعد ما الإسعاف جه!
قلت وأنا مش قادرة أشيل عيني من عليه:
— وأنا فعلًا ماكلمتكش غير من العربية وإحنا رايحين المستشفى.
أبويا قعد على الكرسي.
قال:
— لأن خالتك هي اللي كلمتني قبلك.
سألته:
— قالتلك إيه؟
— قالت إن البنت وقعت وإنها شاكّة إن الموضوع له علاقة بحاجة قديمة جدًا.
— حاجة إيه؟
مسح وشه بإيده.
— يوم ولادتكم.
بنتي قربت مني أكتر.
أما أنا فقلت:
— إنت كنت عارف من زمان إن فيه مشكلة حصلت يوم الولادة؟
قال بسرعة:
— لأ. والله ما كنت أعرف إن طفلة اتبدلت.
— أمال كنت تعرف إيه؟
سكت لحظة.
ثم قال:
— كنت أعرف إن بنت خالتك ولدت في نفس المستشفى.
— وكنت تعرف إنها ماتت؟
هز رأسه.
— أيوه.
— وكنت تعرف إن طفلتها اختفت؟
— ماكنتش أعرف إنها اختفت. خالتك قالت للعيلة إن الرضيعة ماتت بعدها بساعات.
رجعت أبص للموبايل.
كلام خالتي كان واضح:
ما تجيبيش أبوكي معاكي.
قلت:
— هي ليه مش عايزاك تيجي؟
أبويا رد:
— مش عارف.
لكن عينيه اتحركت بعيد عني.
عرفت إنه لسه مخبي حاجة.
قلت:
— بابا… كفاية.
رفع عينه.
— كفاية أسرار. كفاية ناس تقرر بدالي إيه اللي أعرفه وإيه اللي ما أعرفوش.
صوتي بدأ يعلى.
— جوزي قرر إني أعيش 13 سنة فاكرة بنتي ماتت. إنت قررت تنفذ وصيته وتسكت. وخالتي عندها نص الحقيقة والنص التاني مخبياه.
قربت منه.
— المرة دي مش همشي خطوة واحدة قبل ما أعرف كل حاجة.
أبويا بص لبنتي.
وبعدين ليا.
وقال:
— فيه راجل اسمه فؤاد.
الاسم ماكانش غريب.
لكنه كان بعيد جدًا في ذاكرتي.
قلت:
— فؤاد مين؟
— الدكتور فؤاد.
وفجأة افتكرته.
طبيب معروف كان شريكًا إداريًا في المستشفى الخاص اللي ولدت فيه من 18 سنة.
كان صديق قديم للعيلة.
وكان يعرف أبويا.
قلت:
— ماله؟
أبويا قال:
— كان بينه وبين بنت خالتك علاقة قبل ما تسافر.
اتجمدت.
— تقصد إنه…
— أبو الطفلة الحقيقي.
بنتي قالت:
— يعني أختي بنته؟
أبويا هز رأسه.
قلت:
— وليه يبدل بنته بواحدة من بناتي؟
رد:
— علشان محدش يعرف إنها بنته أصلًا.
قلت:
— كان ممكن يسيبها تتربى بعيد عنه وخلاص.
أبويا قال:
— المشكلة إن أمها قبل ما تموت كانت عاملة إثباتات.
— إثباتات إيه؟
— رسائل، وتحليل نسب، ومستندات كانت ناوية تستخدمها علشان تثبت أبوته.
قلت:
— وده يخليه يبدل طفلة؟
— فؤاد وقتها كان متجوز من عيلة كبيرة، وكان داخل على شراكة ضخمة في المستشفى. ظهور طفلة من علاقة قديمة كان هيعمل له مشاكل شخصية وقانونية ومالية.
بنتي قالت:
— بس ليه يحطها مكان واحدة مننا؟
أبويا رد:
— لأنه كان محتاج الطفلة يبقى ليها اسم وعيلة، وفي نفس الوقت تختفي هويتها الأصلية.
قلت:
— طب وبنتي الحقيقية؟
أبويا سكت.
صرخت:
— بنتي الحقيقية راحت فين؟!
قال:
— هنا كانت المفاجأة اللي جوزك اكتشفها بعدين.
قلبي وقف تقريبًا.
— إيه؟
قال:
— بنتك الحقيقية ما اختفتش.
— يعني إيه؟
— إنتِ ولدتي توأم فعلًا. لكن واحدة من بناتك حصل لها توقف شديد بعد الولادة، والأطباء حاولوا ينقذوها فترة طويلة.
حطيت إيدي على صدري.
— وبعدين؟
— توفت.
غمضت عيني.
قال:
— فؤاد استغل الفوضى. بدل بيانات الطفلة المتوفاة ببيانات حفيد خالتك، وخلاكي تخرجي من المستشفى وإنتِ مقتنعة إن الاتنين بناتك.
وقفت مكاني.
إذن الحقيقة كانت أبسط وأقسى من كل الاحتمالات.
أنا فعلًا فقدت طفلة.
لكن مش الطفلة اللي عشت 13 سنة فاكرة إنها ماتت في سن الخامسة.
فقدتها يوم ولادتها…
من غير حتى ما أعرف.
بدأت دموعي تنزل.
قلت:
— يعني البنت اللي ربيتها خمس سنين…
أبويا قاطعني:
— بنتك.
بصيتله.
قال:
— مهما كانت الأوراق بتقول إيه، إنتِ اللي حملتيها على كتفك وهي بتعيط. إنتِ اللي علمتيها تمشي وتتكلم. إنتِ اللي كانت بتناديكي ماما.
بنتي مسكت إيدي.
وقالت وهي بتبكي:
— وهي أختي.
حضنتها.
المرة دي ما بعدتش عني.
فضلنا شوية ساكتين.
وبعدين افتكرت السؤال الأهم.
— طيب لما كان عندها خمس سنين… مين حاول يأذيها في المستشفى؟
أبويا قال:
— فؤاد.
— ليه بعد خمس سنين؟
— لأنه عرف إن خالتك بدأت تشك.
اتضح إن خالتي بعد وفاة بنتها فضلت سنين مقتنعة إن حفيدتها ماتت.
لكن قبل الحادثة بشهور، لقت وسط حاجات بنتها القديمة نسخة من أوراق الولادة وتحليل قديم.
بدأت تدور.
ولما شافت واحدة من بناتي…
لاحظت علامة صغيرة خلف أذنها.
نفس العلامة الوراثية اللي كانت عند بنتها.
بدأ الشك يدخل قلبها.
طلبت تعمل تحليل من غير ما تقول لنا.
والنتيجة أكدت الحقيقة.
حفيدة خالتي كانت عايشة في بيتي.
لكن قبل ما تواجهنا…
فؤاد عرف.
قلت:
— يبقى العصير؟
قال أبويا:
— خالتك ماحطتش فيه حاجة. هي كانت جاية اليوم ده علشان تتأكد من البنت، وكانت ناوية تقولك الحقيقة.
— وفؤاد؟
— لما البنت تعبت لسبب صحي عادي ونقلتوها المستشفى، هو شاف فرصة يخلي كل حاجة تنتهي.
حسيت بالغثيان.
— يعني حاول…
أبويا قال:
— حسب اللي اكتشفه جوزك، حصل تلاعب في علاجها. لكن ممرضة لاحظت الأمر، والطبيب المناوب تدخل في الوقت المناسب.
قلت:
— وجوزي عرف؟
— أيوه.
— ليه ما راحش الشرطة؟
— راح لمحامٍ الأول، لكن المشكلة إن جزء كبير من الأدلة كان أوراقًا داخل المستشفى نفسه، وفؤاد كان عنده نفوذ هناك. جوزك خاف إن المواجهة السريعة تعرض البنت للخطر قبل ما يثبت أي حاجة.
قلت بغضب:
— فقرر ياخدها مني؟!
— القرار كان غلط وقاسي، وأنا قلتله كده.
— ومع ذلك ساعدته!
أبويا نزل رأسه.
— أيوه.
سكت لحظة.
— ودي الحاجة اللي هفضل ندمان عليها طول عمري.
ثم رفع عينه.
— كان المفروض أرفض. كان المفروض أقولك. حتى لو كنت خايف عليكي وعليها، ماكانش من حقنا ناخد القرار مكانك.
ماقدرتش أسامحه وقتها.
لكن لأول مرة، ماحاولش يبرر.
قلت:
— إحنا رايحين لخالتي.
قال:
— هاجي معاكم.
— هي قالت لأ.
— مش هسيبكم.
بنتي قالت:
— جدو… لو فيه حاجة تانية مخبيها، قولها دلوقتي.
نظر لها طويلًا.
ثم قال:
— مفيش.
وبعدها مد إيده في جيبه وطلع مفتاح عربيته.
— لكن لو خالتك مش عايزة تشوفني، هستناكم بره.
العنوان اللي بعتته خالتي كان لبيت صغير بعيد عن منطقتها القديمة.
وصلنا بعد العصر.
أبويا فضل في العربية.
أنا وبنتي وقفنا قدام الباب.
خبطت.
ثواني…
والباب اتفتح.
ظهرت خالتي.
كبرت جدًا.
شعرها بقى أبيض، ووشها مليان خطوط.
لكن أول ما شافتني…
عيطت.
قالت:
— سامحيني.
قلت:
— مش جاية أسمع اعتذارات.
— عارفة.
— بنتي فين؟
بصت لبنتي اللي جنبي.
عينيها اتمالت دموع أكتر.
وقالت:
— ادخلوا.
دخلنا.
البيت كان هادي.
خالتـي قعدتنا في الصالة.
قلت:
— فين هي؟
قالت:
— قبل ما تشوفيها، لازم تعرفي حاجة.
ضحكت بمرارة.
— أنا كرهت الجملة دي.
سكتت.
قلت:
— كل واحد فيكم بيقولها قبل ما يرمي عليا مصيبة جديدة.
قالت:
— عندك حق.
وبعدين قامت.
فتحت درج.
طلعت ملف.
حطته قدامي.
— بعد وفاة جوزك، أنا أخدت مسؤوليتها.
قلت:
— ليه ما رجعتيهاش ليا فورًا؟
دموعها نزلت.
— حاولت.
— إمتى؟
— من أربع سنين.
— وأنا ما شفتكيش!
قالت:
— وصلت لحد بيتك.
سكتت.
— وشوفت بنتك خارجة معاك.
بصيت لها بعدم فهم.
قالت:
— البنت اللي معايا كانت وقتها 14 سنة. أبوها، اللي رباها طول السنين دي، مات قدامها تقريبًا بعد الحادث. كانت منهارة نفسيًا، وخايفة، وكل اللي تعرفه إن فيه ناس ممكن تأذيها لو عرفوا مكانها.
قلت:
— وأنا أمها!
قالت:
— عارفة.
— كان لازم ترجعيها!
— عارفة.
صرخت:
— أمال ليه ما عملتيش؟!
قالت:
— لأنها رفضت.
سكت.
— إيه؟
— جوزك قال لها الحقيقة قبل ما يموت.
قلبي اتقبض.
— قال لها إيه؟
— قال لها إنك عايشة. وإن عندها أخت. وإنه أخدها منك وهي صغيرة.
— وهي رفضت تشوفني؟
خالتـي قربت مني.
— ما رفضتش علشان ما بتحبكيش.
— أمال؟
— كانت مرعوبة إن ظهورها يرجع فؤاد يدور عليها.
قلت:
— وفؤاد فين دلوقتي؟
لأول مرة، خالتي ابتسمت ابتسامة حزينة.
— مات من سنتين.
اتجمدت.
— مات؟
— بعد ما القضية اتفتحت.
— قضية؟
فتحت الملف.
جواه نسخ من تحقيقات ومستندات.
قالت:
— جوزك ما قضاش السنين دي كلها مستخبي وبس. كان بيجمع أدلة.
شهادات موظفين قدامى.
سجلات مستشفى.
نسخة من تحليل النسب.
وتسجيلات.
قبل حادثه بفترة، سلم نسخة لمحامي.
وبعد موته، المحامي كمل الإجراءات.
تم التحقيق في وقائع تزوير وتلاعب في سجلات قديمة.
فؤاد عاش آخر فترة من حياته وهو بيواجه القضية.
قلت:
— وليه محدش كلمني؟
قالت:
— لأن اسمك ماكانش ظاهر في الملف المقدم بالشكل اللي يكشف مكان البنت، والمحامي التزم بطلب جوزك إن التواصل معاكي يتأجل لحد ما الخطر ينتهي والبنت تكبر.
حطيت إيدي على رأسي.
— يعني جوزي كان عارف إنه ممكن يموت؟
— لأ. حادث عربيته كان فعلًا حادث، حسب التحقيق. لكنه كان مجهز كل حاجة لأنه كان عارف إن حياته مش مستقرة وإنه بيتنقل كتير.
سألتها:
— والبنت فين؟
خالتي بصت ناحية باب داخلي.
وسكتت.
أنا وبنتي بصينا في نفس الاتجاه.
قلبي بدأ يخبط.
قمت.
— هي هنا؟
خالتـي بدأت تعيط.
وقبل ما تجاوب…
الباب اتفتح.
وخرجت بنت.
18 سنة.
وقفت عند الباب.
ماحدش فينا اتحرك.
كنت شايفاها في الصور.
لكن الصور ما كانتش مستعدة تخليني أواجه اللحظة دي.
عينيها كانوا نفس العينين اللي كنت ببص فيهم وهي طفلة.
نفس الطريقة اللي كانت بتضم بيها صوابعها لما تتوتر.
حتى وهي كبيرة…
أنا عرفتها.
الأم مش محتاجة تحليل علشان تعرف طفلة نامت خمس سنين على صدرها.
همست باسمها القديم.
الاسم اللي كنت بناديها بيه وهي صغيرة.
البنت حطت إيدها على بوقها.
وبدأت تعيط.
قالت:
— ماما؟
الكلمة كسرتني.
جريت عليها.
حضنتها.
13 سنة كاملة اختفوا في اللحظة دي.
كنت بلمس شعرها ووشها وإيديها كأني بتأكد إنها حقيقية.
— إنتِ عايشة.
قالتها روحي قبل لساني.
— إنتِ عايشة يا حبيبتي.
كانت بتعيط على كتفي.
وقالت:
— أنا آسفة.
بعدتها وبصيتلها.
— إنتِ بتعتذري عن إيه؟
— كان ممكن أدور عليكي.
هزيت رأسي.
— إنتِ كنتِ طفلة.
— بس بعد ما عرفت…
— برضه كنتِ طفلة.
حضنتها تاني.
وبعد لحظات…
سمعت صوت بكاء ورايا.
أختها.
البنتين وقفوا قدام بعض.
18 سنة.
نفس العمر.
كبروا 13 سنة بعيد عن بعض.
واحدة كانت فاكرة أختها ماتت.
والتانية كانت عارفة من أربع سنين بس إن أختها موجودة.
قالت بنتي:
— أنا فاكرة الدبدوب الأبيض.
أختها ضحكت وسط دموعها.
— لسه عندي.
— بجد؟
هزت رأسها.
وبعدين حضنوا بعض.
وقفت أتفرج عليهم وأنا بعيط.
يمكن ماكانوش توأمًا في الدم.
لكن خمس سنين من أول عمرهم كانوا أخوات.
والـ13 سنة اللي اتسرقوا منهم ماقدروش يمسحوا ده.
خرجنا بعد ساعات.
أبويا كان لسه مستنينا في العربية.
أول ما شاف البنت…
نزل.
وقف بعيد.
ماقدرش يقرب.
هي بصتله.
وبعدين مشت ناحيته.
أبويا بدأ يعيط.
قال:
— سامحيني يا بنتي.
هي ماقالتش حاجة.
حضنته.
وأبويا انهار.
الأيام اللي بعدها ماكانتش سهلة.
مفيش نهاية سحرية خلتنا نصحى تاني يوم كأن 13 سنة ما حصلوش.
كان فيه غضب.
أسئلة.
جلسات طويلة من الكلام.
وأوقات كنت ببص لأبويا ومش قادرة أنسى إنه سكت.
سامحته؟
مش فورًا.
الثقة لما تتكسر ما بترجعش بكلمة.
لكني بدأت أفهم إن التسامح مش معناه إن اللي حصل كان صح.
معناه بس إني مش هسمح للماضي ياخد باقي عمرنا.
أما خالتي…
فاكتشفت إنها قضت سنين شايلة ذنب بنتها وحفيدتها.
هي كمان أخطأت لما اختارت السكوت.
لكنها في آخر أربع سنين كانت الأم اللي وقفت جنب بنتي لما جوزي مات.
وده دين عمري ما هنساه.
بعد شهر، رحنا إحنا الأربعة نزور قبر جوزي.
أنا.
والبنتين.
وأبويا.
وقفت قدام اسمه وقت طويل.
كنت غضبانة منه.
وممتنة له.
وموجوعة بسببه.
ومشتاقاله.
كل المشاعر كانوا موجودين في نفس الوقت.
حطيت جواب صغير جنب الزهور.
كتبت فيه:
“كان المفروض تثق فيا.
كان المفروض تقولي الحقيقة.
كان المفروض نواجه الخوف سوا.
أنا مش هقول إن اللي عملته كان صح، لأنك سرقت مني 13 سنة مع بنتي.
لكنني عرفت إنك قضيت عمرك الباقي بتحاول تحميها وتصلح اللي حصل.
البنتين رجعوا لبعض.
وأنا رجعت لبنتي.
ارتاح.”
وأنا ماشية، بنتي اللي رجعتلي شدت إيدي.
قالت:
— ماما؟
بصيتلها.
قالت بتردد:
— ينفع أسألك حاجة؟
— طبعًا.
— أنا عارفة إني مش بنتك بالدم…
قاطعتها فورًا.
— ما تكمليش.
سكتت.
مسكت وشها بين إيديا.
— إنتِ بنتي من أول مرة شيلتك فيها.
دموعها نزلت.
قلت:
— الورق يقدر يقول مين خلف مين. لكن مش هو اللي يحدد مين كان أم ومين كان بنت.
أختها قربت.
وقالت وهي بتحاول تضحك وسط دموعها:
— وبعدين أنا مش ناوية أسيبك تهربي مني تاني.
ضحكت أختها.
— وأنا مش ناوية.
حضنتهم هما الاتنين.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة.
أنا كنت فاكرة إن اليوم اللي بنتي كملت فيه 18 سنة هو اليوم اللي هعرف فيه حقيقة موت أختها.
لكنه في الحقيقة…
كان اليوم اللي اكتشفت فيه إن قصتنا بدأت بكذبة من 18 سنة.
وإن بنتًا فقدتها يوم ولادتها من غير ما أعرف…
وبنتًا تانية سرقوها مني وهي عندها خمس سنين…
سابوا جوا حياتي جرحين مختلفين.
واحد منهم مفيش حاجة في الدنيا تقدر تصلحه.
لكن التاني…
ربنا اداني فرصة أضمه بإيديا من جديد.
وبعد 13 سنة من وقوفي قدام قبر وأنا فاكرة إن بنتي تحته…
رجعت البيت في الليلة دي وبنتَيَّ ماشيين جنبي.
وقبل ما ندخل، البنت اللي رجعتلي وقفت فجأة.
قالت:
— استني.
طلعت حاجة من شنطتها.
الدبدوب الأبيض القديم.
كان لونه اتغير من السنين، وودنه متخيطة بخيط مختلف.
ناولتهولي.
وقالت:
— بابا فضل محتفظ بيهولي طول السنين دي.
مسكته بإيدي.
وفجأة افتكرت آخر ليلة قبل المستشفى.
طفلة صغيرة كانت نايمة جنبي، حضنة نفس الدبدوب، وقالتلي قبل ما تغمض عينيها:
— لما أكبر، هفضل أنام جنبك؟
وقتها ضحكت وقلتلها:
— لما تكبري هتزهقي مني.
بصيت للبنت اللي واقفة قدامي دلوقتي.
قلت وأنا بعيط:
— فاكرة سألتي ماما إيه وإنتِ عندك خمس سنين؟
ابتسمت وسط دموعها.
وقالت:
— فاكرة.
— وإيه كان سؤالك؟
قربت مني.
وحطت رأسها على كتفي زي ما كانت بتعمل وهي صغيرة.
وقالت:
— سألتك لما أكبر هفضل أنام جنبك ولا لأ.
اتجمدت.
13 سنة ماقدروش يمسحوا الذكرى.
حضنتها بقوة.
فهمست:
— وإنتِ قلتيلي إني لما أكبر هزهق منك.
ضحكت وأنا بعيط.
— وطلعتي زهقتي؟
هزت رأسها.
— لأ.
وبعدين بصت لأختها وقالت:
— بس عندنا مشكلة.
قلت:
— إيه؟
ابتسمت:
— إحنا بقينا اتنين… وأوضتي القديمة فيها سرير واحد.
ضحكنا.
لأول مرة…
ضحكنا من غير سر مستخبي ورانا.
فتحت باب البيت.
ودخلت بنتَيَّ قدامي.
وفي اللحظة دي، ماعدتش أفكر في الـ13 سنة اللي راحت.
فكرت في السنين اللي لسه جاية.
لأن الماضي أخد مننا كتير…
لكن المرة دي،
محدش هيقرر بدالنا نعيش باقي عمرنا إزاي.



