روايات وقصص

حمايا المشلول

المرة اللي ساعدت فيها حمايا في رعايته من ورا جوزي… ولما اكتشفت علامة في جسمه، وقفت مكاني وأنا بفهم السر اللي مستخبي في ماضيّا!

عمري ما تخيلت إن تصرّف بسيط بدافع الرحمة ممكن يغيّر حياتي كلها للأبد.

أنا اسمي ماريانا لوبيز.

متجوزة أليخاندرو فارغاس، رجل أعمال ناجح ومعروف في مدينة جوادالاخارا، في ولاية خاليسكو بالمكسيك.

كنا عايشين في بيت شيك في منطقة هادية في زابوبان، ومعانا والد أليخاندرو، الحاج ريكاردو فارغاس.

راجل كبير في السن، من تلات سنين اتعرض لحالة صحية عنيفة جدًا، غيّرت حياته بالكامل.

الحالة خلّته مشلول تمامًا.

مبقاش قادر يتكلم.

ولا يحرّك جسمه.

كل اللي كان بيقدر يعمله إنه يبص بعينيه ويتنفس.

قبل فرحنا، أليخاندرو كان واضح معايا جدًا، وقاللي:
ماريانا، أنا بحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا، بس فيه حاجة محتاجك توعديني بيها.

سألته إيه هي؟

ملامحه اتغيّرت، وبقى جاد جدًا وهو بيقول:
أوعي تدخلي أوضة أبويا وأنا مش موجود في البيت.

حسّيت بقشعريرة خفيفة في جسمي، وسألته باستغراب:
ليه؟

كمّل كلامه وقال:
وكمان أوعي تحاولي تساعديه في التحميم أو تغيير هدومه. دي مسؤولية الممرّض الخاص بتاعه.

استغربت وقلتله:
بس أنا بقيت واحدة من العيلة، وممكن أساعده…

هزّ راسه برفض شديد وقال:
لأ يا ماريانا.
أبويا مش بيستحمل إن حد يشوفه وهو ضعيف بالشكل ده.
حتى إنتِ.

وبعدين بصّ في عينيّ مباشرة وقال:
لازم تحترمي كرامته.

وسكت لحظة، قبل ما يضيف بنبرة حاسمة:
لو كسرتي وعدك ده، ممكن تدمّري عيلتنا كلها.

عشان كنت بحبه، وافقت ووعدته إني مش هخالف كلامه.

وعلى مدار سنتين كاملين، ما دخلتش أوضة حمايا ولا مرة.

كان دايمًا كارلوس، الممرّض اللي أليخاندرو واثق فيه، هو اللي بيتولى رعاية الحاج ريكاردو.

لكن في يوم، كل حاجة اتغيّرت.

أليخاندرو اضطر يسافر مكسيكو سيتي في رحلة شغل مدتها تلات أيام.

وفي اليوم التاني من سفره، وصلتلي رسالة مفاجئة من كارلوس.

كان مكتوب فيها:
مدام ماريانا، أنا عملت حادثة بالموتوسيكل، وأنا دلوقتي في المستشفى. مش هقدر أجيلكم النهارده ولا بكرة.

حسّيت إن قلبي وقف مكانه!

جريت على أوضة حمايا.

وأول ما فتحت الباب، ريحة قوية ومزعجة انتشرت في المكان.

الحاج ريكاردو كان متّسخ، وواضح إنه مش مرتاح وبيتألم.

كان بيبصلي بعينيه بنظرة استغاثة ويأس، كأنه بيترجاني أساعده.

همست والدموع بتتملي في عينيّ:
يا رب! أنا مقدرش أسيبه بالحالة دي…

كنت عارفة إن أليخاندرو هيغضب جدًا لو عرف إني دخلت أوضة أبوه وخالفت وعدي ليه.

لكن في اللحظة دي، قررت أعمل اللي ضميري بيقولي عليه.

قررت إن الرحمة أهم من خوفي من رد فعل جوزي.

جهزت ميّه دافية، وفوط نضيفة، وهدوم جديدة.

وبعدين قربت من سرير حمايا بالراحة، وقلتله بصوت حنون:
متقلقش يا عمي ريكاردو، أنا معاك.
محدش المفروض يمرّ بكل ده لوحده.

إيديا كانت بتترعش وأنا ببدأ أساعده.

وبكل حرص، بدأت أخلع عنه هدومه عشان أقدر أنضّفه كويس.

لكن فجأة…

اتجمّدت مكاني!

حسّيت إن جسمي كله اتشل، والدنيا حواليّا سكتت تمامًا.

لأني شفت حاجة على جنب جسم الحاج ريكاردو، تحت صدره مباشرة…

كانت علامة قديمة، شبه ندبة من جرح قديم.

شكلها كان مميز بشكل مستحيل يتنسي أو يتلخبط مع أي علامة تانية.

لأنها كانت نفس العلامة بالظبط…

اللي موجودة في جسمي أنا من وأنا طفلة!

في اللحظة دي، ذكرى قديمة مدفونة جوايا من سنين بدأت ترجع لدماغي.

ذكرى مرتبطة بحدث قديم حصل في الماضي، وكنت فاكرة إني نسيتها تمامًا.

رجلي ما شالتنيش، ووقعت على ركبتي جنب السرير.

وهمست بصوت مكسور:
لأ… مستحيل! ده مش ممكن يكون حقيقي!

عينيّ الحاج ريكاردو اتمَلوا بالدموع.

ولأول مرة من سنين، صوابعه اتحركت حركة بسيطة جدًا.

حركة صغيرة، لكنها كانت كفاية إنه يمسك إيدي ويضغط عليها.

كأنه بيأكدلي الحقيقة اللي عقلي مش قادر يستوعبها.

وكأنه بيقولي من غير كلام:
أيوه يا بنتي… إنتِ هي الطفلة دي!

في اللحظة دي، فهمت حاجة مرعبة قلبت حياتي كلها.

الراجل اللي كنت برعاه وبحاول أساعده…
ماكانش مجرد حمايا وبس!

حكايات_زيزي

كان فيه سر قديم بيربطه بماضيّا، سر لو اتكشف، ممكن يدمّر كل حاجة كنت أعرفها عن نفسي وعن عيلتي!

الجزء التاني: السر اللي ريكاردو خبّاه أكتر من تلاتين سنة!

فضلت راكعة جنب سرير الحاج ريكاردو، ماسكة إيده، ومش قادرة أوقف رعشة جسمي.

العلامة اللي على جنبه كانت هي هي العلامة اللي عندي من يوم ما وعيت على الدنيا، واللي أمي الله يرحمها كانت دايمًا بتقول إنها أثر حادثة حصلتلي وأنا صغيرة.

بس إزاي؟!

إزاي تبقى نفس العلامة موجودة عند راجل ملوش أي صلة بيا، غير إنه أبو جوزي؟!

بصيت في عينيه وقلت بصوت مخنوق:
عمي ريكاردو… إنت تعرفني من قبل ما أتجوز أليخاندرو؟

دموعه نزلت على خده، وصوابعه ضغطت على إيدي بقوة غريبة، كأنه بيحاول يرد عليّا، لكنه مش قادر ينطق.

قربت منه أكتر وقلت:
إنت تعرف أمي؟ اسمها إيزابيل لوبيز… تعرفها؟!

أول ما نطقت اسم أمي، حصلت حاجة خلت الدم يتجمّد في عروقي.

عينيه اتفتحت على آخرها، وبدأ يتنفس بسرعة، ونظراته اتغيّرت تمامًا. مابقاش باصصلي باعتباري مرات ابنه، لكنه كان بيبصلي كأنه شاف شبح حد كان فاكره غاب من سنين طويلة.

وفجأة، دموعه زادت.

حطيت إيدي على بقه برفق وقلت:
أرجوك يا عمي، حاول تفهمني! إنت تعرف أمي منين؟ وإيه حكاية العلامة دي؟!

في اللحظة دي، لاحظت إن عينيه بتتحرك ناحية الكومودينو اللي جنب السرير.

كان عليه صندوق خشب صغير، عمري ما شفته قبل كده.

مدّيت إيدي وفتحته.

لقيت جواه صورة قديمة جدًا، أطرافها متآكلة من الزمن، وخطاب متني كذا مرة، وسلسلة دهب صغيرة متعلقة فيها تعليقة على شكل قلب.

مسكت الصورة، وأول ما شفتها، حسيت إن الأرض بتلف بيا.

كانت صورة لست شابة شايلة طفلة رضيعة، وواقفة جنبها راجل أصغر بكتير من ريكاردو اللي أعرفه.

الست كانت أمي!

أما الراجل…
فكان الحاج ريكاردو، بنفس ملامحه، ونفس عينيه اللي بتبصلي دلوقتي!

صرخت من الصدمة:
يا نهار أبيض! إنت كنت تعرف أمي؟!

حاولت أفرد الخطاب بإيديا المرتعشة، لكن أول سطر قريته خلاني أحط إيدي على بُقي.

كان مكتوب بخط أمي:
ريكاردو، لو وصلك الخطاب ده، اعرف إن بنتي لسه عايشة… وإن اللي حصل في الليلة دي ماكانش حادثًا زي ما إنت فاكر.

حسيت إن قلبي هيقف.

بنتي لسه عايشة؟!

يعني أمي كانت بتتكلم عني؟!

كملت قراءة الخطاب بسرعة، لكن قبل ما أوصل لنهايته، سمعت صوت عربية بتدخل الجراج، وبعدها صوت باب البيت بيتقفل بعنف.

أليخاندرو رجع من سفره قبل ميعاده!

بصيت للساعة وأنا مش مصدقة. لسه فاضل يوم كامل على رجوعه!

لمّيت الصورة والخطاب بسرعة، لكن وأنا بحاول أحطهم في الصندوق، لاحظت إن فيه ورقة تانية مستخبية تحت بطانته.

سحبتها، وكانت عبارة عن شهادة قديمة، مكتوب فيها اسم طفلة وتاريخ ميلادها، وتحت الاسم جملة خلتني أحس إن رجلي مش شيلاني:
تم تسليم الطفلة إلى أسرتها الجديدة بعد الحادث.

أسرتها الجديدة؟!

أنا طول عمري كنت فاكرة إن أمي وأبويا ربّوني من يوم ما اتولدت، وإن أبويا غاب وأنا عندي سبع سنين، وبعدها أمي فضلت تحكيلي عن طفولتي لحد ما غابت هي كمان.

لكن عمري ما شفت شهادة ميلادي الأصلية.

وكل ما كنت أسأل أمي عن أول سنين حياتي، كانت بتغيّر الموضوع وتقول إن ذاكرتي صغيرة ومش هتفتكر حاجة.

دلوقتي بس فهمت إن فيه حاجة كانت مستخبية عني.

حاجة أكبر بكتير من مجرد علامة على جسمي!

وفجأة، سمعت صوت أليخاندرو بينادي من برّه:
ماريانا! إنتِ فين؟!

قلبي اتقبض.

خبّيت الورق بسرعة، وغطّيت الحاج ريكاردو، لكن قبل ما أتحرك ناحية الباب، سمعت صوت خطوات جوزي بتقرب من الأوضة.

الباب اتفتح فجأة.

وقف أليخاندرو على العتبة، وبصلي، وبعدها بص لأبوه، وبعدين عينه وقعت على الصندوق المفتوح في إيدي.

وشه اتغيّر في ثانية.

صرخ بصوت عمري ما سمعته منه قبل كده:
إنتِ عملتي إيه يا ماريانا؟!

حاولت أتكلم، لكنه خطف الصورة من إيدي، وبص ليها، وبعدها قفل عينيه كأنه بيحاول يمنع نفسه من الانهيار.

قلتله وأنا بترعش:
أليخاندرو… مين الست اللي في الصورة؟ وليه صورة أمي عند أبوك؟!

ما ردش.

قربت منه وقلت:
والطفلة اللي مكتوب في الورق إنها اتسلّمت لأسرة جديدة… مين هي؟!

رفع عينيه ليا، وكانت مليانة خوف وغضب في نفس الوقت.

وبصوت واطي قال:
كان المفروض ما تعرفيش حاجة عن الموضوع ده أبدًا.

حسيت إن قلبي اتكسر.

يعني إنت كنت عارف؟! عارف إن فيه سر متعلق بماضيّا، وسايبني أعيش معاكو سنتين من غير ما تقولي؟!

قبل ما يرد، حصلت المفاجأة اللي محدش فينا كان مستعد لها.

الحاج ريكاردو، اللي الأطباء قالوا إنه مش قادر يتكلم ولا يتحرك من سنين، بدأ يحرّك إيده بعنف، وراح خبط على طرف السرير كأنه بيحاول يلفت انتباهنا.

أليخاندرو جري ناحيته.
بابا! اهدى، أرجوك!

لكن ريكاردو ما هديش.

فضل يبص لأليخاندرو، وبعدها بصلي، ودموعه بتنزل من عينيه.

وفجأة، خرج من بقه صوت ضعيف جدًا، متقطع، كأنه بيحاول ينطق كلمة نسيها من سنين:
ما… ري… ا…

اتسمّرت مكاني.

كان بيحاول يقول اسمي!

لكن أليخاندرو رجع خطوة لورا، ووشه شحب بشكل مخيف.

لأنه كان عارف إن أبوه لو قدر يكمل كلامه، كل الأسرار اللي العيلة خبّتها سنين هتتكشف.

مسكت إيد ريكاردو وقلتله:
أنا سامعاك يا عمي… كمّل، أرجوك!

بصلي، وجمع كل قوته، وبعد محاولات مؤلمة، نطق كلمتين بس…
بنت… أختك!

شهقت ورجعت لورا.
بنت أختي؟!
أنا معنديش أخت أصلًا!

بصيت لأليخاندرو، مستنية منه يكذّب الكلام ده، أو يشرحلي معناه.

لكنه نزل عينيه للأرض، وسكت.

وفي اللحظة دي، فهمت إن الصدمة الحقيقية لسه ما بدأتش.

لأن أليخاندرو مدّ إيده في جيبه، وطلع ميدالية قديمة، فتحها قدامي.

جواها كانت صورة طفلة صغيرة، وعلى ضهر الصورة مكتوب تاريخ ميلاد…
نفس يوم وشهر ميلادي بالظبط!

رفع أليخاندرو عينيه ليا وقال بصوت مكسور:
ماريانا… فيه حاجة لازم تعرفيها عن أختك اللي اختفت من تلاتين سنة… وعن السبب الحقيقي اللي خلّى أبويا يمنعك تدخلي أوضته طول السنين اللي فاتت.

وبعدين قال جملة واحدة خلتني أحس إن حياتي كلها كانت مبنية على كذبة…
الطفلة اللي اختفت يوم الحادثة… ممكن تكون أقرب واحدة ليكي، أكتر مما تتخيلي!

يتبع…

الجزء التالت: الحقيقة اللي جوزي خبّاها عني طول السنين!

فضلت باصة لأليخاندرو، مش قادرة أستوعب كلمة واحدة من اللي قالها.

أختي اختفت من تلاتين سنة؟! إنت بتقول إيه يا أليخاندرو؟! أنا معنديش أخت! أمي عمرها ما قالتلي إن ليا أخت!

أليخاندرو حط الميدالية على الكومودينو، ومرّر إيده على وشه بتوتر.
ماريانا، أرجوكي اسمعيني للآخر… الموضوع مش سهل زي ما إنتِ متخيلة.

صرخت فيه وأنا بعيط:
مش سهل؟! إنت شايف إن فيه حاجة أصعب من إني أكتشف إن حياتي كلها فيها أسرار محدش رضي يقولهالي؟! أنا عايزة أعرف الحقيقة دلوقتي!

الحاج ريكاردو بدأ يحرك صوابعه تاني، وعينيه كانت معلقة بأليخاندرو.

وفجأة، ابني قصدي جوزي بص لأبوه وقال بلهجة حاسمة:
كفاية يا بابا! إنت وعدتني إن الموضوع ده مش هيتفتح تاني!

اتجمدت مكاني.
وعدته؟! يعني إنتوا الاتنين متفقين تخبوا عني الحقيقة؟!

أليخاندرو حاول يقرب مني، لكني رجعت لورا.
متقربش مني قبل ما تجاوبني. مين أختي؟ وإيه علاقتها بأبويا؟

سكت لحظات طويلة، وبعدها سحب كرسي وقعد، كأنه أخيرًا قرر يواجه حاجة هرب منها سنين.

قال بصوت منخفض:
من حوالي تلاتين سنة، حصل حادث كبير في مستشفى قديمة في جوادالاخارا. في الليلة دي، كان فيه أكتر من طفل رضيع في قسم الحضّانات، وحصلت فوضى كبيرة أثناء إخلاء المرضى.

حسيت بقلبي بيدق بسرعة.
وبعدين؟

أمك كانت موجودة في المستشفى وقتها… ومعاها طفلتين توأم.

الدنيا اسودّت في عيني.
توأم؟!

هز راسه ببطء.
أيوه يا ماريانا. أمك ولدت بنتين في نفس اليوم. واحدة خرجت معاها من المستشفى، والتانية اختفت وسط الفوضى اللي حصلت بعد الحادث.

حطيت إيدي على بُقي، والدموع نزلت من غير ما أحس.

كل الحكايات اللي أمي كانت بتحكيهالي عن طفولتي بدأت تتغير قدام عيني.
وإنت عرفت الكلام ده إمتى؟

أليخاندرو بص لأبوه، وبعدين رجع بصلي.
من أربع سنين، لما بابا تعب ودخل المستشفى، طلب مني أجيب صندوقه القديم من الخزنة. لقيت فيه الصورة والخطابات، وعرفت إن فيه طفلة اختفت وإن بابا كان بيدوّر عليها من سنين.

طب ليه ما قلتليش؟!

لأن بابا كان خايف… وكان عنده سبب قوي يخليه يصدق إن كشف الحقيقة ممكن يعرّضك للخطر.

بصيت لريكاردو، اللي كان بيحاول يرفع إيده بصعوبة.
عمي ريكاردو، إنت كنت بتدور على أختي؟

دموعه نزلت، وحرّك راسه حركة بسيطة.

وبعدين أشار بعينيه ناحية الصندوق.

فتحت الصندوق تاني، وبدأت أفتش في الخطابات، لحد ما لقيت ظرف قديم مكتوب عليه اسم أمي بالكامل.

جواه كانت فيه ورقة عليها عنوان قديم، وصورة لست شابة شايلة طفلة صغيرة.

لكن اللي خلاني أصرخ، إن الست اللي في الصورة ما كانتش أمي.

كانت ست تانية، شبهّي بشكل غريب جدًا!
نفس شكل العينين، ونفس رسمة الحواجب، وحتى نفس العلامة الصغيرة اللي تحت الأذن اليمين.

قلبت الصورة، فلقيت جملة مكتوبة بالقلم:
إلى ابنتي التي لم أتمكن من الاحتفاظ بها… سامحيني، يومًا ما هتعرفي ليه اضطريت أسيبك.

بصيت لأليخاندرو وأنا مش قادرة أتكلم.
مين الست دي؟!

وشه اتغير، وبان عليه إنه عرفها.

وقبل ما يجاوب، ريكاردو بدأ يصدر صوت متقطع، ويحاول يحرك إيده ناحية الصورة.

أليخاندرو قرب منه بسرعة، لكنه المرة دي ما حاولش يسكت أبوه.

ولأول مرة، شفت جوزي بيعيط.

قال بصوت مبحوح:
دي مش أمك يا ماريانا… دي أم الطفلة التانية.

حسيت إن قلبي وقع في رجلي.
يعني إيه؟! أمي إيزابيل مش أمي الحقيقية؟!

أليخاندرو هز راسه بسرعة.
لأ، استني! أنا ما قلتش كده. إحنا لسه ما نعرفش مين الطفلة اللي خرجت من المستشفى مع إيزابيل، ومين الطفلة اللي اختفت. كل اللي نعرفه إن فيه أوراق اتبدّلت، وإن بابا كان بيحاول يصلّح الغلطة دي من سنين.

في اللحظة دي، سمعت صوت رنين تليفون ريكاردو.

كان تليفون قديم موجود في درج الكومودينو، وعليه رقم غريب بيتصل للمرة التالتة.

أليخاندرو بص للشاشة، وفجأة وشه شحب.
سألته:
مين بيتصل؟

ما ردش.

مدّيت إيدي وخطفت التليفون قبل ما يمنعني، ورديت.
ألو؟

جالي صوت ست كبيرة في السن، بتتكلم وهي بتعيط:
أخيرًا… أخيرًا حد رد عليّا!

قلت بقلق:
حضرتك مين؟

سكتت لحظة، وبعدها سألتني سؤال خلّى الدم يتجمّد في عروقي:
إنتِ ماريانا لوبيز؟

أيوه، مين حضرتك؟

قالت بصوت بيرتعش:
أنا بدوّر على بنتي من تلاتين سنة… وريكاردو وعدني إنه هيوصلني ليها قبل ما يغيب.

بصيت لريكاردو، لقيته بيعيط وبيحاول يحرك راسه ناحيتي.

الست كملت:
يا بنتي، أنا مش عارفة إنتِ أنهي واحدة فيهم… بس معايا الدليل اللي ممكن يثبت كل حاجة.

وبعدين قالت اسمًا خلاني أرجع خطوتين لورا.
أنا لوسيا مونتيرو… أم التوأم اللي اتولدوا في المستشفى ليلة الحادث.

وقبل ما أقدر أسألها أي سؤال، سمعتها بتقول:
بس فيه حاجة لازم تعرفيها يا ماريانا… واحدة من البنتين اتسجلت باسم عيلة تانية، والتانية اتربّت على إنها بنت إيزابيل. واللي حصل ماكانش مجرد غلطة في أوراق المستشفى…

صوتها انخفض، وكأنها خايفة حد يسمعها.
فيه حد تعمّد يغيّر هويات الأطفال… وأنا عرفت اسمه من يومين بس!

وفجأة، الخط اتقطع.

بصيت لأليخاندرو، فلقته واقف مكانه من غير حركة.

سألته بصوت ضعيف:
إنت عارف مين الشخص ده، صح؟

ما جاوبش.

لكن قبل ما أضغط على زر الاتصال تاني، وصلني على تليفوني رسالة من رقم مجهول، فيها صورة حديثة لست واقفة قدام بيتنا.

وتحت الصورة مكتوب:
لو عايزة تعرفي مين أختك التوأم، ما تثقيش في جوزك… لأن الشخص اللي بتدوري عليه عايش معاكي من سنين، وهو اللي خبّى عنك الحقيقة!

رفعت عينيّ ببطء ناحية أليخاندرو…

ولأول مرة من يوم ما اتجوزته، حسّيت إني مش عارفة الراجل اللي واقف قدامي ده مين بالظبط.

لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه مستنياني… لأن الصورة اللي وصلتني كان ظاهر في خلفيتها شخص تاني، شخص مستحيل يكون موجود في المكان ده حسب كل اللي كنت أعرفه عن ماضي عيلتنا!

يتبع…

الجزء الرابع: الشخص اللي كان عايش وسطنا وهو مخبّي الحقيقة!

فضلت ماسكة التليفون، وبكبّر الصورة بإيدي المرتعشة، وأنا بحاول أتعرف على الشخص اللي واقف في الخلفية.

كانت الصورة لست كبيرة واقفة قدام بيتنا، لكن وراها، عند بوابة الجراج، كان فيه راجل لابس جاكيت أسود، وشه مش واضح بالكامل.

ومع ذلك، عرفت هو مين!

كارلوس… الممرّض اللي كان مسؤول عن رعاية الحاج ريكاردو!

نفس كارلوس اللي بعتلي رسالة وقال إنه عمل حادثة بالموتوسيكل، وإنه موجود في المستشفى!

صرخت في أليخاندرو:
بص! ده كارلوس! إزاي موجود هنا وهو المفروض في المستشفى؟!

خطف التليفون من إيدي، وبص للصورة، وبعدها قفل عينيه للحظات.

قلتله بعصبية:
إنت عارف حاجة، صح؟! إنت عارف إن فيه حد بيراقبنا!

رد عليّا بصوت متوتر:
ماريانا، اسمعيني كويس. من دلوقتي، ما تفتحيش الباب لأي حد، وماترديش على أي رقم غريب.

ضحكت بمرارة وقلتله:
دلوقتي بقيت خايف عليّا؟! طب ما كنت تقولي الحقيقة من الأول بدل ما تسيبني أكتشفها لوحدي!

قبل ما يرد، تليفونه رن.

بص للشاشة، ولما شاف اسم المتصل، ملامحه اتبدلت.

خرج خطوتين من الأوضة ورد بصوت واطي، لكني قدرت أسمعه بيقول:
إنت وعدتني إنك مش هتظهر تاني!

سكت شوية، وبعدها قال:
لأ، هي لسه ما تعرفش كل حاجة… ولو ظهرت دلوقتي، كل اللي بنحاول نحميه هينهار!

قفل المكالمة بسرعة.

وقفت قدامه وقلت:
مين اللي كنت بتكلمه؟!

رد بعصبية:
مش وقته يا ماريانا!

لأ، ده وقته بالظبط! أنا مش هسكت تاني!

لكن فجأة، سمعنا صوت ارتطام قوي جاي من أوضة ريكاردو.

جرينا عليه، ولقيناه بيحاول يرفع إيده ناحية درج الكومودينو، ووشه متغيّر من شدة التوتر.

ساعدته يفتح الدرج، فطلع منه مفتاح صغير، وحطه في كف إيدي.

وبعدين أشار بعينيه ناحية الخزانة الكبيرة اللي في آخر الأوضة.

أليخاندرو قرب منها، وبدأ يدور على مكان المفتاح، لحد ما اكتشف فتحة صغيرة مستخبية ورا لوحة قديمة.

فتح الخزانة السرية.

كان جواها ملف جلدي سميك، وصور، وشهادات ميلاد، وخطابات عليها أختام مستشفى قديم.

فتحت أول ملف، ولقيت اسم أمي إيزابيل مكتوب في ورقة، وتحته اسم لوسيا مونتيرو.

أما في الصفحة اللي بعدها، فكان فيه اسم طفلة مكتوب بخط اليد:
ماريانا مونتيرو.

رجعت لورا وأنا بحط إيدي على صدري.
ليه اسمي مكتوب باسم عيلة مونتيرو؟!

أليخاندرو سحب الورقة من إيدي، وبدأ يقراها بسرعة.

وفجأة، قال بصوت مخنوق:
يا إلهي…

بصيتله:
إيه؟! لقيت إيه؟!

رفع الورقة قدامي.

كانت عبارة عن سجل قديم لتسليم الأطفال بعد حادث المستشفى، ومكتوب فيه إن إحدى الطفلتين اتسلّمت لامرأة اسمها إيزابيل لوبيز، بينما الطفلة التانية اتنقلت إلى دار رعاية مؤقتة، قبل ما تختفي أوراقها تمامًا.

لكن أسفل الصفحة، كان فيه توقيع مسؤول التسليم.
كارلوس.

نفس كارلوس اللي عاش في بيتنا سنين، وكان أقرب شخص لريكاردو!

همست وأنا مش مصدقة:
هو اللي كان مسؤول عن تسليم الأطفال؟!

أليخاندرو هز راسه ببطء.
واضح إن كارلوس كان موجود في المستشفى الليلة دي، قبل ما يشتغل عند بابا بسنين طويلة. بس مش فاهم ليه خبّى الورق ده.

بصيت لريكاردو، وقلتله:
عمي، إنت كنت تعرف إن كارلوس له علاقة باختفاء أختي؟

دموعه نزلت تاني، وحاول يحرك راسه، لكن التعب كان واضح عليه.

وفجأة، مدّ إيده بصعوبة، وأشار لورقة صغيرة كانت مستخبية بين صفحات الملف.

فتحتها.

كان مكتوب فيها:
لو حصل لي أي حاجة، دوروا على سجل التبرعات القديم. الحقيقة مش موجودة في المستشفى… الحقيقة موجودة في المكان اللي اتدفعت فيه الفلوس عشان تختفي.

حسيت بقشعريرة في جسمي.
فلوس؟!
يعني حد دفع فلوس عشان يغيّر هويات الأطفال؟!

في اللحظة دي، جرس الباب رن.
مرة.
وبعدين مرة تانية.

أليخاندرو طلب مني أفضل جنب أبوه، وراح يشوف مين على الباب.

بعد ثواني، سمعت صوته بيقول بصدمة:
إنتِ؟!

جريت ناحية المدخل.

كانت واقفة ست في أواخر الخمسينات، شعرها أبيض عند الجذور، ووشها شاحب، وفي إيديها شنطة جلد قديمة.

أول ما شافتني، فضلت باصة ليا من غير ما تتكلم.

وبعدين بدأت تعيط.

قالت بصوت مرتعش:
يا رب… نفس العينين! نفس ملامح أمك!

سألتها:
حضرتك لوسيا مونتيرو؟

هزت راسها.
أيوه يا بنتي. أنا اللي اتصلت بيكي. بس ما كنتش متخيلة إنك هتكوني قدامي بالشكل ده.

مدّت إيدها ولمست خدي برفق، وبعدها رجعت خطوة لورا وكأنها افتكرت حاجة موجعة.
أنا آسفة… أنا آسفة إني ما قدرتش أحميكي!

قبل ما أقدر أسألها، أليخاندرو وقف بيني وبينها وقال:
لوسيا، مش هنا. لازم نمشي من البيت ده حالًا.

بصيتله باستغراب.
نمشي ليه؟!

ردت لوسيا بدلًا منه:
لأن فيه حد عرف إني جاية، والحد ده مستعد يعمل أي حاجة عشان الحقيقة تفضل مدفونة.

فتحت شنطتها وطلعت صورة قديمة لثلاثة أشخاص واقفين قدام المستشفى: ريكاردو، ولوسيا، وراجل تالت لابس بالطو أبيض.

قلّبت الصورة، فظهر اسم مكتوب على ظهرها:
دكتور إستيبان نافارو.

قالت لوسيا:
الدكتور ده كان مسؤول عن قسم الحضّانات ليلة الحادث. وهو آخر شخص شاف الطفلتين قبل ما يختفوا من السجلات.

سألتها بسرعة:
ونعرف نوصله إزاي؟!

بصتلي بحزن وقالت:
لأنه غاب من عشر سنين يا ماريانا… لكن قبل غيابه بأسبوع، سلّم ابنته ظرفًا وقال لها ما تفتحهش إلا لو ظهرت واحدة من الطفلتين.

وقفت مكاني.
بنته لسه عايشة؟

لوسيا هزت راسها.
أيوه. وأنا أعرف مكانها.

لكن قبل ما تكمل، تليفون أليخاندرو رن برسالة جديدة.

فتحها، واتبدلت ملامحه تمامًا.

كانت صورة لريكاردو وهو نايم على سريره، متصورة من داخل أوضته… من كام دقيقة بس!

وتحتها رسالة قصيرة:
ابعدوا عن ملف المستشفى. لو كملتوا البحث، مش هتخسروا الماضي بس… هتخسروا الشخص اللي بتحاولوا تنقذوه.

صرخت وجريت ناحية أوضة حمايا.

لكن أول ما دخلت، اكتشفت إن سريره فاضي!

ريكاردو اختفى!

والشباك كان مفتوح، والغطاء واقع على الأرض، والممرضة اللي كانت بتساعدنا في البيت مش موجودة هي كمان.

أليخاندرو جري يتصل بالجهات المختصة، بينما لوسيا وقفت مكانيها وهي بتبص ناحية الشباك.

همست:
لأ… مش معقول يكون رجع تاني!

مسكت إيدي وسألتها:
مين اللي رجع؟! وإيه اللي تعرفيه عن اختفاء حمايا؟!

بصتلي بعينين مليانين رعب، وقالت:
الراجل اللي أخد ريكاردو مش غريب عن عيلتكم يا ماريانا… ده الشخص اللي كان المفروض يكون أول واحد يحميكي يوم ما اتولدتي!

وبعدين طلعت من شنطتها ظرفًا قديمًا، عليه اسمي واسم أليخاندرو.

وقالت:
قبل ما تعرفي مكان أختك، لازم تعرفي الحقيقة اللي جوزك مخبيها عنك بخصوص جوازكم نفسه…
لأن أليخاندرو ما اتجوزكيش بالصدفة أبدًا!

يتبع…

الجزء الخامس: جوازي من أليخاندرو كان جزء من خطة قديمة!

وقفت قدام لوسيا وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا.
يعني إيه ما اتجوزنيش بالصدفة؟! إنتِ تقصدي إيه بالكلام ده؟!

لوسيا بصّت لأليخاندرو، لكنه نزل عينيه للأرض ومتكلمش.

الصمت ده وجعني أكتر من أي إجابة.

مدّيت إيدي وخطفت الظرف من لوسيا، وفتحته بسرعة. جواه كانت فيه ورقة قديمة عليها ختم مكتب محاماة في جوادالاخارا، وتحت الختم تاريخ يرجع لأكتر من تلاتين سنة.

بدأت أقرا، وكل سطر كان بيكشفلي إن فيه حاجة غلط في حياتي.

الورقة كانت بتتكلم عن اتفاق بين ريكاردو فارغاس، ودكتور إستيبان نافارو، وشخص تالت اسمه مانويل مونتيرو.

اسم مونتيرو خلاني أرفع عيني بسرعة.
مين مانويل ده؟!

لوسيا ردت وهي بتحاول تسيطر على دموعها:
أبوكي يا ماريانا… الراجل اللي إنتِ طول عمرك فاكرة إنه غاب من وإنتِ صغيرة.

حسيت إن نفسي اتسحب مني.
بس أمي قالتلي إنه غاب في حادثة عربية!

أمك قالتلك اللي كانت فاكرة إنه هيحميكي يا بنتي. لكن الحقيقة إن مانويل اختفى بعد حادث المستشفى بفترة قصيرة، وساب وراه أسرار محدش قدر يفهمها.

بصيت لأليخاندرو.
وإنت كنت تعرف كل ده قبل ما تتقدملي؟!

رفع عينيه ليا، وكانت ملامحه مليانة ندم.
عرفت إن فيه علاقة بين عيلتنا وعيلتك قبل جوازنا بشهور، لكن ما كنتش أعرف كل التفاصيل.

ومع ذلك اتجوزتني وسكت؟!

قال بصوت مكسور:
أيوه… وده أكبر غلط عملته في حياتي.

رجعت خطوة لورا، ودموعي نزلت.
أنا مش عارفة أصدقك إزاي بعد كده!

لوسيا فتحت شنطتها وطلعت صورة تانية.

كانت صورة لأليخاندرو وهو طفل، واقف جنب ريكاردو قدام بوابة دار رعاية قديمة.

وفي الخلفية، كانت فيه طفلة صغيرة ماسكة لعبة دب.

لوسيا أشارت للطفلة وقالت:
دي واحدة من الطفلتين اللي اتولدوا ليلة الحادث. والصورة دي اتصورت بعد الحادث بسنتين.

بصيت للصورة كويس.
الطفلة كان في إيدها اليمين علامة صغيرة، شبه العلامة اللي عندي.

لكن المدهش إن أليخاندرو الطفل كان ماسك إيدها، وكأنه يعرفها من زمان.

سألته:
إنت كنت تعرف الطفلة دي؟

أليخاندرو هز راسه ببطء.
كنت صغير، ومش فاكر كل حاجة. بابا كان بياخدني معاه أحيانًا لدار الرعاية، وكان فيه بنت صغيرة بتقعد معانا. كنت فاكر إنها بنت من العيلة، لكن لما سألت بعد كده، بابا رفض يتكلم عنها.

لوسيا قاطعتنا:
لأن ريكاردو كان بيحاول يرجّعها لأمها، لكن حد سبقُه ونقلها لمكان تاني.

فجأة، سمعت صوت رسالة وصلت على تليفوني.

رقم مجهول تاني.

فتحت الرسالة، ولقيت فيها عنوان مستشفى قديم وصورة لباب حديد عليه رقم سبعة.

وتحت الصورة جملة واحدة:
لو عايزة تعرفي مين أختك، روحي للمكان اللي بدأت فيه الكذبة. لكن روحي لوحدك.

أليخاندرو شاف الرسالة، وخطف التليفون من إيدي.
مش هتروحي أي مكان لوحدك!

صرخت فيه:
وإنت مالك؟! بعد كل اللي خبّيته عني، عايزني أثق فيك إزاي؟!

قال بحزم:
لأن اللي بيبعتلك الرسائل دي عارف تحركاتنا، وعارف إنك هتجري ورا أي خيط يوصلك لأختك.

لوسيا بصت للعنوان، وفجأة حطت إيدها على بقها.
يا إلهي… ده مستشفى سانتا إيلينا!

سألتها:
تعرفيه؟!

أيوه. ده المستشفى اللي حصل فيه الحادث. اتقفل من سنين، لكن فيه جناح قديم كان فيه أرشيف سجلات الولادة.

بصيت لأليخاندرو وقلت:
أنا رايحة هناك، سواء وافقت أو لأ.

المرة دي، ما حاولش يمنعني.

بس قال جملة واحدة خلتني أتردد:
لو رحنا هناك، لازم تكوني مستعدة تعرفي إن أختك ممكن تكون عاشت عمرها كله وهي فاكرة إنك إنتِ اللي أخدتي مكانها.

بعد أقل من ساعة، وصلنا للمستشفى القديم.

المكان كان مهجور، والنوافذ مكسورة، والبوابة الحديد مصدية. دخلنا من ممر جانبي، ولوسيا كانت بتدلّنا على الطريق من ذاكرتها.

وصلنا للجناح رقم سبعة.

الباب كان مقفول بقفل قديم، لكن أليخاندرو قدر يفتحه بعد محاولات.

جوا، لقينا خزائن معدنية مليانة ملفات متربة.

بدأنا نفتش لحد ما لوسيا صرخت:
لقيته!

كانت ماسكة سجل ولادة قديم، وعلى غلافه تاريخ اليوم اللي اتولدت فيه.

فتحت الصفحة المطلوبة، ولقينا اسم أمي إيزابيل، واسم لوسيا، وتحتهم تسجيلين لطفلتين توأم.

لكن جنب اسم الطفلة التانية، كان فيه ملاحظة مكتوبة بالأحمر:
تم تغيير جهة التسليم بناءً على طلب مانويل مونتيرو.

لوسيا شهقت.
مانويل؟! مستحيل… هو ما كانش عنده الحق يعمل كده!

قبل ما نقدر نفهم أكتر، سمعنا صوت خطوات جاية من آخر الممر.

أليخاندرو طفى الكشاف بسرعة، وشدّني ناحية خزانة مفتوحة.

دخلنا جواها، ولوسيا استخبت ورا باب معدني.

الباب الخارجي اتفتح.

دخل راجل بيتكلم في التليفون:
أيوه، أنا وصلت. السجل لسه موجود… لأ، محدش أخده لحد دلوقتي.

سكت لحظة، وبعدين قال:
لازم ننهي الموضوع قبل ما البنت تعرف إن اسمها الحقيقي مش ماريانا لوبيز.

حسيت إن قلبي وقف.
اسمي الحقيقي مش ماريانا لوبيز؟!

بصيت لأليخاندرو، لقيته مذهول هو كمان.

الراجل قرب من الخزائن، وبدأ يدور على السجل.

وفي اللحظة دي، تليفون لوسيا وقع منها على الأرض، وطلع صوت خفيف.

الراجل لفّ بسرعة ناحية الصوت.
مين هنا؟!

أليخاندرو خرج من مخبأنا ووقف قدامه.
إنت اللي لازم تجاوب على السؤال ده!

الراجل رجع خطوة لورا، ولما نور الكشاف وقع على وشه، اتجمدت مكاني.

كنت أعرفه.

شوفته قبل كده في بيتنا، في صور عيلة فارغاس، وفي مناسبات كان أليخاندرو بيقول إنه أحد أصدقاء والده القدامى.

كان فيكتور سالازار، محامي العيلة.

لكن بدل ما يندهش من وجودنا، ابتسم ابتسامة باردة وقال:
كنت عارف إنكم هتوصلوا لهنا في يوم من الأيام.

أليخاندرو مسكه من ذراعه.
فين بابا؟! إنت عملت فيه إيه؟!

فيكتور رد بهدوء:
أبوك بخير… لحد دلوقتي.

صرخت فيه:
إنت أخدته؟!

بصلي وقال:
أنا ما أخدتش حد. أنا بحاول أحمي السر اللي أبوكي الحقيقي دفن بسببه ناس كتير.

وقبل ما أقدر أسأله عن قصده، طلع من جيبه صورة قديمة وحطها قدامي.

كانت صورة لطفلتين رضيعتين، واحدة في حضن إيزابيل، والتانية في حضن لوسيا.

وعلى ظهر الصورة، كانت فيه جملة مكتوبة بخط واضح:
الطفلة التي بقيت مع إيزابيل ليست ابنتها البيولوجية… والطفلة التي اختفت لم تكن هي الوريثة الوحيدة.

رفعت عيني لفيكتور وأنا مش قادرة أتنفس.
يعني إيه الوريثة؟!

ابتسم وقال:
لأن مانويل مونتيرو ما اختفاش من غير سبب يا ماريانا… ساب وراه ثروة كبيرة، ووثيقة بتحدد مين من بناته له الحق فيها.

وبعدين بص لأليخاندرو وأضاف:
وجوازك منها ماكانش صدفة يا أليخاندرو. أبوك كان بيحاول يوصل للحقيقة، وإنت كنت جزء من خطته… حتى لو ما كنتش فاهم كل حاجة.

أليخاندرو سابه فجأة، ووشه بقى أبيض زي الورق.

أما أنا، فكنت باصة للصورة وبحاول أفهم إزاي حياتي كلها ممكن تكون مرتبطة بثروة ووريثة مجهولة.

لكن فيكتور قرب مني، وقال بصوت واطي:
فيه حاجة أخيرة لازم تعرفيها… أختك التوأم مش بس عايشة. هي عارفة إنك موجودة، وبتدور عليكي من سنين… لكن لما تعرفي هي مين، ممكن تكتشفي إن أقرب شخص ليكي كان السبب في ضياع عمركم أنتم الاتنين.

وفي اللحظة دي، رنّ تليفونه.

رد، وسمعنا صوت ست على الطرف التاني بتقول بوضوح:
فيكتور، لقيت ريكاردو. بس فيه مشكلة… هو فاق، وطلب يشوف ماريانا فورًا، وقال إن عنده دليل يثبت مين اللي بدّل الطفلتين ليلة الحادث!

فيكتور قفل عينيه للحظة، وبعدين بصلي وقال:
اتأخرتوا… الحقيقة خلاص هتظهر.

بس قبل ما نخرج من المستشفى، لوسيا لقت ورقة صغيرة ملزوقة في ضهر الصورة، عليها اسم واحد بس… الاسم اللي خلّاها تقع على الكرسي وهي بتردد: لأ… مش ممكن يكون هو!

يتبع…

النهاية: الحقيقة اللي قلبت حياة ماريانا للأبد!

لوسيا كانت واقفة وسط المستشفى المهجور، ماسكة الورقة الصغيرة بإيديها، ووشها شاحب كأنها شافت شبح.

قربت منها وسألتها:
لوسيا، مين الاسم المكتوب؟ إنتِ تعرفي الشخص ده؟!

رفعت عينيها ليا، والدموع مالية وشها، وقالت بصوت متقطع:
مانويل مونتيرو… أبوكي الحقيقي!

اتصدمت وقلت:
بس إنتِ لسه قايلة إنه اختفى من سنين! إزاي اسمه موجود في ورقة اتكتبت بعد اختفاء الطفلتين؟!

لوسيا أخدت نفس عميق، وبعدها كشفت الحقيقة اللي كانت مخبياها طول السنين:
لأن مانويل ما اختفاش في حادثة زي ما الناس قالت. هو اكتشف إن فيه حد غيّر سجلات ولادتكم، وإن واحدة من بناته اتنقلت لعيلة تانية من غير علم أمها. حاول يكشف اللي حصل، لكنه اتعرض لضغط شديد، واضطر يهرب عشان يحميكم.

بصيت لأليخاندرو، لكنه كان واقف ساكت، وعينيه مليانة ندم.

فيكتور، محامي عيلة فارغاس، حاول ياخد الورقة من إيد لوسيا، لكن أليخاندرو وقف قدامه ومنعه.

وقال بغضب:
كفاية كذب! إنت استغليت ثقة أبويا فيك سنين، وكنت بتخفي المستندات دي!

فيكتور ابتسم ابتسامة باردة وقال:
أنا ما كنتش الوحيد اللي عارف الحقيقة يا أليخاندرو. أبوك نفسه كان عارف إن فيه طفلة اتنقلت من غير حق، لكنه سكت سنين طويلة.

الكلام ده وجعني.
يعني ريكاردو، الراجل اللي قضيت سنتين بخاف أدخل أوضته، كان شايل السر ده جواه كل السنين دي؟

لكن قبل ما أقدر أواجه فيكتور، رنّ تليفون أليخاندرو.

كانت الجهات المختصة.

قدروا يحددوا مكان ريكاردو بعد ما وصلهم بلاغ من المستشفى الخاص اللي اتنقل ليه، واكتشفوا إن شخصًا من طاقم الرعاية أخده من البيت من غير علمنا بحجة نقله للفحص.

جرينا على المستشفى، وهناك لقينا ريكاردو على السرير، تعبان لكنه واعي.

أول ما شافني، دموعه نزلت.

قربت منه ومسكت إيده وقلت:
عمي ريكاردو، أرجوك… أنا محتاجة أعرف الحقيقة كلها. أنا مين؟ ومين أختي؟!

حاول يتكلم، وخرج صوته ضعيفًا ومتقطعًا:
ماريانا… بنتي… مش…

وقف فجأة، واتنفس بصعوبة.

الدكتور طلب مننا نسيبه يرتاح شوية، لكن ريكاردو أصرّ إنه يكمل.

رفع إيده وأشار لأليخاندرو، وبعدها قال:
مش… بنتي بالدم… لكن بنتي بالقلب.

أليخاندرو نزل راسه وبدأ يعيط.

أما أنا، ففضلت باصة لريكاردو وأنا مش فاهمة.

ابتسم ابتسامة حزينة، وكمل:
أمك إيزابيل ربّتك بحب، وأنا كنت شاهد على ده. ولما اكتشفت إن فيه طفلة تانية اختفت، فضلت أدور عليها. كنت عايز أرجّعها لأمها، لكن كل مرة كنت بقرب من الحقيقة، كنت بلاقي ورق اتغيّر وشهود اختفوا.

سألته:
طب ليه منعتني أدخل أوضتك؟ وليه خبيت عني كل ده؟

غمض عينيه، وقال:
لأن العلامة اللي على جسمك كانت هتخليني أواجه الحقيقة قدامك قبل ما أكون متأكد. كنت خايف أظلمك، أو أظلم بنت تانية ممكن تكون عاشت عمرها كله بعيد عن أمها.

وبعدين بص لأليخاندرو وقال:
وأنا غلطت لما خليتك توعدني إنك تخبي عنها الحقيقة.

أليخاندرو قرب مني، لكنه ما حاولش يلمسني.

قال بصوت مكسور:
أنا اتجوزتك وأنا بحبك فعلًا يا ماريانا. لما اكتشفت إن فيه سر متعلق بماضيكي، كان المفروض أصارحك. لكن أبويا أقنعني إن السكوت هيحميكي، وأنا صدقته. ومع الوقت، خوفي من خسارتك خلاني أكمّل في الغلط.

بصيتله وقلت:
الحب مش معناه إنك تقرر عني أنا أستحق أعرف إيه وإيه لأ. إنت حرمتني من حقي أعرف نفسي.

نزل عينيه وقال:
عندك حق، وأنا مستعد أصلّح اللي أقدر عليه.

لكن كان فيه سؤال واحد لسه من غير إجابة.
مين أختي التوأم؟

بعد يومين، لوسيا طلبت مننا نتقابل في بيتها.

كانت قاعدة قدامنا، وحاطة على الترابيزة ملف فيه نتيجة تحليل الحمض النووي، وصورة حديثة لست في أوائل التلاتينات.

قالتلي:
دي بنتي اللي فضلت أدور عليها سنين طويلة. اسمها الحقيقي إيلينا مونتيرو، لكنها اتربّت باسم مختلف بعد ما اتنقلت من المستشفى.

بصيت للصورة.
ملامحها كانت قريبة مني بشكل يخوّف.
نفس العينين، ونفس شكل الأنف، وحتى العلامة الصغيرة اللي تحت الأذن.

لوسيا مسكت إيدي وقالت:
التحليل أكد إنكم توأم متطابق.

دموعي نزلت، وفضلت أبص للصورة.

طول عمري كنت فاكرة إن الوحدة اللي جوايا مجرد إحساس عادي، لكن دلوقتي عرفت إن فيه جزء من حكايتي كان غايب عني من أول يوم.

سألت لوسيا:
هي فين دلوقتي؟ تعرف إني موجودة؟

ابتسمت وسط دموعها وقالت:
هي اللي طلبت تشوفك.

وفجأة، جرس الباب رن.

لوسيا قامت وفتحت.

دخلت ست واقفة عند الباب، ولما عينيها وقعت عليّا، وقفت مكانها.

فضلنا باصين لبعض من غير كلام.

وبعدين قالت بصوت مرتعش:
ماريانا؟

وقفت وأنا بعيط.
إيلينا؟

جريت ناحيتي، ووقفنا قدام بعض، مش عارفين نبدأ منين ولا نقول إيه.

بعد كل السنين اللي ضاعت مننا، أخيرًا بقينا في نفس المكان.

إيلينا طلعت من شنطتها صورة قديمة لأمي إيزابيل، وقالت:
أنا عرفت الحقيقة من فترة قصيرة. ولما عرفت إنك عايشة، فضلت أدور عليكي. كنت عايزة أعرف ليه اتفرّقنا، وليه كل واحدة فينا عاشت عمرها وهي فاكرة إنها لوحدها.

حضنت إيدي بين إيديها، وكملت:
أنا مش جاية آخد منك حاجة يا ماريانا. لا اسمك، ولا بيتك، ولا حياتك. أنا جاية أرجّع الجزء اللي اتسرق من عمرنا إحنا الاتنين.

في اللحظة دي، حسيت إن كل الخوف اللي عشته بدأ يهدأ.

لكن الحقيقة كان لسه ليها حساب.

بعد أسابيع، التحقيقات كشفت إن فيكتور استغل ثقة ريكاردو، واحتفظ بمستندات قديمة كان المفروض تتسلّم للجهات المختصة. واتضح إن مانويل حاول فعلًا يكشف التلاعب في سجلات المستشفى، لكنه اضطر يختفي بعد ما اتعرض لضغوط شديدة.
الجهات المختصة قدرت توصل لأدلة تؤكد إن تغيير هويات الأطفال حصل عمدًا، وإن فيكتور أخفى جزءًا من المستندات عشان يمنع فتح القضية من جديد.

أما مانويل، فقد عثرنا على سجل رسمي قديم يثبت إنه غاب بعد سنوات من اختفائه، من غير ما يعرف إن بنتيه هيجتمعوا يومًا ما.

لما عرفت الخبر، بكيت عليه رغم إني ما لحقتش أعرفه.

كان نفسي أشوفه مرة واحدة، وأسأله ليه ما قدرش يرجعلي.

لكن بعض الإجابات بتيجي متأخرة، وبعض الخسارات ما بيتعوضش منها غير إننا نعرف الحقيقة.

ريكاردو بدأ حالته تستقر مع العلاج والرعاية، وبقى يتواصل معانا بالإشارات والكلمات البسيطة اللي قدر يستعيدها. ولأول مرة، ما بقاش مضطر يخبي دموعه أو خوفه عن حد.

أما أليخاندرو، فطلب مني فرصة نبدأ من جديد.

قلتله بوضوح:
أنا مش هقدر أنسى اللي حصل بسرعة. لو هنكمّل حياتنا سوا، لازم يبقى بينا صدق، حتى لو الحقيقة هتوجعنا.

وافق، وبدأنا نحاول نبني الثقة من الأول، خطوة بخطوة.

وبعد شهور، جمعتني أول عزومة عائلية بلوسيا وإيلينا وريكاردو وأليخاندرو.

كان فيه كرسي فاضي جنب لوسيا، حطت عليه صورة مانويل، وقالت وهي بتعيط:
يا ريت أبوكم كان معانا النهارده.

مسكت إيد إيلينا، وبصيت للصورة.

لأول مرة في حياتي، حسيت إن ماضيّا مش حفرة سودا لازم أخاف أبص جواها.
بقى حكاية أعرفها، حتى لو فيها وجع.

وقبل ما نمشي، رجعت لأوضة ريكاردو وساعدته يغيّر هدومه، زي ما كنت عملت أول مرة.

بصلي بابتسامة صغيرة، وحرّك صوابعه ناحية إيدي.

قلتله:
متقلقش يا عمي… مش هسيبك لوحدك تاني.

ضغط على إيدي برفق، ودموعه نزلت.

وفي اللحظة دي فهمت إن الرحمة اللي خلتني أدخل أوضته يومها، هي نفسها اللي فتحت باب الحقيقة اللي فضلت عيلتنا خايفة منها سنين.

أحيانًا، السر اللي بنخاف نكتشفه بيكون هو الطريق الوحيد اللي يرجّع لنا جزءًا ضايعًا من نفسنا.

أما أنا، فخرجت من الأوضة وأنا مش بس ماريانا لوبيز اللي دخلتها…
خرجت وأنا عارفة إن ليا أخت توأم، وإن عيلتي أكبر من اللي كنت أتخيله، وإن الحقيقة مهما اتأخرت، تفضل أرحم من العمر كله وهو مبني على كذبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى