منوعات

ابني بيؤمرني امسح السلم

كويسة، بس كنت عايزة أسألك سؤال. هو أحمد قال لك إن علينا أقساط كتير، وإن شغله مش مستقر اليومين دول؟
استغربت من السؤال وقلت
لا، ما قالش.
بدأت تشرح لي إنهم محتاجين مبلغ كبير يسددوا بيه التزامات البيت، وإنها كانت بتفكر تستلف من أهلها.
وبعدين سألتني
إنتي أكيد معاكي فلوس حوشتيها من زمان، صح؟
سكت لحظة، وبعدها قلت
أنا عندي اللي يكفيني يا نجلاء، لكن مش هقدر أتحمل مصاريف بيتكم.
اتغير صوتها
يعني إيه يا طنط؟ إنتي مش عايزة تساعدي ابنك؟
قلت بهدوء
أنا ساعدته طول عمري، لكن المساعدة مش معناها إني أكون مسؤولة عن كل مشكلة بتحصل في بيته.
قفلت المكالمة وأنا حاسة إن الموضوع مش هيقف عند كده.
وفعلًا، بعد يومين، أحمد جه لي تاني، وكان متوتر جدًا.
قال
أمي، أنا محتاج أتكلم معاكي في موضوع مهم.
قلت
خير يا أحمد؟
بص لي وقال
أنا عرفت إنك ورثتي فلوس من أبويا، وإن فيه استثمارات باسمه.
قلبي دق بسرعة، لكني حاولت أكون هادية.
سألته
مين قال لك كده؟
قال
خالتي سعاد عرفت من حد كان يعرف أبويا إن فيه مبلغ كبير.
قلت
أيوه يا أحمد، أبوك ساب لي ميراث.
سألني على طول
قد إيه؟
قلت
المبلغ يخصني يا أحمد، ومش هتكلم في تفاصيله.
بص لي وكأنه مش مصدق
يعني إنتي معاكي فلوس كتير وسايباني أنا غرقان في الأقساط؟
ساعتها فهمت إن اعتذاره لسه ما كانش كفاية، وإنه محتاج يراجع نفسه من جديد.
قلت له
إنت عرفت بالميراث إمتى؟
قال
من يومين.
سألته
وطب قبل ما تعرف، كنت بتعاملني إزاي؟
ما ردش.
قلت
أنا مش هعاقبك عشان ظروفك صعبة، لكن مش هقبل إنك تفتكر إن فلوسي حقك لمجرد إنك ابني.
اتعصب وقال
أنا ابنك الوحيد، ومن حقي أعرف!
رديت عليه
إنت ابني، وده شيء عمره ما هيتغير، لكن فلوسي مش ملكك، وأنا حرة أقرر أعمل بيها إيه.
قال
يعني مش هتساعديني؟
قلت
لو احتجت مساعدة في حاجة ضرورية، هسمعك ونشوف حل مناسب، لكن مش هدفع فلوسي عشان أفضل أشتري رضاك أو أضمن إنك تعاملني كويس.
وقف قدامي مش عارف يقول إيه، وبعدين قال بصوت مكسور
أنا عمري ما تخيلت إنك ممكن تبقي غنية بالشكل ده.
بصيت له وقلت
وأنا عمري ما تخيلت إن ابني ممكن يقيس قيمتي بالفلوس.
نزل عينه في الأرض، والمرة دي ما كانش عنده رد.
بعدها بدأت أرتب أموري المالية بعناية، وبعد ما استشرت المختصين، خصصت جزءًا من ثروتي لمشروع صغير يساعد الأمهات اللي ظروفهم صعبة، والستات الكبار اللي مالهمش حد يرعاهم.
ما كنتش عايزة أوزع فلوس وخلاص. كنت عايزة أساعد الستات يلاقوا شغل، ويتعلموا حرفة، ويقدروا يعيشوا بكرامة من غير ما يضطروا يستحملوا الإهانة عشان محتاجين.
وفي يوم افتتاح المشروع، فوجئت بأحمد داخل المكان ومعاه ولاده.
يوسف جري عليا وحضني
وحشتيني يا تيتة!
نزلت لمستواه وحضنته وبوسته
وإنت كمان وحشتني يا حبيبي.
أحمد وقف بعيد شوية، وبعدها قرب وقال
أنا جيت أشوف المكان اللي بتعمليه.
ابتسمت
أهلًا بيك يا أحمد.
بص حواليه، وشاف الستات اللي بيشاركوا في المشروع، والأطفال اللي بيلعبوا في الركن المخصص لهم.
سألني
إنتي بتعملي كل ده عشان تساعدي
الناس؟
قلت
أيوه يا ابني، لأن ربنا اداني فرصة أقدر أعمل بيها حاجة كويسة.
سكت شوية، وبعدين قال
أنا كنت فاكر إن الفلوس هي اللي بتدي الإنسان قيمته.
قلت له
الفلوس ممكن تريح الإنسان، لكنها مش هي اللي بتحدد قيمته. أبوك كان عنده استثمارات، لكنه عمره ما خلاني أحس إني أقل منه ولا مرة. الثروة الحقيقية مش إنك تملك تلاتين مليون دولار يا أحمد، الثروة الحقيقية إن الناس تفتكرك بالخير، وإن اللي حواليك يحسوا بالأمان معاك.
عينيه دمعت وقال
أنا فهمت متأخر يا أمي.
قلت
المهم إنك فهمت قبل ما يضيع كل شيء.
ومن اليوم ده، أحمد بدأ يتغير فعلًا. ما بقاش يتصل بيا عشان يطلب مني أروح أساعده في البيت. بقى يزورني ويسألني عن صحتي، وبدأ هو ونجلاء يقسموا مسؤوليات البيت بينهم بدل ما يعتمدوا عليا.
ما بقيتش أروح بيتهم كل يوم، لكن كنت أزور أحفادي وأقضي معاهم وقت جميل.
وفي مرة، كنت قاعدة مع أحمد في بلكونة شقتي الجديدة، وهو بيشرب الشاي، بص لي وقال
أمي، ممكن أسألك سؤال؟
قلت
اتفضل.
قال
إنتي عمرك فكرتي تنتقمي مني بعد اللي عملته فيكي؟
ابتسمت وقلت
فكرت أعيش لنفسي يا أحمد، وده كان كفاية.
سألني
يعني مش هتفضلي زعلانة مني؟
قلت
أنا مش هنسى اللي حصل، لكن مش هخلي اللي حصل يمنعني أحبك. بس الحب مش معناه إنك تسمح لحد يكسرك، حتى لو كان أقرب الناس ليك.
مسك إيدي وباسها وقال
حقك عليا يا أمي.
بصيت للسما وافتكرت محمود. حسيت إنه لو كان موجود، كان هيفرح إني أخيرًا عرفت أعيش من غير خوف، ومن غير ما أتنازل عن كرامتي.
الميراث اللي سابهولي جوزي ما كانش مجرد تلاتين مليون دولار، كان فرصة أبدأ من جديد، وأفهم إن الإنسان ممكن يفضل يحب عيلته من غير ما يضيع نفسه عشانهم.
ومن يومها بقيت أعيش حياتي زي ما كنت بحلم. أصحى الصبح أعمل قهوتي، وأقعد في البلكونة، وأزور الناس اللي بحبهم، وأساعد اللي محتاج مساعدة من غير ما أحس إن حد بيستغلني.
أما أحمد، فبقى ييجي لي كل أسبوع ومعاه أولاده، وفي كل مرة يدخل بيتي، كان أول حاجة يقولها
صباح الخير يا أمي، عاملة إيه النهارده؟
وكنت أبتسم وأرد
الحمد لله يا حبيبي.
لأن الكلمة البسيطة اللي كنت مستنياها منه سنين طويلة، بقت أخيرًا جزءًا من حياتنا.
والدرس اللي اتعلمته بعد كل اللي حصل، إن الأم مش مطالبة تثبت حبها لأولادها بالتضحية براحتها وكرامتها طول العمر. وإن الفلوس ممكن تشتري بيت كبير، لكن الاحترام هو اللي بيخلي البيت يستحق إننا نعيش فيه.
تمت الحكاية. صابرين_محمد

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى