روايات وقصص

يخت وسط البحر

ربطوا زميلتهم الفقيرة في يخت وجرّوها وسط البحر بالليل وهما بيضحكوا وبيصوّروها، لكن لما الحبل فَضِي من إيديهم واختفت تحت الميه، اكتشفوا إنهم ارتكبوا غلطة هتأثر على حياتهم بشكل كبير!

إيه يا بنت الفقرا، عاجبك مشوار اليخت بتاع الأغنيا؟!

دي كانت آخر جملة سمعتها مريم بوضوح قبل ما موجة ضخمة تضرب وشّها، وتغرقها تحت سطح الميه الباردة. كانت رجليها مربوطتين بحبل سميك، وجسمها بيتسحب ورا يخت فاخر بيشقّ عتمة البحر، بينما شابين من أغنى طلاب الجامعة واقفين على سطحه، بيضحكوا وبيصوّروها بالموبايل كأنهم بيتفرجوا على لعبة مسلية!

بُصّ على وشّها! يا نهار أبيض، دي هتعيّط بجد!

ارفع راسك يا مريم! خليكي معانا، لسه الجولة مخلصتش!

كانت بتحاول ترفع راسها علشان تاخد نفس، لكن الميه كانت بتدخل بقها ومناخيرها، وشعرها المبلول بيلزق على وشّها، وكل موجة كانت بتسحب منها جزء من قوتها.

صرخت وهي بتقاوم:

الحقوني! والنبي أنا مش قادرة! طلّعوني من الميه!

لكن محدش مدّ لها إيده.

واحد منهم قرّب الموبايل أكتر من سطح البحر، وهو بيضحك ويقول:

يا جماعة، بصّوا على الرحلة المجانية اللي عاملينها لبنت الغلابة!

كانوا فاكرين إنهم بيعملوا مقلب هيضحكوا عليه تاني يوم مع أصحابهم، وإن فلوس أهلهم ونفوذهم كفاية علشان يخرجوا من أي مشكلة مهما كانت.

لكن اللي ماكانوش يعرفوه إن اللحظات اللي كانوا بيسجلوها بإيديهم، واللي افتكروها دليل على قوتهم، هتتحول بعد ساعات إلى أخطر دليل ضدهم.

والأخطر من كده؟

إن مريم ماكنتش أول متضررة منهم، وإن فيه سرّ مخيف كان مستخبي ورا شهور من الإهانات والضغوط، سرّ ماكانش حد في الجامعة يجرؤ يتكلم عنه.

لكن علشان نفهم إزاي بنت هادية وفقيرة وصلت للحظة اللي بقت فيها على بُعد ثواني من الخطر، لازم نرجع لبداية الحكاية لليوم اللي دخلت فيه الجامعة وهي فاكرة إن تفوقها هيكون طريقها لحياة أفضل، من غير ما تعرف إن فيه ناس هتعتبر نجاحها إهانة ليهم!

الفصل الأول: البنت اللي دخلت عالم الأغنيا من غير ما يكون معاها فلوس

مريم كانت عندها تسعتاشر سنة، بنت بسيطة اتربّت في بيت صغير في حي شعبي، مع أمها سعاد، الست اللي قضت عمرها كله بتشتغل في الخياطة علشان تقدر تصرف على بنتها وتوفّر لها حياة أحسن من الحياة اللي عاشتها.

أبو مريم توفي وهي لسه صغيرة، وساب لهم شقة متواضعة وذكريات كتير وديون ماكانوش عارفين يخلصوا منها. ومن وقتها، سعاد قررت إنها هتعمل المستحيل علشان بنتها ماتحسش إنها أقل من أي حد.

كانت بتصحى كل يوم قبل الفجر، تفتح ماكينة الخياطة القديمة، وتفضل شغالة لحد نص الليل. ساعات كانت بتنام على الكنبة من التعب، وإبر الخياطة لسه جنب إيديها، علشان تخلّص طلبات الزباين قبل مواعيدها.

ومريم كانت شايفة كل ده.

علشان كده، من وهي صغيرة، قررت إنها مش هتضيّع تعب أمها.

كانت من أشطر الطالبات في المدرسة، بتذاكر تحت نور لمبة ضعيفة، وتستعير الكتب اللي مش قادرة تشتريها، وتحلّ امتحانات السنين اللي فاتت بدل ما تضيّع فلوس في الدروس الخصوصية.

ولما ظهرت نتيجة الثانوية العامة، جابت مجموع أهلها نفسهم ماكانوش متخيلين إنها تجيبه.

وبعد شهور من التقديم والاختبارات، جالها خطاب قبول من واحدة من أرقى الجامعات الخاصة في البلد، ومعاه منحة دراسية كاملة بسبب تفوقها.

يومها، أمها حضنتها وعيطت من الفرحة.

وقالت لها:

شايفة يا بنتي؟ التعب عمره ما بيروح هدر. إنتِ هتوصلي لمكان محدش يقدر يقولك فيه إنك أقل من حد.

مريم ابتسمت ومسحت دموع أمها.

أنا مش عايزة أبقى أحسن من حد يا ماما. أنا بس عايزة أعيش من غير ما أحس إني عبء على حد.

كانت فاكرة إن الجامعة هتكون بداية جديدة، وإنها أخيرًا هتقدر تثبت نفسها بعقلها واجتهادها.

لكن أول يوم دخلت فيه الحرم الجامعي، اكتشفت إنها دخلت عالم مختلف تمامًا.

عربيات فارهة قدام البوابة، ساعات غالية في إيد الطلبة، شنط ماركات عالمية، وكلام عن سفر ومطاعم ومنتجعات، كأن كل ده حاجات عادية موجودة في حياة أي إنسان.

أما هي، فكانت بتيجي الجامعة بأتوبيسين، شايلة شنطتها القديمة، ولابسة هدوم نظيفة وبسيطة، اختارتها بعناية علشان تفضل محافظة على شكلها رغم إمكانياتها المحدودة.

في البداية، حاولت تتعامل مع الكل باحترام.

كانت بتساعد زملاءها في المحاضرات، وتشرح للّي مش فاهم، وتشارك في المشروعات الجماعية، من غير ما تطلب مقابل.

لكنها اكتشفت بسرعة إن فيه ناس مش بتقيس قيمة الإنسان بأخلاقه أو علمه، لكنها بتقيسها باسم عيلته وسعر عربيته.

وكان أول شخص قرر يحوّل حياتها لضغط كبير هو آدم الشناوي.

آدم كان ابن رجل أعمال معروف عنده شركات وعقارات واستثمارات ضخمة. شاب عنده عشرين سنة، وسيم، واثق في نفسه لدرجة الغرور، ومتعود إن الناس تضحك على كلامه حتى لو ماكانش مضحك.

كان بيعتقد إن الفلوس بتديله الحق إنه يتحكم في اللي حواليه، وإن أي شخص مش من مستواه الاجتماعي موجود علشان يتسلى عليه.

أما صاحبه كريم، فكان نسخة أضعف منه، لكنه أشد خطورة في حاجة واحدة: كان مستعد يعمل أي حاجة علشان يفضل قريب من آدم، حتى لو ده معناه إنه يهين إنسان بريء.

في أول أسبوع دراسي، لاحظ آدم إن مريم قاعدة لوحدها في الكافيتيريا، بتاكل ساندوتش جبنة جايباه من البيت، وبتراجع محاضراتها.

قرب منها، وبصّ على أكلها، وسألها بصوت عالي:

هو إنتِ مش بتاكلي من الكافيتيريا ليه؟

مريم رفعت عينيها وقالت بهدوء:

بحب أكل البيت.

ضحك آدم:

آه، أصل الأكل هنا غالي، صح؟

كريم ضحك معاه، وبعض الطلبة بصّوا ناحيتهم.

مريم لمّت حاجتها وقالت:

لو سمحت، أنا عايزة أكمل مذاكرتي.

لكن آدم ماكانش متعود إن حد ينهي كلامه بالشكل ده.

قال لها:

إنتِ عارفة أنا بسألك ليه؟ علشان غريبة أوي. أول مرة أشوف حد داخل جامعة بالشكل ده.

مريم ما ردتش، وقامت ومشيت.

من اليوم ده، قرر آدم إنها هتبقى وسيلة تسليته المفضلة.

الفصل الثاني: شهور من الإهانة والصمت

في البداية، كانت الحكاية مجرد تعليقات سخيفة.

آدم يسألها إذا كانت ركبت عربية قبل كده، وكريم يقلّد طريقتها في الكلام، أو يسألها إذا كانت أمها بتخيط لهم هدومهم في البيت.

لكن بعد فترة، الموضوع اتطور.

في يوم، دخلت مريم المحاضرة، واكتشفت إن صورتها وهي نايمة على الكتاب في المكتبة اتنشرت في جروب الدفعة، وتحتها تعليق:

لما تكون المنحة آخر أمل ليك علشان تدخل عالم الكبار.

الصورة كانت متاخدة من غير علمها.

وفي يوم تاني، لقت شنطتها مستخبية في الحمام، ولما سألت زملاءها عنها، كريم طلعها من ورا ضهره وهو بيضحك:

إحنا كنا بنشوف هتعملي إيه لو ضاعت منك أغلى حاجة عندك.

مريم أخدت الشنطة ومشيت من غير ما تقول كلمة.

لكنها رجعت البيت اليوم ده وعيطت لأول مرة قدام أمها.

سعاد قلقت عليها وسألتها:

مالك يا حبيبتي؟ حد زعلك؟

مريم حاولت تبتسم:

مفيش يا ماما، أنا بس تعبانة شوية.

ماكنتش عايزة تحكي لها، لأنها عارفة إن أمها هتتوجع، وإنها مش هتقدر تعمل حاجة غير إنها تزعل.

وكمان كانت خايفة من حاجة تانية.

المنحة كانت مشروطة بتفوقها والتزامها، وكانت الجامعة بالنسبة لها الفرصة الوحيدة علشان تتخرج وتشتغل في وظيفة محترمة وتغيّر حياتها وحياة أمها.

ماكانتش عايزة أي مشكلة تضيّع منها كل ده.

لكن آدم وكريم فهموا سكوتها بطريقة مختلفة.

افتكروا إنها خايفة منهم، وإنهم يقدروا يعملوا فيها أي حاجة من غير ما تقدر ترد.

وفي مرة، أثناء مشروع جماعي، آدم رفض يسمع رأيها، ولما الدكتور اختار فكرتها لأنها كانت الأفضل، خرج من المحاضرة وهو غضبان.

كريم سأله:

إنت مضايق ليه؟ ما إحنا خدنا الدرجة كاملة.

رد آدم بعصبية:

علشان مش معقول واحدة زي دي تبقى أشطر مني قدام الدكتور! فاكرة نفسها مين؟

كريم ضحك وقال:

كبر دماغك، دي كام شهر وهتزهق وتمشي.

لكن آدم ماكانش عايزها تمشي وخلاص.

كان عايزها تعترف، قدام الكل، إنها أقل منهم.

وفي مساء يوم خميس، وهو قاعد مع كريم في أحد المطاعم الفاخرة، جت له فكرة اعتبرها وقتها أذكى مقلب عمله في حياته.

بصّ لصاحبه وقال:

إيه رأيك نعزم مريم على اليخت؟

كريم رفع حاجبه:

مريم؟ وإيه اللي هيجيبها عندنا؟

آدم ابتسم ابتسامة باردة:

هنقول لها إننا آسفين، وإننا عايزين نصلّح اللي حصل. هنخليها تصدق إننا اتغيرنا، ولما نبعد عن الشاطئ، هنعرفها مقامها الحقيقي.

كريم سكت لحظة، وبعدها ضحك:

إنت مجنون! بس تخيل شكلها وهي بتترجانا نرجّعها!

آدم رفع كوباية العصير وقال:

استعد لأحلى فيديو في حياتنا.

ماكانش أي واحد فيهم بيفكر في إنسانة ممكن تتعرض لخطر كبير.

كانوا بيفكروا في فيديو يضحّك أصحابهم.

وفي اللحظة دي، بدأوا يرتبوا لليلة اللي هتغيّر حياتهم للأبد.

الفصل الثالث: الدعوة اللي كانت فخ

بعد يومين، استنوا مريم عند بوابة الجامعة.

آدم قرب منها، وعلى وشه ابتسامة هادية عمرها ما شافتها منه قبل كده:

مريم، ممكن نتكلم معاكي دقيقة؟

بصّت له بحذر:

في إيه؟

قال لها:

أنا عارف إننا ضايقناكي الفترة اللي فاتت، ويمكن هزارنا كان تقيل. بس بصراحة، أنا فكرت في الموضوع، وحسيت إننا غلطنا في حقك.

كريم دخل في الكلام بسرعة:

والله يا مريم، إحنا مش عايزينك تفضلي شايلة مننا. إحنا كلنا زمايل، والمفروض نبقى أصحاب.

مريم فضلت ساكتة.

جزء منها كان عايز يصدق إنهم ممكن يتغيروا، وجزء تاني كان بيقول لها إنها لازم تبعد عنهم.

آدم كمل:

إحنا عاملين سهرة صغيرة على اليخت بتاع والدي الليلة. مفيش ناس كتير، مجرد قعدة ومزيكا وأكل. تعالي، ونبدأ صفحة جديدة.

مريم رفضت في البداية.

لكنهم فضلوا يعتذروا، وأكدوا لها إنهم مش هيضايقوها تاني.

وفي الآخر، وافقت بشرط إنها ما تتأخرش، لأنها وعدت أمها إنها هترجع بدري.

لما رجعت البيت، حكت لأمها إن زملاءها عزموها على سهرة بسيطة.

سعاد سألتها:

وإنتِ مرتاحة لهم يا بنتي؟

مريم ابتسمت:

مش أوي، بس يمكن يكونوا فعلًا فهموا إنهم غلطوا. أنا مش عايزة أفضل طول عمري شايلة من الناس.

أمها مسكت إيدها وقالت:

المسامحة حاجة حلوة يا حبيبتي، بس خلي بالك. مش كل حد بيعتذر بيكون ندمان.

الجملة دي فضلت ترن في ودن مريم وهي بتجهز نفسها.

لبست فستانًا بسيطًا بلون أزرق فاتح، ولمّت شعرها، وأخدت موبايلها، وخرجت وهي بتتمنى إن الليلة دي تكون بداية نهاية المشاكل.

لكنها ماكنتش تعرف إن أمها كانت آخر شخص نصحها قبل ما تدخل أخطر تجربة في حياتها.

وصلت الميناء بعد المغرب.

كان اليخت كبيرًا وفاخرًا، وأضواءه منعكسة على الميه. آدم كان واقف عند المدخل، وكريم جنبه.

قال آدم:

أهلًا بأميرة الجامعة! اتفضلي.

مريم ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها لاحظت إن مفيش حد غيرهم.

سألت:

هو فين باقي الناس؟

رد كريم بسرعة:

لسه هييجوا. فيه ناس هتوصل بمركب تانية.

مريم بصّت حواليها، وبعدها سألت:

طب ينفع أستنى هنا لحد ما يوصلوا؟

آدم ضحك وقال:

إنتِ لسه مش واثقة فينا؟ ما إحنا اعتذرنا لك!

شعرت مريم بالإحراج، فطلعت على اليخت.

في البداية، كل شيء كان هاديًا.

شغّلوا الموسيقى، وقدّموا لها أكلًا ومشروبات، واتكلموا عن الجامعة والدكاترة. ولأول مرة من شهور، ماكانوش بيهينوها ولا بيسخروا منها.

لكن كل ما اليخت كان بيبعد عن الميناء، كانت مريم بتحس بقلق مش قادرة تفسّره.

بعد فترة، بصّت ناحية الشاطئ، فلاحظت إنه بقى بعيد جدًا.

سألت:

هو إحنا رايحين فين بالظبط؟

آدم ردّ وهو بيبصّ لموبايله:

بناخد لفة بس. متقلقيش.

مريم قامت من مكانها:

أنا عايزة أرجع. قلت لأمي إني هرجع بدري.

في اللحظة دي، آدم رفع عينيه وبصّ لكريم.

كانت نظرة صغيرة، لكنها كانت كفاية علشان مريم تفهم إن فيه حاجة غلط.

كريم قفل الموسيقى.

آدم قام ببطء، وابتسامته اختفت تمامًا.

وقال:

إيه يا مريم؟ هو إحنا لسه بدأنا السهرة!

ردّت وهي بتتراجع:

أنا مش مرتاحة. رجّعوني للميناء، لو سمحتوا.

آدم ضحك:

دلوقتي بقى مش مرتاحة؟ لما كنا بنعتذر لك كنتِ مبسوطة أوي!

مريم بصّت له بصدمة:

يعني إيه؟

كريم طلع حبلًا سميكًا من صندوق قريب، وفي إيده التانية كان ماسك الموبايل.

في اللحظة دي، فهمت مريم إن الاعتذار كله كان كذب، وإن الدعوة ماكانتش غير فخ.

صرخت:

إنتوا بتعملوا إيه؟!

حاولت تجري ناحية باب اليخت، لكن آدم وقف في طريقها.

قال لها:

ولا حاجة، هنعلّمك بس شوية أدب.

الفصل الرابع: الرحلة المجانية للفقراء

مريم حاولت تدافع عن نفسها، وصرخت بأعلى صوتها، لكن صوتها ضاع وسط صوت المحرك والموج.

سيبوني! أنا هبلّغ عنكم!

كريم ضحك وهو بيشغّل الكاميرا:

سمعت يا آدم؟ هتبلّغ عننا! طب ما تصوّر لنا الاعتراف ده كمان!

آدم أمسكها بقوة، وبعد مقاومة قصيرة، تمكنوا من تقييد رجليها بالحبل.

مريم كانت بتعيط وبتترجاهم:

والنبي، أنا معملتلكمش حاجة! أنا عمري ما أذيتكم! ليه بتعملوا فيا كده؟

آدم ردّ ببرود:

علشان تفهمي إنك مش زيّنا، وإن مش كل حاجة بتاخديها بالدرجات.

وبعدها، دفعوها إلى الميه.

شهقت مريم من شدة البرد، وحاولت تتشبث بحافة اليخت، لكنهم أبعدوا إيديها وبدأوا يسحبوها بالحبل خلفهم.

في البداية، كانت الميه هادية نسبيًا، فحاولت توازن جسمها وتتنفس.

لكن اليخت بدأ يتحرك، والموج ارتفع، وكل مرة كانت بتحاول ترفع رأسها، كانت موجة تضربها في وشّها.

آدم كان بيضحك، وكريم بيوجّه الموبايل ناحيتها.

بصي هنا يا مريم! ابتسمي للكاميرا!

صرخت:

وقّفوا! أنا مش قادرة!

كريم ردّ:

لسه بدري! دي رحلة خمس نجوم!

ومع مرور الوقت، بدأ القلق يتحول إلى خوف حقيقي.

مريم ماعادتش قادرة تسيطر على حركتها. الحبل كان بيشد رجليها، والمياه بتدخل فمها كل ما حاولت تاخد نفسًا.

كانت بتحاول تفتكر كلام أمها، ووشّها، وصوتها وهي بتقول لها إنها لازم ترجع بدري.

كانت عايزة تعيش.

عايزة ترجع بيتها.

عايزة تحضن أمها وتقول لها إنها كانت صح لما حذّرتها.

صرخت مرة تانية:

آدم! أرجوك! أنا في خطر!

للحظة، كريم بصّ لصاحبه، وابتسامته اختفت.

آدم، كفاية بقى. شكلها تعبت فعلًا.

آدم ردّ بعصبية:

إنت هتبوّظ الفيديو دلوقتي؟ دي بتمثّل علشان نخاف!

لكن مريم ماكانتش بتمثّل.

حركتها بدأت تبطأ، وصرخاتها بقت متقطعة، وبعد كل محاولة لرفع رأسها كانت بتختفي تحت الميه لثوانٍ أطول.

كريم قرب الموبايل منها، لكن إيده بدأت ترتعش.

مريم! ارفعي راسك!

مافيش رد.

آدم بصّ ناحية الحبل وقال:

استنى شوية، هنطلعها.

وبعدها، فجأة، حصل اللي ماكانوش متوقعينه.

الحبل ارتخى مرة واحدة.

آدم حسّ بيه في إيده، فشدّه بسرعة:

إيه ده؟!

كريم جري ناحيته وساعده يسحب الحبل.

طلع الحبل من الميه، لكن مريم ماكانتش متعلقة بيه.

كان الطرف الآخر حرًا.

مريم اختفت.

الفصل الخامس: اختفت تحت الميه!

لثوانٍ، الاتنين وقفوا مكانهم مش قادرين يستوعبوا اللي حصل.

كريم بصّ للحبل، وبعدها بصّ للبحر:

هي راحت فين؟!

آدم صرخ:

شغّل الكشافات! بسرعة!

جروا في كل اتجاه، ووجّهوا أضواء اليخت ناحية الميه. كريم كان بينادي باسمها، وآدم بيحاول يبصّ وسط الأمواج.

مريم! مريم! إنتِ فين؟!

لكن البحر كان مظلمًا، والموج بيتحرك في كل اتجاه.

عدّت دقيقة.

وبعدين دقيقتين.

ولا أثر لمريم.

كريم بدأ ينهار:

إحنا عملنا إيه؟! هي ممكن تكون في خطر كبير!

آدم حاول يتمالك نفسه:

اسكت! هي أكيد طلعت بعيد شوية. هنلاقيها.

بعيد إيه؟! رجليها كانت مربوطة!

آدم بصّ له بعصبية:

قولت لك اسكت!

لكن صوته كان بيترعش.

لأول مرة في حياته، حسّ إن الفلوس اللي طول عمره اعتمد عليها مش هتقدر تنقذه بسهولة.

لو مريم تعرضت لخطر كبير، الموضوع مش هيكون مجرد شكوى في الجامعة. هيكون فيه تحقيق، وأسئلة، وشهود، وفيديو ممكن يوصل لأي حد.

وفجأة، كريم افتكر الموبايل.

بصّ للشاشة، ووشّه اتغيّر:

آدم!

إيه؟

إنت كنت بتصوّر ولا عامل بث مباشر؟

آدم خطف الموبايل من إيده.

الشاشة كانت لسه مفتوحة، وعليها إشعار واضح إن البث المباشر انتهى بعد ما الاتصال انقطع للحظات.

آدم فتح التطبيق بسرعة، وبدأ يدور على التسجيل.

وفي اللحظة دي، حسّ إن الأرض بتنسحب من تحت رجليه.

البث ماكانش اتبعت لشخص واحد.

كان فيه عشرات من طلبة الجامعة بيتفرجوا.

وفي التعليقات، كانت الرسائل بتظهر واحدة ورا التانية:

إنتوا مجانين؟ طلّعوها من الميه!

دي مش لعبة! هي في خطر!

أنا بلغت الشرطة!

معايا تسجيل كامل لكل اللي حصل!

كريم مسك رأسه بإيديه:

إحنا اتفضحنا! إحنا انتهينا!

آدم حاول يقنع نفسه إنهم لسه يقدروا يصلحوا الموضوع:

هنقول إنه كان مقلب، وإنها هي اللي نزلت الميه بمزاجها.

كريم بصّ له بذهول:

إنت بتتكلم بجد؟ الناس شافت كل حاجة!

لكن آدم ماكانش بيسمع.

كان بيفكر في أبوه، وفي الصحافة، وفي الجامعة، وفي الاسم اللي طول عمره بيستخدمه علشان يفتح له كل الأبواب.

وفجأة، ظهرت أضواء قوية في الأفق.

مركب إنقاذ كانت بتقترب بسرعة.

آدم جري ناحية مقدمة اليخت:

يمكن يكونوا جايين علشانها!

لكن قبل ما يكمّل كلامه، سمع صوت مكبر صوت بيطلب منهم إيقاف المحرك والاستعداد للتعاون مع فرق الإنقاذ.

في اللحظة دي، كريم وقع على أقرب كرسي، وبدأ يبكي.

أما آدم، فوقف جامد مكانه.

لأن الحقيقة كانت واضحة قدامه.

الليلة اللي بدأها علشان يذلّ بنت فقيرة قدام الكاميرا، بقت ليلة ممكن يخسر فيها حريته ومستقبله وكل حاجة كان فاكر إنه يملكها.

الفصل السادس: النجاة في آخر لحظة

في نفس الوقت، كانت مريم بتحاول تفضل واعية وسط الميه.

لما الحبل ارتخى، كانت قد فقدت معظم قوتها، لكنها تمكنت في لحظة أخيرة من تخليص رجليها من الرباط بعدما ارتخى جزء منه مع حركتها المضطربة.

لكنها ماقدرتش تسبح ناحية الشاطئ.

كانت الأمواج بتبعدها عن اليخت، وجسمها بقى تقيلًا، وكل ما تحاول تتحرك تحس إن الميه بتسحبها لتحت.

افتكرت أمها.

افتكرت إيدها وهي بتخيط هدوم الزباين، ووشّها وهي بتبتسم يوم ما جالها خطاب المنحة.

وهمست بصوت بالكاد خرج من حلقها:

يا رب مش قبل ما أشوف ماما تاني.

حاولت تطفو على سطح الميه، وتقاوم إنها تفقد وعيها.

كانت أضواء بعيدة بتتحرك، لكنها مش عارفة إذا كانت حقيقية ولا مجرد خيالات من شدة التعب.

وفجأة، سمعت صوتًا بعيدًا:

هناك! شفت حركة في الميه!

كان أحد أفراد الإنقاذ قد لمحها وسط الأمواج.

المركب غيّرت اتجاهها، وأحد المنقذين جهّز معدات الإنقاذ، بينما زميله كان بيوجّه الكشاف ناحية المكان اللي ظهرت فيه مريم.

وصلوا إليها بعد دقائق بدت بالنسبة لها كأنها ساعات.

كانت شبه فاقدة للوعي، ومش قادرة تمسك في أي حاجة، فاضطر المنقذون يسحبوها بحذر إلى المركب.

أحدهم نادى على زملائه:

عندنا حالة محتاجة مساعدة طبية فورًا!

بدأوا يقدّموا لها الإسعافات الأولية، ويتابعوا تنفسها وحالتها، لحد ما وصلت إلى درجة تسمح بنقلها إلى المستشفى.

وفي اللحظة اللي فتح فيها أحد المنقذين جهاز الاتصال علشان يبلغ عن حالتها، سمع صوت زميله بيقول:

الحمد لله، لقيناها. البنت عايشة.

أما على اليخت، فلما شاف آدم وكريم فريق الإنقاذ بيرجع بمريم، حسّوا براحة مؤقتة.

كريم قال وهو بيبكي:

الحمد لله إنها عايشة! الحمد لله.

آدم أخد نفسًا طويلًا.

وبدأ يقنع نفسه إن أسوأ حاجة عدّت، وإنهم يقدروا يقولوا إنهم ماكانوش يقصدوا يأذوها.

لكنهم ماكانوش يعرفوا إن مريم، وهي بين إيدين المنقذين، ماكانتش الحاجة الوحيدة اللي اتنقذت في الليلة دي.

كان فيه كمان تسجيل كامل لكل اللي عملوه.

وتسجيلهم ده كان على وشك يفتح بابًا محدش في الجامعة كان متخيّل إنه هيتفتح.

الفصل السابع: الفيديو اللي فضح أولاد الأكابر

وصلت مريم لمستشفى، وكانت حالتها محتاجة متابعة طبية عاجلة بسبب تعرضها للغرق والإجهاد الشديد.

فضلت تحت الملاحظة، وأمها سعاد وصلت بعد ما اتصلوا بها من المستشفى.

لما شافت بنتها على السرير، ووشّها الشاحب، وشعرها المبلول، والأجهزة الطبية حواليها، حسّت إن قلبها بيتقطع.

قربت منها، ومسكت إيدها، وقالت وهي بتتبكي:

مريم يا حبيبتي، افتحي عينيكي. أنا هنا. أنا جنبك.

مريم فتحت عينيها بصعوبة.

أول ما شافت أمها، دموعها نزلت:

ماما أنا آسفة.

سعاد هزّت رأسها، وحضنتها بحذر:

آسفة على إيه يا بنتي؟ إنتِ عملتي إيه علشان تعتذري؟

مريم انفجرت في البكاء:

أنا كان لازم أسمع كلامك! كان لازم ما أروحش!

سعاد مسحت على شعرها وقالت:

إنتِ ما غلطتيش إنك وثقتي في الناس. الغلط في اللي استغلوا ثقتك علشان يأذوكي.

الجملة دي فضلت في قلب مريم.

لأول مرة، فهمت إن طيبتها مش عيب، وإن اللي حصل مش ذنبها.

وفي صباح اليوم التالي، صحيت على صوت الممرضة وهي بتسألها إذا كانت تقدر تستقبل ضابط علشان يدون أقوالها.

قبل ما تبدأ تتكلم، عرفت من أمها إن الفيديو انتشر على الإنترنت.

طلبة الجامعة كانوا بيتداولوا التسجيل، والناس بدأت تتعرف على الشابين، وتربط بين اللي حصل وبين شهور من التنمر اللي كانت مريم بتتعرض له.

الجامعة أعلنت فتح تحقيق عاجل، والشرطة بدأت تجمع الأدلة وتستمع إلى الشهود.

أما آدم، فكان في بيت أهله، وأبوه بيتحرك بين اتصالات ومحامين، محاولًا احتواء المشكلة.

أول ما شاف ابنه، سأله بغضب:

إنت فاهم إنت عملت إيه؟!

آدم حاول يدافع عن نفسه:

يا بابا، والله كان هزار! إحنا ماكناش عايزين نعرضها لخطر!

أبوه ردّ:

هزار؟! إنت فاكر إن كلمة هزار هتخلّصك من كل ده؟ الفيديو قدام الناس كلها!

كريم كان في بيته، وأهله بيحاولوا يعرفوا إذا كان فيه طريقة لحذف التسجيلات، لكن كل ما فيديو يتشال، كانت تظهر نسخ تانية.

والأسوأ إن زملاءهم بدأوا يتكلموا.

طالبة قالت إن آدم كان بيهينها باستمرار.

طالب تاني كشف إن كريم ضغط عليه قبل كده علشان ما يشتكيش من الغش في مشروع جماعي.

وشخص ثالث قدّم رسائل قديمة فيها سخرية وضغوط.

بدأت تظهر صورة مختلفة تمامًا عن الشابين اللي كانوا طول الوقت بيقدّموا نفسهم باعتبارهم طلابًا محترمين من عائلات مرموقة.

اتضح إنهم كانوا بيستخدموا نفوذهم وفلوسهم علشان يخوفوا أي شخص يعترض عليهم.

وكانت مريم واحدة من ناس كتير سكتوا خوفًا من العواقب.

لكن المرة دي، حد قرر يتكلم.

الفصل الثامن: لما الفلوس ماقدرتش تشتري السكوت

بعد أيام قليلة، حاول والد آدم يتواصل مع أسرة مريم.

بعت محاميًا يتكلم عن التعويض، والعلاج، وأي مصاريف تحتاجها الأسرة.

لكن سعاد رفضت المقابلة.

قالت للمحامي:

بنتي مش سلعة علشان تدفعوا تمن اللي حصل لها. إحنا مش طالبين منكم فلوس. إحنا عايزين حقها.

المحامي حاول يشرح لها إن الموضوع ممكن يتسوى بعيدًا عن المحاكم، وإن ده أفضل للجميع.

لكن سعاد ردّت بحزم:

الأفضل لمين؟ لابنيكم علشان يفضلوا يأذوا الناس؟ ولا لبنتي اللي كانت ممكن تتعرض لخطر كبير في البحر؟

ماعرفش يرد.

وبعدها، حاول آدم بنفسه يبعت رسالة لمريم.

كتب لها إنه ندمان، وإنه ماكانش متوقع إن الأمور توصل لكده، وإنه مستعد يعتذر قدام الجامعة كلها.

مريم قرأت الرسالة، لكنها ما ردتش.

كانت لسه بتتعافى جسديًا ونفسيًا، وماكانتش مستعدة تسمع تبريرات الشخص اللي تعمّد يخوّفها ويعرّض حياتها للخطر.

بعد يومين، وصلت لها رسالة تانية من كريم.

قال فيها إنه كان ضعيف الشخصية، وإنه كان بيضحك على تصرفات آدم علشان ما يخسرش صداقته، وإنه كان المفروض يوقفه من البداية.

مريم قفلت الموبايل.

ماكانتش عايزة تقرر إذا كانت هتسامحهم أو لأ.

كل اللي كانت عايزاه إنها ترجع تقف على رجليها، وتكمّل حياتها من غير خوف.

لكن التحقيق كان لسه مخبّي مفاجأة أخطر.

لما المحققون راجعوا التسجيل الكامل للبث المباشر، لاحظوا إن فيه جزءًا من الحوار قبل ما مريم تنزل الميه ماكانش واضحًا في المقاطع القصيرة اللي انتشرت على الإنترنت.

طلبوا النسخة الأصلية، وراجعوا الصوت والصورة بدقة.

وفي لحظة معينة، قبل ما آدم وكريم يربطوا رجلي مريم، ظهر آدم وهو بيقول لصاحبه بصوت منخفض:

بس افتكر اللي اتفقنا عليه. لو ماقدرتش تطلع، هنقول إنها نطّت بنفسها.

كريم ردّ بتردد:

إنت بتتكلم بجد؟

آدم قال:

ما تقلقش. محدش هيقدر يثبت علينا حاجة.

المحقق وقف التسجيل، ورجع شغّله تاني.

ثم أعاد المقطع مرة ثالثة.

الكلام ده غيّر نظرة التحقيق إلى الواقعة بالكامل؛ لأنه أظهر إن الشابين ناقشوا مسبقًا احتمال إن مريم ما تقدرش تنجو، وإنهم فكّروا في رواية يبرروا بيها اللي حصل لو تعرضت لخطر كبير.

ولما اتعرض عليهم المقطع أثناء التحقيق، اختفت كل محاولات الضحك والإنكار.

آدم بصّ للأرض.

وكريم بدأ يعيط.

المحقق سأله:

إنتوا كنتوا عارفين إنها ممكن تتعرض لخطر كبير؟

ماحدش رد.

كرر السؤال، لكن الصمت فضل مسيطر على الغرفة.

لأول مرة، ماكانش فيه أب غني يقدر يتدخل في اللحظة دي، ولا صاحب يضحك على النكتة، ولا زملاء يصفقوا لهم.

كان فيه تسجيل، وشهود، وتحقيق رسمي، وأسئلة لازم يتجاوب عنها.

الفصل التاسع: المواجهة الأخيرة

بعد خروج مريم من المستشفى، رجعت الجامعة علشان تجمع أوراقها وتبدأ إجراءات نقل دراستها إلى مدينة تانية.

كانت أمها ماشية جنبها، ماسكة إيدها، وكل خطوة ناحية مبنى الجامعة كانت بتفكرها باللي حصل.

لكن مريم ماكانتش نفس البنت اللي خرجت من المكان ده قبل أسابيع وهي خايفة من تعليقات زملائها.

كانت لسه بتتعافى، ولسه فيه لحظات بتفتكر فيها صوت الميه وصراخها وسط البحر، لكن جواها اتولد إحساس جديد.

إنها مش مضطرة تسكت علشان ترضي حد.

وإن كرامتها مش أقل قيمة من مستقبلها الدراسي.

عند بوابة المبنى، قابلتها زميلة كانت معاها في المحاضرات، لكنها عمرها ما دافعت عنها لما كانت بتتعرض للإهانة.

البنت قربت منها بتردد وقالت:

مريم أنا عايزة أعتذر لك.

مريم بصّت لها في هدوء.

البنت كملت:

أنا شفت اللي كانوا بيعملوه فيكي، وكنت عارفة إنهم بيضايقوكي. بس كنت بخاف أتكلم، علشان آدم كان ممكن يأذيني أنا كمان. ولما شفت الفيديو، حسيت إني شاركت في اللي حصل بسكوتي.

مريم فضلت ساكتة لحظة.

وبعدين قالت:

أنا مش هقدر ألوم كل حد خاف. بس أتمنى إن اللي حصل لي يخلّيكم ما تسكتوش لما تشوفوا حد بيتأذى قدامكم.

البنت هزّت رأسها وهي بتعيط:

مش هسكت تاني.

مريم شكرتها، وبعدها دخلت علشان تخلّص أوراقها.

وقبل ما تخرج، قابلت أحد أعضاء إدارة الجامعة، اللي أخبرها إن الجامعة بدأت إجراءات تأديبية ضد آدم وكريم، وإنها هتتعاون مع الجهات المختصة في التحقيق.

تم اتخاذ قرار بفصلهما من الجامعة بعد التحقيق التأديبي، بينما استمرت الإجراءات القانونية لتحديد المسؤولية عن اللي حصل.

ولأول مرة، بدأت مريم تشعر إن صوتها اتسمع.

لكنها كانت عارفة إن الطريق لسه طويل، وإن استرداد إحساسها بالأمان هيحتاج وقتًا.

لما خرجت من البوابة، أمها سألتها:

خلاص يا حبيبتي؟

مريم بصّت للمبنى للمرة الأخيرة:

أيوه يا ماما. أنا مش عايزة أفضل هنا. هكمّل دراستي في مكان تاني، وأبدأ من جديد.

سعاد حضنتها:

وأنا معاكي في أي مكان تروحيه.

مريم ابتسمت، وكانت ابتسامتها مختلفة عن كل المرات اللي فاتت.

المرة دي، ماكانتش بتحاول تخبي وجعها.

كانت بتبدأ تتعافى منه.

الفصل العاشر: السؤال اللي ماكانش له إجابة سهلة

قبل سفر مريم بأيام، قابلها أحد زملائها في الجامعة، وكان من الطلبة اللي تابعوا البث المباشر وحاولوا يساعدوا في تحديد مكان اليخت.

وقف قدامها وقال:

مريم، ممكن أسألك سؤال؟

ردّت:

اتفضل.

قال بتردد:

إنتِ ممكن تسامحيهم في يوم من الأيام؟

السؤال رجّعها بذاكرتها للحظات اللي كانت فيها تحت الميه، وهي مش عارفة إذا كانت هتشوف أمها تاني.

افتكرت الضحك، والإهانة، واللحظة اللي اختفى فيها الحبل من إيديهم، والوقت اللي قضته في المستشفى.

سكتت شوية، وبعدها قالت:

مش عارفة. يمكن في يوم أقدر أبصّ للي حصل من غير ما يوجعني. لكن أنا مش مطالبة إني أنسى علشان الناس ترتاح.

الطالب هزّ رأسه، وهي كملت:

أنا مش عايزة أقضي عمري أكرههم. ده وقتي وحياتي، ومش هسيبهم ياخدوا مني أكتر من اللي أخدوه بالفعل. لكن ده مش معناه إنهم ما يتحاسبوش.

سألها:

يعني مش هتتنازلي عن حقك؟

مريم بصّت له مباشرة وقالت:

لأ. علشان لو سكتّ، ممكن يعملوا في بنت تانية اللي عملوه فيا. أنا مش هقدر أتحكم في كل حاجة بتحصل في الدنيا، لكن أقدر أرفض إني أكون سبب في إن حد تاني يتأذى بنفس الطريقة.

الكلمات دي ماكانتش انتقامًا، لكنها كانت قرارًا واضحًا.

مريم ماكانتش عايزة تشوفهم بيتعذبوا.

كانت عايزة تشوفهم بيتحاسبوا.

وفي اليوم اللي سافرت فيه، وقفت سعاد جنبها في محطة السفر، ماسكة شنطتها الصغيرة، وبتحاول تخفي دموعها.

مريم حضنتها وقالت:

فاكرة لما قلتي لي إن تعبي مش هيروح هدر؟

سعاد ابتسمت:

فاكرة طبعًا.

مريم ردّت:

أنا لسه مصدقة ده. يمكن اللي حصل وجعني، لكن مش هسيبه يوقفني.

وبعدها ركبت، وبدأت رحلة جديدة في حياتها.

ماكانتش رحلة على يخت فاخر، ولا سهرة بين الأغنيا، لكنها كانت بداية حقيقية لطريق اختارته بإرادتها.

طريق ماحدش هيقدر يحدد لها قيمتها فيه بسعر هدومها، أو اسم عيلتها، أو رصيد حسابها.

أما آدم وكريم، فكانوا بيواجهوا نتائج أفعالهم، في انتظار ما تسفر عنه الإجراءات القضائية.

والفيديو اللي صوروه بإيديهم، علشان يضحكوا على بنت اعتبروها أضعف منهم، فضل شاهدًا على اللي حصل.

كل ما افتكروا إنهم كانوا قادرين يوقفوا كل ده بكلمة، أو باعتذار متأخر، كانوا بيواجهوا الحقيقة اللي حاولوا يهربوا منها من البداية.

إنهم ماكانوش أبطال مقلب مضحك. كانوا شخصين عرّضوا حياة إنسانة للخطر، وافتكروا إن فلوسهم هتحميهم من عواقب أفعالهم.

لكن الفلوس ماقدرتش تمسح التسجيل.

ولا تقدر ترجع اللي حصل كأنه ماكانش.

ولا تقدر تضمن إن الناس هتنسى.

وفي النهاية، مريم ما احتاجتش تنتقم منهم بإيديها، ولا تثبت إنها أقوى منهم بنفس طريقتهم.

هي نجت، وتمسكت بحقها، ورفضت تسمح للخوف يقرر مستقبلها.

أما الدرس اللي فضل من الحكاية، فكان واضحًا:

مش كل شخص غني قوي، ومش كل شخص فقير ضعيف. وأخطر لحظة في حياة الإنسان مش لما يفتكر إنه يقدر يعمل أي حاجة، لكن لما يفتكر إنه يقدر يعملها من غير ما يتحاسب.

والسؤال اللي فضل يطارد كل اللي شافوا الفيديو كان:

لو مريم ماكنتش نجت في الليلة دي، هل كان آدم وكريم هيعترفوا بالحقيقة؟ ولا كانوا هيكملوا حياتهم عادي، ويفتكروا إنهم قدروا يخفوا اللي عملوه في أعماق البحر؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى