
دكتورة نادية الجبالي، رئيسة جهاز المخابرات العامة، مش متعودة تسوق بنفسها. بس بعد اجتماع طويل وطاحن، قررت إنها تروح لوحدها في هدوء الليل.. من غير حراسة، ولا سارينا، ولا موكب عربيات. مجرد عربية سودا عادية وطريق المحور الهادي. مكملتش عشرة كيلو، وفجأة أنوار البوكس الأحمر والأزرق ظهرت وراها زي البرق.
دورية تابعة لمركز شرطة بالمنطقة. نادية ركنت على جنب بهدوء، نزلت الإزاز، وحطت إيديها الاتنين على الدريكسيون.. الإجراء الطبيعي اللي حافظاه من أيام كليتها. المقدم طارق بركات، ظابط قاسي الملامح ورقبته عريضة، قرب من باب عربيتها وإيده ساندة على طبنجته. زعق بحدة: «رخصك ورخص العربية!»
نادية هزت راسها بهدوء: «تمام يا فندم، بس قبل ما أمد إيدي…»
قاطعها طارق بغشامة: «مش عايز ولا كلمة! ومتتحركيش إلا بأمري.»
لهجته مكنتش لهجة تطبيق قانون.. كان فيها كمية غل واستهزاء مش طبيعية. نادية طلعت الكارنيه وشارتها الرسمية براحة وقالت: «أنا الدكتورة نادية الجبالي، رئيسة الجهاز، وراجعة من اجتماع رسمي.
»
طارق بحلق في الكارنيه ثانيتين.. وبعدين ابتسم ابتسامة صفرا مستفزة. وقال: «مضروب!»
نادية برقت: «أفندم؟»
قرب منها أكتر وقال: «يا مدام، أنا بقالي ستة وعشرين سنة في الخدمة، وأعرف الكارنيهات المزورة بالنظر.»
«الظاهر عندك لبس، الكارنيه ده صادر كلبشوها، وفتشوها تفتيش مهين، وركبوها البوكس.. كل اعتراضاتها اتمسحت، كارنيهاتها حطوها في حرز، وموبايلاتها اتصادرت. جوه حجز القسم، طارق وداها حجز انفرادي وأمر بإنها تتسجل «متهمة خطيرة وتشكيل عصابي».كل الإجراءات القانونية اضربت في الخلاط. كل تحذير قالتهوله كان بيقابله بتريقة وضحك.
اتنين من الأمناء بصوا لبعض بقلق، بس سلطة طارق وجبروته خلتهم يكتموا ويمشوا جنب الحيط. أول ما الباب الحديدي الضخم اترزع والقفل اتعشق، طارق مشي وهو بيصفر ورايق، وفاكر نفسه عمل قضية القرن وقبض على نصابة. لكن على بُعد كيلومترات.
. في مقر المخابرات العامة.. حصل اللي مكانش في الحسبان!تأخر نادية عن ميعاد الإشارات الدورية، وعدم ردها على الخط الساخن، ضرب جرس إنذار أحمر في غرفة العمليات الرئيسية. خلال دقايق قليلة، بدأت القيادات المختصة تراجع آخر إشارة مؤكدة من رئيسة الجهاز، واتفتح تحقيق عاجل لمعرفة مكانها.
ظهرت رسالة مشفرة على الشاشات الداخلية:
«عاجل: تعذر التواصل مع رئيسة الجهاز.. تفعيل إجراءات التأمين والتحقق من آخر تحركاتها فورًا.»
والسؤال اللي كان بيزلزل القيادات كلها:
هي فين؟ومين الغبي اللي في المحور ده اللي اتجرأ وكلبش رئيسة المخابرات العامة؟
لكن محدش كان يعرف إن الليلة دي مش هتغيّر حياة نادية الجبالي وبس… دي هتكشف سر مدفون بقاله سنين، وسرّ لو ظهر للنور، ناس كتير هتخسر كل حاجة بنتها في حياتها. الفصل الأول: الساعة اللي وقفت فيها الضحكة
الساعة كانت اتنين وسبعتاشر دقيقة بعد منتصف الليل.
في مكتب رئيسة الجهاز، كان اللواء حازم الدمنهوري واقف قدام الشاشة الكبيرة، عينيه مثبتة على آخر نقطة ظهرت فيها إشارة عربية نادية. حازم كان نائبها من أكتر من عشر سنين، وواحد من القلائل اللي عارفين إن نادية مش مجرد مسؤولة كبيرة في منصب حساس؛
دي ست قضت عمرها كله بتدفع تمن كل قرار بتاخده، حتى القرارات اللي كانت بتنقذ بيها غيرها. لفّ حازم ناحية ضابط العمليات وقال بصوت حاول يخليه ثابت:
«آخر اتصال كان إمتى؟»
«من ساعة واثنتين وأربعين دقيقة يا فندم.»
«وإنتوا ساكتين لحد دلوقتي ليه؟
»
الضابط اتوتر وقال بسرعة:
«كانت في اجتماع مغلق، وآخر رسالة وصلت من جهاز الاتصال بتأكد إنها في طريق العودة. بعد كده الخط فصل.»
حازم قرب من الشاشة.«هاتوا آخر تسجيل مؤكد لتحركات العربية.»
ظهرت صورة عربية نادية وهي بتتحرك على الطريق، وبعدها اختفت من نطاق الرصد المتاح.
حازم سكت لحظة، وبعدين قال:
«أنا عايز كل الاحتمالات قدامي. حادث، عطل، تغيير طريق، أي حاجة. محدش يفترض إنها اتعرضت لاعتداء من غير دليل، ومحدش يستبعد الاحتمال ده لمجرد إنه مستحيل في نظره.»
واحد من الضباط قال:
«سيادتك، لو فيه حادث، كنا هنلاقي بلاغ.
»
حازم بصله بحدة.«وإنت ضامن إن كل حاجة بتحصل في البلد لازم يوصلنا عنها بلاغ في نفس اللحظة؟ دوروا.»
بدأت الاتصالات الرسمية، واتراجع سجل التحركات، واتسأل عن أي بلاغات تخص عربية بالمواصفات المطلوبة. وبعد دقائق، دخل ضابط شاب وهو ماسك ورقة.
«يا فندم، فيه بلاغ من دورية شرطة عن ضبط سيدة بتنتحل صفة مسؤولة كبيرة، واتنقلت لمركز شرطة تابع للمنطقة.»
حازم مد إيده وخد الورقة. قرأ أول سطر. وبعدين رجع قرأه تاني.«اسم الضابط اللي حرر المحضر؟»
«المقدم طارق بركات.»
حازم رفع عينيه ببطء.«السيدة اسمها إيه؟
»
الضابط بلع ريقه.«دكتورة نادية الجبالي.»
الصمت اللي نزل على الغرفة كان أتقل من أي صوت. حازم حط الورقة على المكتب، وبص للضابط كأنه مش مصدق إن الجملة دي اتقالت فعلًا.«إنت متأكد؟»
«أيوه يا فندم. الاسم مكتوب في المحضر، وفيه إثبات إنهم صادروا كارنيهات رسمية من حوزتها.
»
حازم غمض عينيه لحظة. مش غضب وبس اللي كان جواه. كان فيه إحساس مرعب إن الموضوع مش مجرد ضابط متهور قابل مسؤولة كبيرة وماعرفهاش. لأن نادية، رغم منصبها، عمرها ما كانت بتلوّح بسلطتها في الشارع، ولا بتستخدم اسمها عشان تتجاوز إجراء قانوني.
ولو وصلت لمرحلة إنها عرّفت الضابط بنفسها وطلبت منه يتحقق من هويتها، يبقى هي ادته كل فرصة ممكنة يتصرف صح. ومع ذلك، هو رفض. فتح حازم عينيه وقال:
«وصلوا إخطار رسمي للجهة المختصة، وخلوا فريق قانوني يراجع الإجراءات من أول لحظة.
عايز تسجيلات الكاميرات، وأسماء كل فرد شارك في الضبط، وأي ورقة اتكتبت من ساعة ما وقفوها لحد دلوقتي.»
الضابط اتحرك، لكن حازم ناداه:
«استنى.»
لفّ الضابط.«محدش يدخل القسم بعصبية، ومحدش يهدد حد. إحنا مش رايحين ننتقم. إحنا رايحين نعرف الحقيقة، ونخرج رئيسة الجهاز وفق الإجراءات الرسمية.
»
الضابط هز راسه وخرج. حازم فضل واقف مكانه، وبعد ثواني مد إيده للتليفون واتصل برقم محفوظ عنده من سنين. رد عليه صوت راجل كبير في السن.«أيوه يا حازم؟»
«يا فندم، عندنا مشكلة كبيرة.»
«خير؟»
حازم سكت لحظة، ثم قال:
«الدكتورة نادية مش موجودة، وآخر معلومة مؤكدة إنها محتجزة في قسم شرطة بعد ما ضابط اتهمها بانتحال الصفة.»
الراجل سكت. سكون طويل لدرجة إن حازم افتكر الخط فصل. وبعدين جه الصوت هادي بشكل يخوف:
«مين الضابط؟»
«المقدم طارق بركات.
»
«ماحدش يتحرك بعشوائية. عايز كل حاجة تتراجع قانونيًا، وعايز أعرف مين سمح لنفسه يحول إجراء ضبط عادي لمهزلة بالشكل ده.»
حازم قال:
«مفهوم يا فندم.»
وقبل ما يقفل، سمعه بيضيف:
«حازم… نادية مش سهلة، بس ده مش معناه إننا نستهين باللي حصل.
هي إنسانة قبل ما تكون مسؤولة، واللي حصل معاها لازم يتكشف من غير ما حد .»
حازم قفل الخط، وحس إن الليلة لسه في أولها. الفصل التاني: جوه الحجز




