
رحت لبيت طليقتي عشان تمضي على ورقة، لكني اتفاجئت بطفل عيونه نفس عيوني، وبعدها سمعت صوت أمي اللي قالوا لي إنها توفيت من 3 سنين!
رحت لبيت طليقتي عشان تمضي على ورقة، لكني لقيت طفل عنده 6 سنين، عيونه نفس عيوني، بيجري من تحت شجرة زيتون وينادي عليها ماما!. وفي الوقت اللي كانت فيه بتخيط هدوم عشان تقدر تجيب تمن العلاج، خطيبتي اتصلت بيا وقالت هتبوّظ فرحنا عشان طليقتك؟. لغيت الفرح واتصلت بمحاميتي، لكن فجأة سمعت صوت من جوه البيت بيغني التهويدة اللي محدش كان يعرفها غير أمي!
الجزء الأول
لما أحمد الشناوي شاف طفل عنده 6 سنين بيجري خارج من بيت طليقته، وبينادي عليها ماما، حس إن الرحلة اللي عملها من القاهرة لقرية صغيرة في ريف مطروح اتحولت فجأة لحاجة أخطر بكتير من مجرد إمضا على ورقة.
أحمد كان رايح هناك عشان يخلص موضوع تجاري قبل فرحه بشهر على رانيا، بنت واحدة من أكبر العائلات اللي شغالة في مجال العقارات. كل اللي كان محتاجه إن مريم عبد العال، طليقته، تمضي على عقد بيع قطعة أرض كانوا ورثوها وقت جوازهم.
وبس، مفيش أي حاجة تانية.
فضل يكرر الكلام ده لنفسه طول الخمس ساعات اللي قضاها في الطريق.
كانت مريم واقفة في حوش بيت صغير مبني بالحجر، تحت ضل شجرة زيتون قديمة. كانت بتحط على صينية شوية قهوة وعصير برتقال وعيش محمص عليه زيت زيتون.
كانت لابسة فستان فاتح عليه رسومات ورق شجر، وشعرها ملموم نص لمّة. أول ما شافته واقف جنب عربيته الحمرا، ما بانش عليها أي اندهاش.
بصت له وقالت ببرود: تمان سنين يا أحمد! تمان سنين من غير حتى تليفون تسأل فيه عليّا، ودلوقتي تظهر فجأة، لابس كأنك جاي تشتري البلد كلها!
حط أحمد الملف اللي في إيده على ترابيزة خشب.
الأرض اللي في البلد لسه مسجلة باسمنا إحنا الاتنين. أنا ورانيا فرحنا كمان شهر، وأهلها عايزين يضموها لمشروع سياحي ريفي. هيدفعوا لك تعويض كويس.
بصت مريم للملف، وبعدها رفعت عينيها وبصت للبيت: كويس بالنسبة لمين؟
اتلفت أحمد حواليه، وبص على الحيطان البسيطة، وأصص الزرع، وكرسي الخيزران اللي كان واضح إنه اتصلح أكتر من مرة.
قال بنبرة فيها شفقة متعالية: كان ممكن تعيشي أحسن من كده.
ابتسمت مريم ابتسامة حزينة: إنت لسه فاكر إن الحياة الأحسن معناها فلوس أكتر وحاجات أغلى!
الكلمة ضايقته، لأنها فكّرته بالست اللي حبها زمان، قبل ما يبقى عنده سواق خاص، ومكتب فخم في القاهرة، واسم عيلته يتحول لعلامة معروفة في عالم العقارات.
قبل ما يرد عليها، حطت مريم قدامه فنجان قهوة أبيض، في حافته شرخ صغير.
أحمد اتجمد مكانه. كان ده نفس الفنجان اللي كانت بتحضر له فيه القهوة أيام ما كانوا عايشين في شقة صغيرة في شبرا، وكان هو لسه بيجري بين مواقع البناء ويدور على أول مشروع يقدر يبدأ بيه حياته.
بص للفنجان باستغراب: كنت فاكر إنك رميتيه من زمان!
ردت مريم بهدوء: أنا مش برمي الحاجة لمجرد إنها اتشرخت أو اتعورت.
سكتوا هما الاتنين، وبقى الصمت تقيل بينهم.
وفجأة، طلع صوت كحة من جوه البيت. لف أحمد وشه ناحية الباب وسألها: إنتِ عايشة مع حد هنا؟
ملامح مريم اتغيرت في لحظة: أنا برعى ست كبيرة في السن.
وقبل ما يلحق يسألها سؤال تاني، ظهر طفل صغير جاي من ناحية الممر الترابي، وعلى ضهره شنطة مدرسة زرقا. جري الطفل على مريم، وحضنها من وسطها، وبعدها رفع عينيه وبص لأحمد بفضول بريء.
أحمد حس إن نفسه اتسحب منه. الولد كان عنده نفس عيونه العسلية بالظبط، ونفس الحركة الغريبة اللي كان بيرفع بيها حاجب واحد لما يستغرب حاجة، وهي حركة ورثها أحمد نفسه عن أبوه.
قالت مريم بصوت متوتر: اسمه يوسف.
الولد رفع دقنه بفخر وصحح لها: عندي ست سنين ونص يا ماما، مش ست سنين بس!
أحمد حس إن قلبه بيدق بعنف، وبدأ يحسبها من غير ما يقصد. تمان سنين من يوم ما انفصل عن مريم، وسبع سنين من يوم الطلاق، والولد عنده ست سنين ونص!
بص لمريم، وصوته خرج بالعافية: وأبوه فين؟
مريم وقفت وعدلت وقفتها: أحمد، لأ… بلاش!
لكن يوسف كان سبقها بالكلام، وبص لأحمد ببراءة وقال: ماما بتقول إن بابا بيبني عمارات عالية أوي في القاهرة، وإنه في يوم من الأيام هييجي عشان يتعرف عليّا.
الصينية اللي كانت في إيد مريم مالت فجأة، وكوباية العصير وقعت على الأرض، واتناثر العصير على التراب.
أحمد فضل واقف مكانه، مش قادر يبعد عينيه عن وش الطفل. كل حاجة حواليه اختفت، وما بقاش سامع غير صوت قلبه والسؤال اللي كان بيصرخ جواه: هل الولد ده ابنه فعلًا؟ وهل مريم كانت مخبية عنه الحقيقة طول السنين دي؟
وفجأة، جه صوت ست عجوز من جوه البيت، صوت واطي ومتهدج، وهي بتقول ببطء: هو حبيبي وصل؟ هو ابني جه؟
أحمد اتسمر مكانه. كان يعرف الصوت ده كويس، لدرجة إنه اتعرف عليه قبل حتى ما يستوعب إزاي ممكن يسمعه في المكان ده.
ده كان صوت أمه! أمه اللي أخته نجلاء كانت مأكدة له إنها بقالها تلات سنين كاملة في دار رعاية خاصة في سويسرا، وإن حالتها الصحية ما تسمحش لها ترجع مصر.
بص أحمد ناحية باب البيت، ووشه شحب، وهمس لنفسه: أمي؟!
وفي اللحظة دي، فهم إن موضوع الأرض والورقة اللي جه عشان يمضيها مالوش أي أهمية قدام اللي بيحصل. لأن لو أمه موجودة جوه البيت فعلًا، فده معناه إن فيه سر كبير اتخبّى عنه سنين طويلة… سر ممكن يقلب حياته كلها رأسًا على عقب.
الجزء التاني
مريم قفلت الباب قبل ما أحمد يقدر يدخل. قالت له بحزم: مش النهارده. لو عايز تعرف الحقيقة، يبقى لازم تسمعني للآخر الأول.
رجعته يقعد تاني تحت شجرة الزيتون، وبدأت تحكي له اللي حصل من سبع سنين.
في الوقت اللي كان فيه أحمد في إسكندرية بيقفل صفقة كبيرة خلت شركته تتحول لواحدة من أكبر شركات العقارات في مصر، أخته نجلاء اتهمت مريم إنها أخذت عقد دهب قديم كان بتاع والدتهم، الحاجة نوال الشناوي.
والأغرب إن العقد ظهر جوه شنطة مريم نفسها!
في نفس اليوم، وصل محامي العيلة، فؤاد السيوفي، ومعاه أوراق الطلاق، وضغط عليها بشكل واضح.
قال لها إنها لو ما مضتش على الأوراق ومشيت من غير ما تعمل أي مشاكل، العيلة هتستر عليها. إنما لو رفضت، هيقدموا فيها بلاغ بأخذ، وهتلاقي نفسها بتواجه قضية ممكن تدمّر حياتها.
مريم بصت لأحمد وقالت: فؤاد السيوفي قالي إنك عارف كل حاجة، وإنك إنت بنفسك اللي طلبت منه يخلّص موضوع الطلاق. وقالي إنك مش عايز تشوف وشي تاني.
أحمد وشه اصفر، ورد بسرعة: مستحيل! هو قالي إنك مشيتي بعد ما أخذتي فلوس من الشركة، وإنك بنفسك قلتي إنك مش عايزة أي حاجة تربطك بيا!
مريم هزت راسها بحزن: أنا بعت لك جواب ورا جواب شهور طويلة.
أنا ما وصلنيش جواب واحد!
أخدت مريم نفس طويل وقالت: أنا عارفة.
أحمد بص لها باستغراب: إزاي يعني عارفة؟
لكنها ما ردتش، لأن يوسف خرج من البيت في اللحظة دي، وكان ماسك رسمة ملونة. قرب منهم ومد الرسمة لأحمد.
كانت الرسمة فيها بيت صغير، وشجرة زيتون، وست وطفل، وراجل لابس بدلة واقف قدام عمارة ضخمة. وفوق الراجل، يوسف كان كاتب بخط طفولي متعرج كلمة بابا.
أحمد مسك الرسمة بإيد بتترعش.
يوسف أشار للراجل اللي في الرسمة وقال بفخر: ماما بتقول إنك بتبني بيوت لعائلات كتير. وأنا نفسي في يوم من الأيام تبني لنا بيت إحنا كمان.
أحمد حاول يتكلم، لكن صوته خانه. نزل لمستوى يوسف، وبص في عينيه، وحس لأول مرة إن كل الفلوس والنجاح اللي حققهم ما يساووش لحظة واحدة من عمر ابنه اللي ضاعت منه.
دخلت مريم البيت، وبعد شوية رجعت وهي ماسكة ظرف أصفر قديم. فتحته قدامه. جواه صورة سونار، وشهادة ميلاد يوسف. الخانة الخاصة باسم الأب كانت فاضية.
قالت مريم: عرفت إني حامل بعد ما مشيت من القاهرة بيومين. رحت مكتب فؤاد السيوفي تلات مرات عشان أوصل لك. وفي آخر مرة، قالي إنك مش عايز تعرف أي حاجة عن الطفل، وإنك لو شوفتني تاني هتعتبرني بتعدى على حياتك.
أحمد ضغط على شفايفه بقوة، وعينيه اتمَلوا بالدموع: ضيعوا مني ست سنين مع ابني!
مريم بصت له بعتاب وقالت: ما تخليش الموضوع كله يدور حوالين اللي إنت خسرته يا أحمد. يوسف كمان كبر وهو بيسأل عن أبوه، وكل يوم كان مستني حد عمره ما جه.
الكلام وجعه أكتر من أي اتهام. لأنها كانت عندها حق. هو كان بيحسب خسارته هو، لكنه ما فكرش في طفل اتولد وكبر من غير ما يعرف أبوه، ولا في ست اضطرت تواجه الدنيا لوحدها وهي شايلة سر كبير بالشكل ده.
في الليلة دي، أحمد استأجر أوضة في فندق صغير في مرسى مطروح.
أول ما خطيبته رانيا عرفت إنه ما قدرش يخلّص موضوع الإمضا، اتصلت بيه وهي في قمة غضبها: إنت فين يا أحمد؟! أنا بقالي ساعات مستنياك ترد عليّا، وإنت سايب شغلك وفرحنا وكل حاجة ورايح تقعد عند طليقتك!
حاول يشرح لها إنه اكتشف حاجة خطيرة تخص ابنه وأمه، لكنها ما ادتلوش فرصة يكمل: أنا مش فاهمة إنت بتعمل إيه! هتضيّع كل اللي بنيناه عشان واحدة إنت مطلقها من سبع سنين؟
قبل ما يرد، قفلت الخط في وشه.
وبعدها بدقايق، اتصلت أخته نجلاء. صوتها كان متوتر بشكل واضح: إنت فين يا أحمد؟
في مطروح.
سكتت لحظة، وبعدها قالت بسرعة: ارجع القاهرة فورًا. ماما حالتها مش مستقرة في سويسرا، ومش ناقصة أي مشاكل قديمة ترجع تزعّلها.
أحمد مسك الموبايل بقوة: إنتِ لسه بتقولي إنها في سويسرا؟!
نجلاء ردت بعصبية: أيوه طبعًا! هو إنت ناوي تصدق أي كلام تسمعه؟ ارجع، وأنا هشرح لك كل حاجة.
أحمد قفل المكالمة من غير ما يرد. ولأول مرة، بدأ يشك في كل كلمة قالتها أخته خلال السنين اللي فاتت.
تاني يوم الصبح، رجع لبيت مريم.
لما دخل الحوش، لقاها قاعدة قدام ماكينة خياطة قديمة، وبتخيط زي مدرسي أطفال. كان واضح إنها بتشتغل لساعات طويلة عشان تقدر تدفع مصاريف البيت والعلاج.
وعلى الترابيزة جنبها، كانت فيه علبة مليانة إيصالات صيدلية وفواتير علاج، وكلها باسم الحاجة نوال الشناوي.
أحمد مسك واحد من الإيصالات وبص فيه: إنتِ اللي بتدفعي تمن العلاج كله؟
مريم فضلت مركزة في القماش اللي بتخيطه: أيوه.
بس إزاي؟ إنتِ بتشتغلي طول اليوم عشان تعيشي، وبتدفعي علاج أمي كمان؟
ردت من غير ما تبص له: لما لقيتها، ما كانش قدامي غير إني أساعدها. ما كنتش هسيبها لوحدها.
أحمد كان لسه هيسألها إزاي أمه وصلت للمكان ده، لكن يوسف ظهر فجأة وشد إيده: تعالى يا عمو أحمد، عايز أوريك حاجة!
الكلمة وجعته رغم بساطتها. عمو أحمد. مش بابا. لسه.
مشي ورا يوسف لحد آخر الحوش، وهناك لقى شجرة ليمون صغيرة مزروعة في الأرض.
يوسف وقف جنبها وقال بحماس: دي شجرة الليمون بتاعتي. أنا بزرعها وبسقيها كل يوم. ماما قالت لي لما تكبر، هتطلع ليمون كتير.
أحمد ابتسم له، ومسح على شعره: ربنا يخليهالك يا حبيبي.
وفجأة، سمع صوت ست من جوه البيت بتدندن لحن قديم. لحن هادي، مليان حنان، كان أحمد يعرفه من طفولته.
دي كانت تهويدة أمه اللي كانت بتغنيها له كل ليلة وهو صغير، واللي اخترعتها مخصوص عشان ينام، وما كانش يعرف كلماتها ولا لحنها غيرها.
إيده ارتخت، والمفاتيح اللي كان ماسكها وقعت على الأرض.
مريم سمعت صوت المفاتيح، فخرجت بسرعة. بصت له، وفهمت إنه عرف. ما بقاش فيه فايدة من إخفاء الحقيقة أكتر من كده.
مشت ناحية الباب وفتحته.
كانت الحاجة نوال واقفة مستندة على عصاية، جسمها أنحف بكتير من اللي أحمد فاكره، وشعرها بقى أبيض بالكامل، وعلى كتفها بطانية خفيفة.
رفعت عينيها ناحيته، وفضلت باصة له لثواني طويلة. وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: اتأخرت أوي يا حبيبي وإنت راجع من المدرسة!
أحمد ما قدرش يستحمل. وقع على ركبته قدامها، وانهار في العياط. فضل ماسك إيديها وبيبوسها، وهي بتمسح على شعره زي ما كانت بتعمل وهو طفل.
طول السنين اللي فاتت، كان بيدفع مبالغ ضخمة كل شهر، وهو فاكر إن أمه بتتلقى أفضل رعاية في دار خاصة بسويسرا. كان بيقبل تأجيل مكالمات الفيديو، وبيصدق التقارير الطبية اللي بتتبعت له، وبيقتنع بكل مرة أخته تقوله إن وجوده ممكن يسبب لأمه توتر ويزود حالتها سوءًا.
والحقيقة إن أمه كانت عايشة في بيت بسيط، تحت رعاية الست اللي عيلته نفسها طردتها من حياتهم.
رفع أحمد راسه وبص لمريم، وصوته مكسور: أمي وصلت هنا إزاي؟ وإيه اللي حصل لها؟
مريم بصت ناحية أوضة النوم، وقالت: الإجابة موجودة في صندوق. بس لازم تبقى مستعد، لأن أول ما تفتحه، مش هتقدر تصدق أي كلمة قالتها لك أختك تاني.
أحمد بص لها باستغراب: صندوق إيه؟
مريم سكتت لحظة، وبعدها قالت: الصندوق اللي تحت سريري. وفيه الحقيقة اللي كانوا فاكرين إن محدش هيعرفها أبدًا.
لكنها ما كانتش تعرف إن اللي جوا الصندوق ده مش بس هيكشف سر اختفاء أمه، ده كمان هيكشف واقعة أكبر بكتير من مجرد اتهام بالأخذ.
الجزء التالت والأخير
دخلت مريم أوضة النوم، وبعد شوية خرجت وهي شايلة صندوق كرتون قديم. حطته على الترابيزة وفتحته قدام أحمد.
جواه كانت فيه تلاتة وعشرين جواب مرجوع، وإيصالات صيدلية، وصور تحويلات بنكية، وصورة للحاجة نوال وهي قاعدة على كرسي في محطة أتوبيسات في إسكندرية، وملامحها باين عليها التعب والضياع.
مريم بدأت تطلع الأوراق واحدة ورا التانية، وأحمد كان حاسس إن حياته كلها بتتفك قدامه.
مسك أول جواب. كان مكتوب من سبع سنين: أحمد، أنا حامل. مش بطلب منك فلوس ولا أي حاجة. أنا بس عايزاك تعرف إنك هتبقى أب.
فتح الجواب اللي بعده. كان مكتوب بعد ولادة يوسف. أما الجواب التالت، فكان تاريخه من تلات سنين: أحمد، أمك معايا. لقيتها لوحدها جنب محطة الأتوبيسات، وكانت تايهة ومش عارفة توصل لبيتها، وكل شوية تسأل عليك. أرجوك تعالى وخدها.
كل الجوابات كانت رايحة لمكتب فؤاد السيوفي، محامي العيلة.
وفي آخر ظرف، كان فيه إنذار مكتوب وممضي من المحامي، بيوضح فيه لمريم إنها لو استمرت في محاولة التواصل مع عيلة الشناوي، هيفتحوا من جديد موضوع عقد الدهب اللي اتاخد، وهيخلّوها تواجه قضية أخذ.
أحمد رفع عينيه من الورق: يعني كل الجوابات دي كانت بتوصل له، وهو مخبيها عني؟
مريم هزت راسها: أيوه. وأنا ما كنتش أعرف إذا كانت بتوصلك ولا لأ. كل اللي كنت أعرفه إنك مش بترد، وإن المحامي كل مرة بيقابلني بيأكد لي إنك مش عايز تسمع عني أي حاجة.
أخدت نفس عميق وكملت: من تلات سنين، كنت رايحة إسكندرية عشان أسلّم شوية فساتين لزبونة. وأنا خارجة من محطة الأتوبيسات، شفت ست كبيرة قاعدة لوحدها، هدومها مش مرتبة، ومش معاها أي ورق يثبت شخصيتها. قربت منها، ولما بصيت في وشها، عرفتها على طول. كانت أمك.
أحمد حط إيده على وشه.
مريم كملت: كانت تعبانة ومش عارفة هي فين، وكل شوية تسأل عنك. فضلت جنبها لحد ما قدرت أفهم منها اسمها، وبعدها أخدتها لدار رعاية في أطراف إسكندرية. هناك قالوا لي إن ست جابتها من فترة، وسجلتها باسم مختلف عن اسمها الحقيقي، ودفعت مصاريف كام شهر، وبعدها اختفت وبطلت ترد عليهم.
أحمد سألها بصدمة: ولما الفلوس خلصت، حصل إيه؟
حالتها ساءت، والدار ما قدرتش تستمر في رعايتها بالشكل المطلوب. وقتها ما كانش قدامي غير إني أخدها عندي. ما قدرتش أسيبها في الشارع، ولا أرجعها لمكان مش عارفة هيخرجها منه إمتى.
بص أحمد لإيصالات الصيدلية: إنتِ اللي دفعتي تمن كل العلاج ده؟
مريم ردت ببساطة: من شغلي في الخياطة، وبمساعدة عم عبد المنعم جارنا. الراجل ساعدني في حاجات كتير، وكان بيجيب لنا أدوية لما ما كانش معايا فلوس كفاية. أمك ما كانش ليها حد تاني.
الجملة دي كانت أكتر حاجة كسرت أحمد.
هو كان بيحوّل كل شهر مبلغ ضخم، حوالي ميتين ألف جنيه، لدار رعاية فاكر إنها موجودة في سويسرا، وإن أمه بتاخد فيها أحسن علاج.
أخته نجلاء كانت بتبعت له صور وتقارير طبية وفواتير، وهو كان بيحوّل الفلوس من غير ما يتحقق من أي حاجة، لأنه كان واثق فيها، ولأنه كان دايمًا مشغول بشغله وصفقاته.
تلات سنين كاملة، والفلوس بتخرج من حسابه باسم رعاية أمه، لكنها ما كانتش بتوصل لأمه أصلًا.
أحمد طلع موبايله واتصل بالمدير المالي لشركته. طلب منه يراجع كل التحويلات اللي اتبعتت باسم دار الرعاية في سويسرا، وبعدها اتصل بالبنك وطلب كشف حساب كامل.
قبل الضهر، بدأ أول خيط من الحقيقة يظهر.
الفلوس ما كانتش بتروح لسويسرا. كانت بتتحول لحساب شركة مسجلة باسم مختلف، لكن إدارتها الفعلية كانت في إيد أخته نجلاء.
والأخطر من كده، إن فيه توكيل رسمي كانت نجلاء بتحاول تستخدمه عشان تستولي على أسهم أمها في مجموعة الشناوي العقارية.
أحمد فضل باصص للأوراق، مش قادر يصدق إن أخته ممكن تعمل فيه وفي أمه كل ده. قال بصوت حاسم: أنا محتاج محامي مستقل، حد ما يكونش ليه أي علاقة بعيلتنا.
مريم بصت له وقالت: إنت محتاج أكتر من محامي يا أحمد.
رفع عينيه ناحيتها. كملت: إنت محتاج تبطل تسلّم حياتك للناس اللي بتقول لك الكلام اللي إنت عايز تسمعه. طول السنين اللي فاتت، كنت بتصدق كل حاجة نجلاء تقولها لك، من غير ما تتعب نفسك وتدور على الحقيقة بنفسك.
أحمد ما ردش. لأنه كان عارف إنها عندها حق.
فضلت الجملة دي ترن في ودنه طول الطريق وهو راجع القاهرة.
أول ما وصل، استعان بمحامية مستقلة اسمها نهى منصور، متخصصة في قضايا الميراث وحماية كبار السن من الاستغلال المالي.
في خلال يومين، قدرت نهى توصل لدار الرعاية اللي كانت الحاجة نوال موجودة فيها، وتراجع الأوراق اللي اتسجلت بيها، وتكتشف إن الاسم الموجود في السجلات مش اسمها الحقيقي.
كمان لقت مستندات بتثبت إن نجلاء هي اللي دفعت مصاريف الإقامة في البداية، وبعدها وقفت الدفع فجأة، رغم إنها كانت بتاخد فلوس من أحمد على أساس إن الرعاية مستمرة.
خبير المستندات كمان اكتشف مخالفات واضحة في التوقيع الموجود على التوكيل اللي كانت نجلاء بتحاول تستخدمه للاستيلاء على أسهم أمها.
كل حاجة كانت بتشير لنفس الحقيقة.
نجلاء ما كانتش بس مخبية أمها عن أخوها، دي كمان كانت بتحاول تستولي على فلوسها وممتلكاتها.
وفي الوقت اللي أحمد كان بيحاول فيه يفهم حجم المشكلة، رانيا خطيبته ما سألتش مرة واحدة عن الحاجة نوال أو يوسف.
أول ما رجع القاهرة، اتصلت بيه وسألته عن الأرض: ها يا أحمد، خلصت موضوع الأرض ولا لسه؟
رد بهدوء: مفيش مشروع. والأرض مش هتتباع.
رانيا قامت من مكانها بعصبية: إنت بتقول إيه؟! بابا اتفق مع مستثمرين، والناس دي مستنية الصفقة تتم!
أحمد بص لها من غير انفعال: يبقى لازم يشرح لهم إن الاتفاق اتبنى على حاجة مش ملكه.
رانيا قربت منه وقالت بغضب: إنت هتبوّظ فرحنا عشان طليقتك؟! عشان ست سابتك من سبع سنين؟!
أحمد فضل باصص لها ثواني، وبعدها رد: لأ. فرحنا انتهى لأني اكتشفت إيه اللي يهمك فعلًا، في الوقت اللي عيلتي كلها بتنهار فيه.
رانيا سكتت، وكأنها ما كانتش متوقعة إنه يرد عليها بالشكل ده. خلعت الدبلة من إيدها، وحطتها على الترابيزة، وبعدها خرجت من الشقة من غير ما تبص وراها.
أحمد ما حاولش يمنعها. كان عنده حاجات أهم بكتير لازم يصلحها.
يوم الجمعة، نجلاء كانت محددة ميعاد في مكتب توثيق بالقاهرة عشان تخلّص إجراءات التوكيل الخاص بأسهم أمها. كانت متوقعة إن أحمد ييجي ويمضي على الأوراق من غير اعتراض، زي ما كان بيعمل طول السنين اللي فاتت.
لكن المفاجأة كانت إنها أول ما دخلت المكتب، لقت أحمد موجود ومعاه المحامية نهى، ومريم، والحاجة نوال نفسها.
وش نجلاء شحب فجأة.
بصت لمريم وقالت بحدة: إنتِ بتعملي إيه هنا؟!
الحاجة نوال قعدت على الكرسي بمساعدة مريم، ورفعت عينيها لبنتها: جاية أقول إني لسه عايشة، ولسه فاكرة كويس إيه اللي بتاعتي وإيه اللي مش بتاعك.
نجلاء حاولت تبتسم، لكن ابتسامتها كانت مرتبكة: ماما، إنتِ مش فاهمة اللي بيحصل. إحنا كلنا بنحاول نحميكي.
الحاجة نوال ردت بهدوء: تحموني من مين يا نجلاء؟ من ابني؟ ولا من الفلوس اللي كنتِ عايزة تاخديها مني؟
في اللحظة دي، المحامية نهى طلبت من الموظف إنه يستنى قبل ما يتم توثيق أي ورقة. وبدأت تحط المستندات قدامهم واحد ورا التاني. أول حاجة كانت تقرير خبير المستندات، وبعده سجلات دار الرعاية، وبعدها كشوف التحويلات البنكية. وبعدين طلعت الجوابات اللي مريم كانت باعتاها لأحمد، واللي فؤاد السيوفي أخفاها في مكتبه.
نجلاء بدأت تتكلم بسرعة: الكلام ده كله متفبرك! مريم دي كانت بتحاول ترجع لأحمد بأي طريقة، وأنا كنت بحاول أحافظ على العيلة!
المحامية نهى ردت بثبات: كل ورقة هنا ليها أصل، وكل تحويل ليه سجل بنكي، وكل مستند اتراجع بمعرفة متخصصين. لو عندك دليل واحد ينفي الكلام ده، اتفضلي قدميه.
نجلاء ما لقتش حاجة تقولها.
أما فؤاد السيوفي، اللي كان حاضر عشان يشرف على إجراءات التوكيل، فحاول يتدخل. قال إن الحاجة نوال حالتها الصحية مش مستقرة، وإنها ممكن تكون مش فاكرة الأحداث بشكل صحيح.
لكن الحاجة نوال رفعت راسها وقالت: أنا فعلًا ساعات بنسى أنا فطرت إيه امبارح، وبنسى حطيت النظارة فين. بس عمري ما نسيت مين اللي وداني المكان ده، ومين اللي سابني هناك.
وبصت مباشرة في عيني بنتها: إنتِ يا نجلاء.
نجلاء بدأت تعيط: ماما، أنا كنت خايفة عليكي! أنا بس كنت عايزة أحميكي من المشاكل.
الحاجة نوال هزت راسها بحزن: لأ. إنتِ كنتِ عايزة تتحكمي في كل حاجة تخصني. وكنتِ فاكرة إنك لما تبعديني عن أخوكي، محدش هيعرف إنتِ بتعملي إيه.
وبعدين لفتت وشها ناحية مريم: وفي حاجة تانية لازم تعرفوها.
أحمد قرب منها: إيه يا أمي؟
الحاجة نوال أخدت نفس طويل، وبعدها قالت: عقد الدهب اللي اتهموا مريم بأخذه… نجلاء هي اللي حطته في شنطتها.
نجلاء صرخت فورًا: كدابة! إنتِ مش فاكرة حاجة!
لكن الحاجة نوال كملت من غير ما تهتم بصراخها: أنا شفتها بعيني. شفتها وهي بتحط العقد في الشنطة، وبعدها راحت اشتكت لمريم وقالت إنها أخذته.
أحمد بص لأخته بصدمة: يعني إنتِ اللي ظلمتي مريم من البداية؟
نجلاء ما ردتش.
وفي اللحظة دي، المحامية نهى طلعت مستند جديد. كانوا قدروا يوصلوا لمحل دهب قديم في القاهرة، واتضح إن فيه عقد دهب بنفس المواصفات اتباع هناك بعد واقعة الأخذ المزعومة بأسابيع.
والأوراق المستخدمة في عملية البيع كانت مرتبطة ببيانات نجلاء نفسها.
فؤاد السيوفي بطل يتكلم.
وبقى واضح إن الموضوع مش مجرد خلاف عائلي، لكنه ممكن يكون واقعة فيها تزوير واستيلاء على أموال وإخفاء مستندات.
انتهى الاجتماع بتحرير محضر رسمي، وإيقاف إجراءات التوكيل، وبدء التحقيق في التحويلات المالية والمستندات المزورة والظروف اللي اتنقلت فيها الحاجة نوال من مكان لمكان.
أحمد ما حسش بالانتصار وهو بيشوف أخته بتخرج عشان تدلي بأقوالها. كل اللي حس بيه كان حزن كبير. حزن على أمه اللي اتعرضت لكل ده، وعلى مريم اللي اتظلمت، وعلى ابنه اللي كبر من غير أب، وعلى السنين اللي ضاعت بسبب كدبة واحدة ورا التانية.
قبل ما نجلاء تخرج، وقفت وبصت له: هتختار الخياطة دي على أختك؟! هتصدقها هي وتسيب أختك اللي عشت معاها عمرك كله؟!
أحمد رد من غير ما يعلي صوته: هي اللي فضلت جنب أمنا لما إنتِ خبّيتيها. أنا مش باختار بين شخصين يا نجلاء. أنا باختار إني أبطل أكذب على نفسي.
وسابها ومشي.
في نفس اليوم، رجع أحمد لمرسى مطروح.
المرة دي ما أخدش معاه سواق، ولا لبس بدلة غالية، ولا شال أي أوراق تخص الأرض. كان رايح لبيته الحقيقي، حتى لو ما كانش عارف لسه إذا كان مسموح له يرجع له ولا لأ.
لما وصل، لقى يوسف قاعد تحت شجرة الزيتون، بيحاول يصلح عجلة العجلة بتاعته. أول ما شاف أحمد، جري ناحيته: إنت هتفضل معانا المرة دي؟
أحمد نزل على ركبته عشان يبقى في نفس مستواه. طلع من جيبه الرسمة اللي يوسف كان اداهاله أول مرة. كانت متنية ومكرمشة من كتر ما فتحها وبص فيها. أحمد فردها قدامه وقال: فاكر الراجل اللي إنت رسمته فوق العمارة دي؟
يوسف هز راسه: أيوه، ده بابا.
أحمد حس بغصة في حلقه: الراجل ده اتأخر أوي قبل ما ينزل من العمارة وييجي لك. بس خلاص، نزل وجالك.
يوسف فضل باصص له لمدة تلات ثواني، وبعدها بص ناحية مريم اللي كانت واقفة عند باب البيت. مريم عينيها كانت مليانة دموع، لكنها هزت راسها له بابتسامة ص
يوسف فضل باصص له لمدة تلات ثواني، وبعدها بص ناحية مريم اللي كانت واقفة عند باب البيت. مريم عينيها كانت مليانة دموع، لكنها هزت راسها له بابتسامة صغيرة.
يوسف رجع بص لأحمد وسأله: إنت بجد بابا؟
أحمد ابتسم وسط دموعه: أيوه يا حبيبي. أنا بابا.
يوسف ما قالش أي حاجة تاني. اندفع ناحيته وحضنه بقوة لدرجة إن أحمد وقع قاعد على الأرض. فضل الولد متعلق برقبته، وبعد شوية همس في ودنه: أنا كنت عارف إن عينيك زي عينيّا.
أحمد ضحك وهو بيعيط: أنا اللي المفروض أقول كده يا حبيبي.
في الشهور اللي بعدها، ما حصلتش معجزة خلت كل حاجة ترجع زي الأول في يوم وليلة. مريم ما رجعتش لأحمد فورًا، وما سمحتلوش إنه يفتكر إن الفلوس ممكن تصلح كل حاجة.
أحمد بدأ يروح لهم كل نهاية أسبوع. كان يوصل يوسف المدرسة، ويتعرف على أصحابه، ويحضر له حفلة المدرسة، ويكتشف حاجات صغيرة عنه ما كانش يعرفها. عرف إن يوسف بيكره البسلة، وبيحب الخرائط، وبيحلم لما يكبر إنه يصمم كباري كبيرة. وأحمد، اللي كان فاكر إنه يعرف كل حاجة عن الحياة، اكتشف إنه ما يعرفش حتى نوع الأكل اللي ابنه بيحبه.
كمان بقى يرافق أمه في مواعيد الكشف والعلاج. بعض الأيام كانت الحاجة نوال بتفتكره كويس، وتفتكر اسمه وطفولته وكل حاجة عاشوها مع بعض. وأيام تانية كانت بتبص له وتفتكره أبوه، أو تناديه باسم أحمد وهو لسه شاب عنده خمسة وعشرين سنة. في الأول، كان بيحاول يصحح لها. لكن بعد فترة، بطل. لما كانت تبص له وتقول: اتأخرت من الجامعة ليه يا أحمد؟ كان يبتسم ويرد: معلش يا ماما، بس أنا جيت أهو. والحاجة نوال كانت تبتسم له، وكأن الدنيا رجعت بيها لوقت كانت فيه كل مخاوفها إنها ابنها يتأخر عليها شوية.
البيت فضل بسيط، لكنه ما بقاش حاسس إنه ضيق.
أحمد عرض على مريم إنه يشتري لهم فيلا قريبة من القرية، لكنها رفضت. قالت له بوضوح: يوسف مش محتاج يتعلم إن كل حاجة بنحبها، أول ما تتعب أو تتخرب، نرميها ونجيب أغلى منها.
أحمد سكت، وبعدها قال: عندك حق. طب نصلح البيت بدل ما نسيبه؟ مريم فكرت شوية، وبعدين وافقت.
صلحوا السقف، وجهزوا حمام يناسب حالة الحاجة نوال، ورمموا الحوش. وأحمد اشتغل مع الصنايعية بنفسه، والمفاجأة إنه كان لسه فاكر إزاي يخلط الأسمنت ويحط الطوب، رغم السنين الطويلة اللي قضاها بعيد عن شغل البناء بإيده.
وفي يوم أحد، وصل البيت ومعاه اتناشر شتلة ليمون صغيرة. مريم خرجت من الباب وبصت للشتلات باستغراب: إيه ده كله يا أحمد؟ ابتسم وقال: دي دَين قديم عليّا. مريم عقدت حواجبها: دين إيه؟ أحمد بص لها وقال: فاكرة لما كنا عايشين في شقة شبرا، وكنتِ بتحلمي يكون عندنا بيت صغير فيه جنينة ليمون؟ كنت بقول لك إني أول ما نبقى أغنيا هبني لك البيت ده. ابتسمت مريم بحزن: أيوه، فاكرة. المشكلة إننا لما بقينا أغنيا، أنا نسيت الوعد. مريم ما ردتش، لكنها قربت منه وأخدت واحدة من الشتلات. وزرعوهم سوا في الحوش. وفي نفس المكان اللي أحمد كان واقف فيه أول مرة بيدور على إمضا، زرعوا أول شجرة ليمون جديدة.
بعدها بكام أسبوع، وفي عصر هادي، أحمد قعد تحت شجرة الزيتون القديمة، وحط فنجان القهوة الأبيض المشروخ على الترابيزة. مريم خرجت وقعدت قدامه. أحمد بص للفنجان وقال: طول السنين اللي فاتت، كنت فاكر إن إنتِ اللي كسرتي حياتنا. كان أسهل عليّا أصدق كده من إني أعترف إني ما اتأكدتش من الحقيقة بنفسي. مريم مررت صباعها على حافة الفنجان المشروخة: وأنا كمان غلطت في حاجات. سيبت الخوف يتحكم في قراراتي وقت أطول من اللازم. أحمد هز راسه: مش هطلب منك تنسي اللي حصل، ولا هقول لك إن السنين اللي ضاعت ممكن ترجع. مريم بصت له في عينيه. كمل كلامه: بس عايز أسألك سؤال واحد. ينفع أحاول أبني حاجة
جديدة معاكي؟ واحدة واحدة، من غير محامين، ومن غير شروط، ومن غير ما نخبي عن بعض أي حاجة حتى لو كانت مكسورة؟ مريم فضلت باصة له وقت طويل. وبعدين قالت: الأول خلّص الجنينة. أحمد ابتسم: يعني دي موافقة بس بشروط صعبة؟ مريم ضحكت لأول مرة من قلبها من سنين: ده أقصى اللي ممكن تاخده مني النهارده.
عدت ست شهور. شتلات الليمون كبرت شوية، وبدأت تظهر عليها أول زهور صغيرة. ما كانش فيه فرح ضخم، ولا صور في المجلات، ولا استعراض للفلوس.
أحمد ومريم اتجوزوا من جديد في قاعة صغيرة في مزرعة قريبة من القرية، وسط الجيران والأصحاب، ومعاهم شوية من زملاء أحمد في الشركة اللي كانوا عارفين قصته من أيام ما كان بيبدأ حياته من الصفر.
يوسف كان شايل الدبلتين، وماشي قدامهم بفخر. أما الحاجة نوال، فكانت قاعدة في الصف الأول، لابسة فستان أزرق، وعلى رجليها بطانية خفيفة.
وفي وسط الفرح، جه لها وقت من اللحظات اللي كانت بتستعيد فيها ذاكرتها بوضوح. بصت لأحمد، وبعدها بصت لمريم، وقالت له: المرة دي، ما تتأخرش عليها. كل اللي قاعدين ضحكوا، لكن أحمد اضطر ينزل عينيه عشان يخبي دموعه.
بعد الغدا، ولما الشمس بدأت تغيب ورا الجبال، الحاجة نوال بدأت تدندن نفس التهويدة القديمة اللي كانت بتغنيها لأحمد وهو طفل. يوسف ما كانش يعرف كلماتها، فقعد جنبها وطلب منها تعلمه الأغنية. وهي بدأت تغني له، كلمة كلمة، وهو بيردد وراها.
أحمد كان واقف في الحوش، بيتفرج على أمه وابنه تحت شجرة الزيتون. على يمينه كانت عربيته اللي زمان كان بيعتبرها رمز النجاح. وعلى شماله كانت فيه ترابيزة قديمة، وأصص زرع، وعجلة صغيرة، وفنجان قهوة أبيض فيه شرخ عند الحافة.
قربت منه مريم وهي شايلة فنجانين قهوة. حطت واحد قدامه وسألته: سرحان في إيه؟ أحمد بص لأمه ويوسف، وبعدها رجع بص لها: بفكر إني قضيت نص عمري ببني بيوت عشان أثبت للناس إني نجحت. مريم ابتسمت: ودلوقتي؟ أحمد أشار بعينيه ناحية أمه وابنه تحت شجرة الزيتون: دلوقتي فهمت إن البيت مالوش أي قيمة، مهما كان كبير وغالي، لو إنت مش عارف مين اللي مستنيك جواه. مريم حطت إيدها على إيده.
فضل فنجان القهوة المشروخ مستخدم سنين طويلة بعد كده. ومحدش حاول يصلحه تاني. ما كانش فيه داعي.
لأن أحمد، لأول مرة من سنين طويلة، فهم إن مش كل حاجة مكسورة لازم تتغير أو تترمي. فيه حاجات بتفضل غالية، مش لأنها رجعت كاملة زي الأول، لكن لأن حد قرر يحافظ عليها، حتى بعد ما عرف كل الشروخ اللي فيها.
تمت النهاية.




