
كان عندي 32 سنة لما قابلت رأفت. كان أكبر مني بـخمس سنين، راجل طيب وحنين وشهم، بس كان شايل شيلة هدت حيل ناس كتير.. شيلة أي حد مكاني كان ممكن يهرب منها فوراً. رأفت كان عنده 10 عيال في عمر الورد.. مراته الله يرحمها سابتهم له وهي بتولد الصغير، وكان شايل مسؤوليتهم لوحده ومتبهدل بيهم.
-
بعد 20 سنة زواجمنذ يوم واحد
-
جوزي خلاني اربي بنتمنذ يوم واحد
-
ابو ولادىمنذ يوم واحد
-
قبل فرح ابنى بكام يوممنذ يوم واحد
لما رأفت طلب إيدي للجواز، الدنيا مكنتش سيعاني من الفرحة، وبدأنا نرتب لكل حاجة، ونجهز الشقة، وكنت حاسة إني ملكت الدنيا وخلاص هعوضه هو وعياله عن كل التعب. لكن قبل الفرح بأسبوع واحد بس.. رأفت اختفى! الدنيا اسودت في عيني، جالي حالة ذهول ورعب، كلمت كل معارفه وأصحابه وأهله، ومحدش عرف ليه طريق. كنت خلاص هروح أعمل محضر في القسم، لحد ما لمحت ورقة متطبقة ومحطوطة على ترابيزة السفرة. فتحتها وأنا إيدي بترتعش، ولقيته كاتب فيها: “أنا آسف.. مش قادر أكمل، ومقدرش على الحمل ده أكتر من كده.”
بس.. هي دي الكلمتين اللي سابهم! رأفت مسبنيش لوحدي مشاعري وبس.. ده ساب وراه 10 عيال لحم ، عياله هو! قلبي اتقسم نصين، ومبقتش مصدقة إن فيه أب دي. أهلي وقرايبي كلهم اتدخلوا وقالوا لي: “يا بنتي ارمي الحمل ده، وسيبيهم لدار رعاية أو الشؤون الاجتماعية تاكلهم، وانفدي بجلدك وانجي بنفسك والتفتي لمستقبلك قبل ما القطار يفوتك”. بس ضميري وقلبي مطاوعنيش.. إزاي هان عليهم يقولوا كده؟ أنا كنت خلاص اتعلقت بالولاد وبقيت بحبهم كأنهم حتة مني ومن لحمي!
كنت عارفة إن اللي بعمله ده انتحار، وإن طريقي هيبقى كله شوك وصعب فوق ما أي حد يتخيل. لكن أنا اللي اخترت.. واخترتهم بكامل إرادتي. قررت أربيهم، ونزلت اشتغلت الشغلانة واثنين، ليل مع نهار، عشان أقدر أوكلهم وألبسهم وأعلمهم، وأحافظ عليهم متجمعين تحت سقف واحد وميتشردوش. أبويا وأمي غضبوا عليّا وقاطعوني ورفضوا يمدوا لي إيد المساعدة تماماً.. وحتى الرجالة اللي كانوا بيحاولوا يتقدموا لي بعد كده، كانوا أول ما يعرفوا إن رقبتي سدادة في 10 عيال، يهربوا وميرجعوش تاني! عمري ما فكرت في نفسي ولا واعدت حد تاني، وهبت حياتي وشبابي كله ليهم.. بس بالرغم من كل التعب والشقاء، كنت فرحانة بيهم ودموعي بتتحول لضحكة وأنا شايفاهم بيكبروا قدام عيني.
والنهارده.. بعد ما مرت 30 سنة بحالها، عمري ما ندمت ثانية واحدة على الاختيار ده. كل يوم جمعة، البيت بيبقى خلية نحل.. عيالي كلهم بيجوا هما وأزواجهم وأولادهم، بنقعد نشرب الشاي بالنعناع ونعمل لمتنا المصرى الحلوة، نضحك ونهزر، والبيت بيتملي دفا وعزوة بالبيت الكبير اللي بنيته بعرقي وشقايا.
الجمعة اللي فاتت، وإحنا كلنا متجمعين وصوت ضحكنا مالي المكان، الباب خبط. قمت فتحت، لقيت راجل وقور واقف بره، لابس بدلة شيك وفي إيده شنطة جلد. طلع ظرف مقفول وسلمهوني وقال لي بهدوء: “أنا المحامي بتاع الأستاذ رأفت.. يا فندم، هو كان مأمني أمانة مشددة، إني أسلمك الظرف ده في التاريخ ده بالثانية والدقيقة.. ودي كانت وصيته الأخيرة قبل ما يتوفى من كام يوم.” قال الكلمتين دول ومشي بسرعة قبل ما ألحق أنطق بكلمة واحدة أو أسأله عن أي حاجة!
إيدي كانت بتتفض من الرعب وأنا بفتح الظرف.. وولادي العشرة كلهم اتلموا حواليّ وعيونهم كلها قلق وترقب. وأول ما بدأت أقرا كلام اللي كاتبه في الرسالة.. حسيت الدنيا بتلف بيّا، وجالي هبوط ومكنتش قادرة أقف على رجلي من الصدمة! لأن بعد 30 سنة من العذاب والحيرة.. عرفت أخيراً إيه اللي حصل بجد قبل فرحنا بأسبوع!
كان عندي 32 سنة لما فتحت الظرف وإيدي بترتعش، عيوني جت على خط رأفت اللي كنت حافظاه وزمان كنت بفرح لما أشوفه.. بس المرة دي الخط كان مهزوز وضعيف، كأنه كان بيكتب وهو . الرسالة كانت بدايتها غريبة جداً، كاتبلي: “سامحيني يا منال.. أنا عارف إنك كرهتيني، وعارف إن العالم كله شافني نذل وخاين سبت عيالي وهربت، بس أنا مكنش قدامي حل تاني عشان أحميكم!”
قريت الجملة دي ونفسي اتكتم.. أحمينا؟ أحمينا من إيه؟! بدأت السطور اللي بعدها تكشف المستور.. رأفت قبل الفرح بأسبوع، اكتشف إنه مريض ، والدكاترة قالوا له إن أيامه في الدنيا معدودة ومفضلهوش غير شهور. في نفس التوقيت ده، كان عليه ديون ضخمة جداً للموردين في شغله بسبب خسارة تجارته الأخيرة، وكان مهدد بالحبس، والديانين كانوا هيهدوا البيت على عياله.








