قصص و روايات

قبل 27 عاما

الفصل الرابع: قرية الظلال
أخذ نوح الأمر على محمل الجد. تتبع عقد الحافلة ليصل إلى شركة قصيرة العمر تدعى “مايفلاور ترانزيت سيرفيسز”، مسجلة باسم رجل يدعى فيرنون هاتش، حارس سجن سابق اختفى عام 1997. تطابقت صورة قديمة لبطاقته الشخصية مع الوجه المنعكس في نافذة الحافلة. وللمرة الأولى منذ عقود، كان لدى لوريتا اسم وخيط ورقي. قدم بلاغ جديد عن أشخاص مفقودين، وبدأ مكتب التحقيقات الفيدرالي يبدي اهتمامه.

تعمق نوح في البحث، متتبعاً عناوين قديمة وسندات ملكية. وفي النهاية، عثر على أدلة تشير إلى تسليم مبالغ نقدية دورية إلى محطة وقود نائية في مقاطعة كمبرلاند بولاية كنتاكي. كشفت لقطات بطائرة مسيرة أمراً مذهلاً: قرية مخفية في عمق الغابة، تضم مباني يدوية الصنع، وحدائق، وعشرات الأشخاص يعيشون خارج الشبكات الرسمية. وبينهم شاب أسود يحمل حطباً، ملامحه تكاد تطابق ملامح مالك.

مقالات ذات صلة

الفصل الخامس: المواجهة
داهم مكتب التحقيقات الفيدرالي المجمع. عثروا على أربعة وثلاثين بالغاً، كثير منهم بلا ألقاب، ولا بطاقات تعريف، ولا ذاكرة عن حياتهم قبل القرية. كان الأطفال الذين كبروا وصاروا بالغين قد تربوا على أنهم “ناجون من حريق”، وأن العالم الخارجي خطير، وأن “الأخ فيرنون” أنقذهم. لم تكن لهم تواريخ ميلاد، ولا موسيقى إلا أناشيد محددة، ولا قصص إلا تلك التي كان فيرنون يرويها لهم ليحكم قبضته عليهم.

كانت لوريتا حاضرة حين أخرج العملاء سكان المكان. رأت مالك، الذي أصبح يدعى “إيلايجا”، واقفاً في الخلف، وعيناه تجوبان قمم الأشجار بقلق. نادته باسمه، لكنه لم يتعرف إليها. أخرجت صورة الصف القديمة وأشارت إلى وجهه وهو في الخامسة. أنكر الأمر، لكن صوته ارتجف. توسلت إليه قائلة: “كنت تحب حليب الشوكولاتة، وتكره الموز، وتؤمن أن الأشجار تتحدث إليك”. استدار مبتعداً، حائراً بين عالمين؛ عالمٍ عاش فيه وعالمٍ لا يعرفه.

في الأيام التالية، نقل الناجون لإجراء تقييمات طبية ونفسية. كان مالك قليل الكلام، لكن لوريتا زارته يومياً، تحمل صوراً قديمة ووجبات بسيطة. ذات يوم، شغلت شريطاً قديماً له وهو يغني “أنت شمسي” في طفولته. انكسر شيء داخله، وبدأ يبكي متذكراً شذرات من حياة قيل له إنها لم تكن حقيقية. همس: “لا أعرف من أكون”. فأجابته بلطف: “لا بأس، يمكننا أن نبني ذلك معاً”.

الفصل السادس: إعادة بناء المرآة
كشفت التحقيقات شهادات ميلاد مزورة وعقود طاعة مخبأة في المجمع. بدأ ناجون آخرون يستعيدون أجزاء من ماضيهم؛ إحداهن تذكرت عطر الورد الذي كانت تضعه أمها، وأخرى تذكرت كعكة عيد ميلاد. تواصلت السلطات مع عائلات كانت قد فقدت الأمل منذ زمن. بعضهم مات وهو ينتظر، وآخرون بكوا حين تلقوا الاتصال الذي حلمت به لوريتا لسنوات.

ألقي القبض على فيرنون هاتش وأدين بتهم متعددة تتعلق بالخطف والاحتجاز غير القانوني. لم يبدِ أي ندم، ولم يفسر أبداً لماذا أخذ الأطفال. في قاعة المحكمة، ثبتت لوريتا نظرها فيه وقالت: “ظننت أننا سننسى، لكنني لم أنسَ”.

عانى مالك من صعوبة عميقة في التأقلم مع واقعه الجديد. لم يكن الانتقال من عزلة طويلة إلى عالم مفتوح أمراً يمكن أن يحدث بين ليلة وضحاها. كان كل شيء حوله يبدو صاخباً أكثر مما يحتمل؛ أصوات السيارات، ضحكات الأطفال في الحدائق، نغمات الهواتف، حتى حركة الأشجار في الريح كانت تذكره بأن العالم واسع، أكبر بكثير من الأسوار الخفية التي عاش خلفها. بدأ جلسات العلاج النفسي ببطء وحذر، يجلس في البداية بصمت، يجيب بكلمات مقتضبة، ثم يتوقف طويلاً قبل أن ينطق بأي جملة. كان كمن يحاول إعادة تجميع مرآة مكسورة، يبحث بين الشظايا عن انعكاس يعرفه.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى