قصص و روايات

الست الطيبة دي

تعد منطقة “رشدي” العريقة في قلب مدينة الإسكندرية شاهدةً على العديد من الحكايات، لكن حكاية “أمينة حسنين”، تلك السيدة التي تجاوزت من العمر ثمانية عقود وثمانية أعوام، تظل الأغرب والأكثر إثارة للدهشة. أمينة، المرأة التي اشتهرت بين جيرانها برقيها الشديد، وطيبتها التي لا تعرف الحدود، كانت تعيش بمفردها في شقتها الفسيحة. هي سيدة لا تعرف الحقد، ومعروفة بحبها لمساعدة الآخرين، بل كانت تفتح قلبها وبابها للأطفال من عائلات الجيران، تقدم لهم الحلوى والود، وكانت ترى في عمل الخير جوهر الحياة.

 

مقالات ذات صلة

قبل فترة من الحادثة، كانت “أمينة” قد قررت توظيف سيدة تُدعى “صفية” لمساعدتها في أعباء المنزل. عاملتها “أمينة” معاملة الأم لابنتها، لم تبخل عليها بمال، ولا بملابس، ولا بكلمة طيبة، بل كانت توفر لها كل ما تحتاجه من احتياجات معيشية. ولكن، وكما يقال إن الطمع يغير النفوس، بدأت “صفية” في استغلال طيبة تلك السيدة المسنة. بمرور الوقت، لاحظت “أمينة” اختفاء بعض المقتنيات البسيطة، ثم تطور الأمر لمد اليد بشكل أوضح، مما دفع السيدة “أمينة” – بذكائها وحزمها المعهود – إلى اتخاذ قرار بفصل “صفية” من عملها وطردهما.

لم تكن “صفية” مجرد خادمة عادية، بل كانت تحمل في طيات نفسها حقداً دفيناً. بدلاً من أن تتعظ من معاملة السيدة الكريمة، قررت الانتقام بطريقة شيطانية. قامت باختلاس نسخة من مفتاح الشقة قبل رحيلها، واتفقت مع شقيقها وشريكٍ له على تنفيذ مخطط إجرامي يستهدف ثروة السيدة “أمينة” التي كانت تحظى بوضع ميسور الحال.

ساعة الصفر والرعب المكتوم
في فجر يومٍ كئيب، تسلل شقيق “صفية” إلى الشقة مستخدماً المفتاح الذي سرقته شقيقته. كانت عقارب الساعة تشير إلى الثالثة فجراً، والهدوء يلف أرجاء المكان. استيقظت “أمينة” على وقع خطوات غريبة تتحرك في الممر. ومع كل خطوة تقترب من غرفة نومها، كانت ضربات قلبها تتسارع، لكن الحكمة التي اكتسبتها من سنوات عمرها جعلتها تلتزم الهدوء.

دخل الملثم إلى الغرفة، ولم تكن ملامحه واضحة سوى عينين تلمعان بالشر. وعندما شعر بأن السيدة مستيقظة، أطبق بيديه على وسادتها وضغط بكل قوته على وجهها في محاولة دنيئة لإنهاء حياتها. هنا، وفي تلك اللحظات الفاصلة بين الحياة والموت، أظهرت السيدة “أمينة” دهاءً منقطع النظير. أدركت بحدسها أنها إن قاومت بكل قوتها فقد تفقد حياتها، فقررت ممارسة “تمثيلية الصمود”. حبست أنفاسها، وأرخت جسدها تماماً، متظاهرة بأنها فارقت الحياة، لتنجو من بطش المجرم الذي اعتقد بالفعل أنه نجح في جريمته.

عناية الله.. ويقظة الضمير
قضت السيدة “أمينة” 15 دقيقة هي الأصعب في حياتها، وهي تسمع المجرم يعيث فساداً في غرفتها، ويخلع عنها مصاغها الذهبي، ويفتح خزنتها الخاصة ليستولي على محتوياتها التي قُدرت بملايين الجنيهات.

ولكن، وكما يقول المولى عز وجل: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}، فقد كان القدر يخبئ لهم درساً لن ينسوه. أثناء خروج المجرم من العقار وهو يحمل “غنائمه”، كان هناك عامل بسيط في مقهى أسفل العمارة يسهر على عمله. لفت انتباهه رجل يخرج في توقيت مريب حاملاً خزينة ثقيلة. لم يتردد العامل لحظة واحدة، فأبلغ الشرطة التي استجابت بسرعة فائقة، وتم ضبط الجناة متلبسين وبحوزتهم المسروقات.

وعندما وصلت الشرطة إلى شقة “أمينة” وكسرت الباب -بعد أن خشيت السيدة فتح الباب ظناً منها أن القاتل قد عاد- وجدوا السيدة حية ترزق، لكنها كانت في حالة صدمة وانهيار. بمجرد أن أخبروها بأن حقها قد عاد وأن الجناة خلف القضبان، انهمرت دموعها حمداً وشكراً لله.

الخاتمة: درس في الإنسانية
كشفت التحقيقات عن المخطط الشيطاني الذي دبرته “صفية” انتقاماً لطردها، وتم توجيه تهم السرقة والشروع في القتل للمتهمين. صرحت السيدة “أمينة” لاحقاً بأن تلك الليلة كانت “أسود ليلة في حياتها”، لكنها استمدت قوتها من إيمانها بأن الله كان معها في تلك اللحظة الحرجة.

لقد علمتنا حكاية “أمينة” أن الطيبة ليست ضعفاً، وأن الذكاء وحسن التصرف قد يكونان طوق النجاة في أحلك الظروف. كما أكدت أن يقظة المجتمع، متمثلة في ذلك العامل البسيط، هي الحصن الأول للأمان، وأن العدالة الإلهية تتجلى دائماً في اللحظات التي يظن فيها الظالم أنه انتصر. خرجت “أمينة” من تلك المحنة لتشاركنا قصتها، لتظل رمزاً للصمود وعبرة لكل من يظن أن الغدر يمكنه كسر إرادة الإنسان الطيب.

زر الذهاب إلى الأعلى