روايات وققص

طردتني ببناتي

بد القادر يخفي الحقيقة كل السنين دي، هو نفسه الشخص اللي دلوقتي بيحاول يوصل للصندوق قبلك.
سألته مين الشخص ده؟
بص ناحية الباب، وكأنه خاېف يكون حد بيسمعنا.
وبعدين قال مش هينفع أقولك هنا. لازم نمشي حالاً ونروح المخزن.
خرجنا من البيت، وإبراهيم أصر إنه يركب معايا في نفس العربية.
طول الطريق كان ساكت، وكل شوية يبص في المراية.
وصلنا للمنطقة اللي وصفها، ونزلنا قدام مبنى قديم، بابه الحديد مقفول بسلسلة كبيرة.
طلع المفتاح اللي معاه، لكن المفتاح ما فتحش.
قلت مش ده المفتاح؟
قال ده مفتاح القفل الداخلي، لكن لازم نفتحه من بره الأول.
فضلنا ندور لحد ما لقينا باب صغير جانبي، كان مستخبي ورا مجموعة من الأخشاب القديمة.
إبراهيم فتحه بمفتاح تاني كان معاه.
دخلنا.
المكان كان ضلمة ومليان تراب، وفي آخره باب حديد صغير عليه رقم ١٧.
طلعت المفتاح اللي معايا.
دخلته في القفل.
لف بسهولة.
فتحنا الباب.
كان جواه دولاب معدني، وعلى الرفوف ملفات كتير وصناديق خشب.
إبراهيم قرب من أول درج وفتحه.
طلع ملف كبير مكتوب عليه
ملف جميلة محمود عبد الرحيم.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
إبراهيم قال اقعدي يا بنتي، اللي هتعرفيه دلوقتي مش سهل.
قعدت وبدأ يطلع الأوراق واحدة واحدة.
أول ورقة كانت صورة عقد ملكية، والتانية كشف حساب قديم، والتالتة شهادة رسمية.
لكن اللي شد انتباهي كان ظرف كبير مكتوب عليه بخط أبويا
إلى ابنتي جميلة… يُفتح بعد ۏفاة عبد القادر.
مديت إيدي وخدته.
فتحته وأنا برتعش.
لقيت جواه خطاب طويل.
بنتي جميلة…
لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أنا وعبد القادر رحلنا من الدنيا، ووصلتي أخيراً للحقيقة اللي حاولنا نحافظ عليها.
أنا ما سبتكيش من غير حق، ولا كنت ناسيكي زي ما إنتِ يمكن افتكرتي بعد وفاتي.
البيت القديم اللي عبد القادر سابهولك، مش هو الهدية اللي ليكي.
البيت ده هو مفتاح الأمانة.
من سنين طويلة، أنا وعبد القادر وإبراهيم اشترينا أرض كبيرة، واتفقنا إن كل واحد فينا يحفظ نصيب عيلته.
لكن حصل خلاف بيننا وبين شريك رابع، وبدأت المشاكل تكبر.
الشريك ده كان عايز يستولي على الأرض كلها، وبدأ يهددنا إنه هيضيع حقوقنا.
اضطرينا نسجل جزء من الأرض بأسماء مختلفة، ونخفي باقي الأوراق في أماكن متفرقة.
أنا كنت خاېف عليكي، لأنك كنتِ بنتي الوحيدة، وكنت عارف إنك مش هتقدري تدخلي في صراع مع ناس عندها
نفوذ.
علشان كده طلبت من عبد القادر إنه يحافظ على حقك.
لكن فيه سر أخطر من الأرض نفسها.
الراجل اللي كان عايز يستولي على الأرض، ماكانش غريب عن العيلة زي ما كنا فاكرين.
كان من أقرب الناس لينا.
واللي هيكشف هويته هو آخر ملف في الدولاب.
رفعت عيني لإبراهيم.
قلت مين الشخص ده؟
إبراهيم كان ساكت.
قلت بصوت أعلى إنت عارف مين؟!
رد وهو بيبص للأرض أيوه.
مين؟
قال أنا مش عايز أقولك قبل ما تشوفي الورقة بنفسك.
قمت وفتحت آخر درج.
كان فيه ملف بني كبير، مربوط بحبل.
فكيت الحبل وفتحت الملف.
أول ورقة كانت صورة شخصية لرجل أعرفه كويس.
رجل كنت بشوفه كل يوم تقريباً في البيت الكبير.
رجل كان بيزور عبد القادر في مرضه، وبيجلس معاه بالساعات.
رجل كانت سعاد بتثق فيه ثقة عمياء.
ورجل كان أول واحد وقف جنبها بعد ۏفاة عبد القادر.
بصيت للصورة، وخرج اسمه من بين شفايفي بصعوبة
مستحيل…
إبراهيم قال للأسف يا جميلة، هو.
قلبي كان بيدق پعنف.
قلت إنت بتقول إن أخويا هو اللي كان عايز ياخد الأرض؟!
أيوه.
أخويا من أمي، اللي كان دايماً بيظهر قدام الناس إنه بيحبني وبيخاف عليا.
أخويا اللي حضر عزاء عبد القادر، وفضل يطبطب عليا ويقولي أنا موجود يا جميلة، ومش هسيبك لوحدك.
فضلت أبص للصورة، مش قادرة أصدق.
إبراهيم بدأ يحكي
أخوكي كان عارف من زمان إن فيه أرض كبيرة باسم أبوكي، وكان بيحاول يوصل لأوراقها. لكن أبوكي اكتشف الموضوع بدري، ورفض يديله أي حاجة مش من حقه.
قلت بس أخويا عمره ما اتكلم معايا عن الأرض!
رد لأنه كان فاكر إنك مش عارفة حاجة. ولما اتجوزتي عبد القادر، عرف إن جوزك هو اللي محتفظ بالأوراق، فبدأ يقرب منه ويحاول ياخد منه المعلومات.
قلت يعني عبد القادر كان عارف؟
أيوه. وعشان كده كان بيتصرف بحذر شديد.
افتكرت زيارات أخويا المتكررة لعبد القادر في المستشفى، وافتكرت إنه كان بيصر يسأل عن أحواله المالية، ويقول إنه مستعد يساعده في أي إجراءات.
وفجأة افتكرت موقف حصل قبل ۏفاة عبد القادر بأيام.
كنت داخلة عليه بالأدوية، ولقيت أخويا خارج من الأوضة، ووشه متغير.
سألته فيه حاجة؟
قال لا يا جميلة، كنت بطمن على جوزك.
وقتها ما شكتش فيه لحظة.
دلوقتي كل حاجة بقت مختلفة.
قلت لإبراهيم طب وسعاد؟ هي تعرف؟
إبراهيم اتنهد.
سعاد مش عارفة كل التفاصيل، لكنها عارفة إن فيه أرض كبيرة، وإن فيه أوراق ممكن تغير كل حاجة.
وعشان كده مستعجلة تبيع البيت.
قلت بس ليه أخويا يساعدها؟ دي مرات أخوه، ومش من مصلحته إنها تاخد حاجة مش من حقها.
إبراهيم بصلي وقال لأن الاتفاق بينهم مش زي ما إنتِ متخيلة.
سكت شوية، وبعدين طلع ورقة تانية.
كانت ورقة مكتوبة بخط أخويا، وفي آخرها توقيعه.
قرأت أول سطر
أتعهد أنا… بالحصول على موافقة جميلة على التنازل عن جميع حقوقها في الأرض، مقابل مبلغ يتم الاتفاق عليه مع المشترين.
حسيت إن صدري اتقفل.
أخويا كان بيجهز ياخد حقي، وعايزني أمضي على التنازل من غير ما أعرف الحقيقة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في الورقة اللي بعدها.
كانت صورة لعقد اتفاق بين أخويا وسعاد.
العقد بيقول إنهم اتفقوا على تقسيم المبلغ الناتج عن بيع الأرض بينهم، وإن سعاد هتاخد نصيب أولادها، وأخويا هياخد باقي المبلغ مقابل إنه يخلص إجراءات البيع.
قلت وأنا مش مصدقة يعني هما الاتنين كانوا متفقين يبيعوا أرضي؟
إبراهيم هز رأسه.
أيوه، لكن فيه حاجة لازم تعرفيها. الأرض دي مش مجرد مساحة كبيرة زي ما إنتِ فاكرة. فيها جزء مخصص من سنين لمشروع خيري، وأبوكي كان بيبني عليه حلم كبير.
قلت مشروع إيه؟
قال مستشفى صغيرة لعلاج الأطفال، كان أبوكي عايز يعملها باسم والدتك، لأنها كانت نفسها تساعد الناس اللي مش قادرة تتعالج.
اتجمدت.
أمي كانت دايماً بتحلم يكون ليها عمل خير، وكانت كل ما تشوف طفل مريض تدعي ربنا يشفيه.
سألت والمستشفى اتبنت؟
قال لأ. المشروع وقف بسبب الخلافات، والأرض فضلت محفوظة لحد ما عبد القادر قدر يرجع الأوراق.
قلت يعني هو كان عايزني أكمل حلم أمي وأبويا؟
ابتسم إبراهيم بحزن.
أيوه. وده السبب اللي خلاه يسيبلك البيت القديم والأرض. هو كان عارف إنك الوحيدة اللي ممكن تحافظي على الأمانة.
فضلت ساكتة.
كل حاجة بدأت تتضح، لكن كان فيه سؤال واحد مش قادر يسيب دماغي.
ليه عبد القادر ماقالليش الحقيقة وهو عايش؟
ليه سابني أعيش أسبوع كامل بعد مۏته وأنا فاكرة إنه ظلمني؟
ليه سمح لسعاد تطردني وتضحك عليا؟
إبراهيم كأنه قرأ أفكاري.
قال عبد القادر كان عنده سبب. هو كان عايز يشوف مين هيظهر على حقيقته بعد مۏته. وكان عارف إن وجودك في البيت الكبير هيخلي الناس تراقبك وتمنعك من الوصول لأي حاجة.
قلت بس أنا اتبهدلت يا إبراهيم. بناتي ناموا على الأرض، وأكلنا من اللي كان موجود في البيت، وكل الناس كانت بتضحك علينا.
رد
بصوت حزين أنا عارف. وعبد القادر كان عارف إنك هتتوجعي، لكن كان شايف إن ده الطريق الوحيد اللي يضمن إن الأوراق توصل

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى