قصص و روايات

جذمة جوزي

 لو حصلك حاجة وأنا بعيد، عمري ما هسامح نفسي. كانت دي آخر جملة قالها أحمد قبل ما يقفل باب الشقة ويمشي. فضلت واقفة مكاني ثواني، أبص للباب بعد ما اتقفل، وأنا حاسة إن في حاجة غريبة في كلامه. أحمد كان مسافر إسكندرية أسبوع بسبب شغله في مركز صيانة العربيات اللي شريك فيه. السفر بالنسبة له مش جديد، لكن المرة دي كان متوتر بشكل ملحوظ.

قبل ما ينزل، حط فلوس على الترابيزة وقال
دي تكفيكي لحد ما أرجع. وخلي بالك من نفسك، ولو حصل أي حاجة اتصلي بيا فورًا.
ابتسمت وقلت
ربنا يرجعك بالسلامة.
ابتسم، لكن ابتسامته كانت باهتة.
وبعدها خرج.
كنت فاكرة إن القصة خلصت عند اللحظة دي.
ما كنتش أعرف إن سفر أحمد هيكون أول خيط في سر عائلي مدفون بقاله سنين.
بعد حوالي ساعتين، جالي اتصال من سمر، مرات أخوه محمود.
محمود كان متوفي من ست شهور في حادثة عربية، ومن وقتها سمر عايشة لوحدها في الشقة اللي فوقينا.
قالتلي
تعالي اقعدي معايا شوية، أنا عاملة شوربة ورز، ومش حابة أقعد لوحدي.
طلعت لها.
كانت سمر هادية كالعادة، لكن كان واضح عليها الإرهاق.
قعدنا نتكلم عن محمود، وعن أحمد، وعن الشغل.
وفجأة موبايلي وقع مني.
دخل تحت الكنبة.
نزلت على ركبتي ومديت إيدي أدور عليه.
لمست حاجة جلد.
سحبتها.
كانت جزمة رجالي.
في البداية افتكرتها بتاعة محمود.
لكن أول ما بصيت عليها كويس، قلبي اتقبض.
دي جزمة أحمد.
عرفتها فورًا.
أنا اللي كنت شارياله الجزمة دي قبل كده، وكان فيها خدش صغير جدًا جنب الكعب.
فضلت ماسكاها وأنا مش فاهمة.
إزاي جزمة أحمد موجودة هنا؟
هو بنفسه كان لابسها قبل ما يسافر.
رفعت عيني ناحية سمر.
كانت واقفة في المطبخ وظهرها ليا.
ما سألتش.
حطيت الجزمة مكانها بهدوء، وخدت موبايلي.
لكن وأنا برجع أقعد، لاحظت حاجة تانية.
جهاز صغير أسود، شبه كاميرا المراقبة، كان مستخبي تحت طرف الكنبة.
اتجمدت مكاني.
الكاميرا كانت موجهة ناحية الصالة.
سمر خرجت من المطبخ وقالت
مالك؟
ابتسمت بسرعة.
ولا حاجة، موبايلي كان وقع بس.
قعدت وكملت كلام عادي.
لكن عقلي كان في مكان تاني تمامًا.
مين حط الكاميرا؟
وليه؟
وليه جزمة أحمد موجودة هنا؟
وليه أحمد كان مصر إنه مسافر إسكندرية؟
بعد شوية نزلت شقتي.
أول حاجة عملتها إني اتصلت بأحمد فيديو.
رد بعد ثواني.
كان قاعد على سرير، وخلفه حائط أبيض.
قال
لسه صاحي؟
قلت
أيوه، كنت عند سمر.
سكت لحظة.
وبعدين قال
تمام.
ركزت في وشه.
كان متوتر.
سألته
الفندق كويس؟
قال
آه، الحمد لله.
وقبل ما أقفل، سمعت صوت معدني واضح جدًا.
صوت باب أسانسير قديم بيتفتح.
سكت.
أحمد سأل
في إيه؟
قلت
ولا حاجة.
قفلت المكالمة.
فضلت قاعدة على السرير، وبصيت للساعة.
الساعة كانت 1147.
بعد دقائق، سمعت نفس صوت الأسانسير الحقيقي في العمارة.
قمت من مكاني.
قربت من باب الشقة.
الصوت وقف عند الدور السادس.
شقة سمر.
ما خرجتش.
ما اتصلتش بأحمد.
بس في اللحظة دي بدأت أشك إن سفره مش زي ما قال.
تاني يوم الصبح، نزلت عند البواب عم رجب.
سألته بهدوء
عم رجب، أحمد سافر إمبارح فعلًا؟
بصلي باستغراب.
أيوه، مش هو

قالك؟
قلت
أيوه، بس بسأل عشان أطمن.
سكت شوية.
وبعدين قال
هو خرج من العمارة إمبارح، بس بعد كده معرفش.
الجملة دي فضلت ترن في ودني.
رجعت شقتي.
وقعدت أفكر.
كان ممكن أواجه أحمد.
كان ممكن أواجه سمر.
لكن إحساسي قالي إن المواجهة دلوقتي هتضيع كل حاجة.
فقررت أراقب.
مش عشان أتهم حد.
لكن عشان أعرف الحقيقة.
وفي نفس اليوم، وأنا برتب حاجات أحمد في الدولاب، لقيت جيب داخلي في جاكت قديم.
كان فيه إيصال مطعم.
مطعم في المعادي.
التاريخ كان نفس يوم سفر أحمد.
والطلب كان لشخصين.
لكن اللي شد انتباهي مش عدد الأشخاص.
كان مكتوب تحت الإيصال بخط صغير
الطلب رقم 317 التسليم الدور السادس.
رفعت عيني ناحية السقف.
الدور السادس.
شقة سمر.
وفي اللحظة دي، تليفوني رن.
رقم مجهول.
رديت.
ماحدش اتكلم.
بس سمعت نفس صوت الأسانسير القديم.
وبعده صوت رجل بيقول بهدوء
لو عايزة تعرفي الحقيقة، ما تثقيش في أي حد من عيلتك.
وبعدين الخط اتقفل.
فضلت ماسكة الموبايل، وقلبي بيدق بعنف.
لأول مرة، بدأت أفهم إن الموضوع مش مجرد جزمة ولا كاميرا ولا إيصال.
في سر أكبر مستخبي داخل العيلة فضلت واقفة في نص الصالة، والموبايل في إيدي، أسمع صوت أنفاسي.
الجملة الأخيرة ما كانتش بتخرج من دماغي
ما تثقيش في أي حد من عيلتك.
مين الشخص اللي اتصل؟
وليه عايز يخوفني؟
والأهم
إيه علاقة الموضوع بأحمد وسمر؟
قررت ما أقولش لأحمد أي حاجة.
ولا حتى عن المكالمة.
رجعت للإيصال اللي لقيته في جاكته، وحطيته في ظرف صغير، وكتبت عليه التاريخ.
بعدها طلعت الدور السادس.
وقفت قدام باب شقة سمر.
كنت هخبط، لكن قبل ما إيدي توصل للباب، سمعت صوتها من الداخل.
كانت بتتكلم في التليفون.
أنا مش هقدر أعمل كده تاني.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
وعدتني إن الموضوع انتهى.
قلبي دق بسرعة.
قربت من الباب أكتر.
سمعتها تقول
لو هي عرفت الحقيقة، كل حاجة هتنهار.
تراجعت فورًا.
نزلت على السلم بدل الأسانسير.
دخلت شقتي وقفلت الباب.
فضلت أفكر.
مين هي؟
أنا؟
ولا واحدة تانية؟
بعد حوالي ساعة، جالي اتصال من أحمد.
رديت طبيعي جدًا.
وصلت؟
قال
آه، وصلت من بدري.
سألته
الشغل تمام؟
تمام.
هترجع إمتى؟
سكت.
وبعدين قال
غالبًا آخر الأسبوع.
قلت
خلاص، ربنا يوفقك.
كان ممكن أسأله عن الجزمة.
عن الكاميرا.
عن الإيصال.
لكن ما عملتش.
قبل ما أقفل، قال
إنتي صوتك غريب.
ضحكت.
مصدعة شوية.
قال
خدي الدوا ونامي بدري.
قفلت.
وبمجرد ما قفلت، لقيت رسالة جديدة من الرقم المجهول.
الإيصال اللي لقيتيه مش أهم حاجة.
بعدها رسالة ثانية
دوري على الملف الأزرق.
بصيت للموبايل فترة طويلة.
ملف أزرق؟
إيه الملف ده؟
فتحت دولاب أحمد وبدأت أدور.
ملفات قديمة.
عقود.
فواتير.
أوراق شغل.
ولا أي ملف أزرق.
لحد ما افتكرت حاجة.
محمود، أخو أحمد، قبل وفاته بشهرين، كان إداني ظرف أزرق وقال لي
خليه عندك، ولو حصل لي حاجة، ما تديهش لحد غير أحمد.
وقتها استغربت، لكنه رفض يشرح.
بعد وفاته، سألت أحمد عن الظرف.
قال لي
محمود كان بيهزر معاكي، أكيد نسي الموضوع.
لكن أنا عمري ما نسيت الظرف.
فتحت درج صغير كنت حاطة فيه أوراقي القديمة.
وقلبي بدأ يدق.
الظرف الأزرق كان موجود.
لكن الغريب
إني كنت متأكدة إن الظرف كان مقفول بدباسة.
دلوقتي الدباسة كانت متشالة.
فتحته.
لقيت ورقة واحدة.
وفيها أربعة أرقام.
3174
بس مفيش أي شرح.
قلبت الورقة.
ولا كلمة.
في اللحظة دي، سمعت صوت المفتاح بيتحرك في باب الشقة.
اتجمدت.
أحمد؟
مستحيل.
هو قال إنه في إسكندرية.
قفلت الظرف بسرعة، وحطيته مكانه.
وقفت في الصالة.
الباب اتفتح ببطء.
دخل عم رجب.
بصلي وقال
آسف يا بنتي، أحمد هو اللي طلب مني أطلعلك حاجة.
ناولني كيس صغير.
أخدته منه.
إيه ده؟
قال
قال لي ما أقولكيش غير بعد ما يمشي.
فتحته.
كان جواه مفتاح صغير.
ومكتوب عليه ورقة
لو وصلتي للمفتاح يبقى لازم تعرفي ليه محمود مات.
رفعت عيني لعم رجب.
لكنه كان بالفعل خارج الشقة.
قفلت الباب.
مسكت المفتاح.
وفجأة فهمت إن السر اللي قدامي مش متعلق بسفر أحمد.
ولا بالكاميرا.
ولا بالإيصال.
السر بدأ قبل وفاة محمود بوقت طويل.
والأخطر
إن أحمد كان عارف كل حاجة.
لكن السؤال اللي خوّفني فعلًا كان
ليه أحمد، وهو مسافر، كان بيحاول يخليني أكتشف الحقيقة بنفسي؟فضلت ماسكة المفتاح الصغير وأنا مش قادرة أفهم.
ليه أحمد يسيبلي مفتاح؟
وليه يكتب اسم محمود؟
وليه يقول إن لازم أعرف سبب موته؟
لو كان فيه حادثة عربية، فالكل قال إنها مجرد حادثة.
أو على الأقل ده اللي اتقال لي.
حطيت المفتاح في جيبي، وخدت الظرف الأزرق، ونزلت للجراج.
كان فيه مخزن قديم تابع للعمارة، محدش تقريبًا بيدخله غير عم رجب.
جربت المفتاح في أول باب.
مافتحش.
التاني.
برضه.
التالت
تك.
الباب اتفتح.
دخلت.
ريحة تراب ورطوبة ضربت وشي.
المكان كان مليان حاجات قديمة كراسي مكسورة، كراتين، قطع غيار، وشنط متربة.
طلعت كشاف الموبايل وبدأت أدور.
بعد دقائق، لقيت صندوق حديد صغير.
عليه رقم مكتوب بقلم أسود

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى