
بعد دقائق من مراسم تكريم ابنتي ذات الثمانية عشر عامًا قبل التبرع بأعضائها، اختفى زوجي بعدما تلقّى مكالمة هاتفية. وبعدها مباشرةً، جاء طبيب مريم يركض نحوي وقال: «زوجك توسّل إليّ ألا أخبرك بالحقيقة بشأن ابنتك». كنت أظن أن فقدان مريم سيكون أسوأ ما يمكن أن يحدث لي في ذلك اليوم…
-
في عيد ميلاد اميمنذ 4 ساعات
-
عندي ٧٤ سنة واتجوزت ست اصغر مني بـ ٣٨منذ 7 ساعات
-
لو نفسك يا امي في الحفيد الولدمنذ 7 ساعات
-
رجعت من دبي لقيت اميمنذ 7 ساعات
لكنني كنت مخطئة.
كانت مريم مريضة منذ ما يقرب من عام، وخلال تلك الفترة أصبح المستشفى كأنه بيتنا الثاني. كنت أنا وزوجي أحمد نقضي معظم أيامنا بجوار سريرها.
لم يكن أحمد والد مريم الحقيقي، لكنه ربّاها منذ أن كانت في السادسة من عمرها.
كانت تناديه «بابا».
وكان يستحقها فعلًا.
لطالما كنت أؤمن أنني أستطيع أن أثق به في كل ما يتعلق بابنتي.
حتى اليوم الذي ماتت فيه مريم، وجعلني أشك في كل شيء.
في إحدى الأمسيات، رفعت مريم عينيها عن وجبة المستشفى وقالت:
«ماما، لو أنا ما لحقتش… عايزة أتبرع بأعضائي.»
وضعت فنجان القهوة من يدي.
«ما تتكلميش كده يا مريم.»
قالت بهدوء:
«ماما، أنا بتكلم بجد.»
ثم تابعت:
«لو فيه فرصة إن حد تاني يرجع بيته بسببي، أنا عايزة ده يحصل. مش عايزة أسرة تانية تقعد في مستشفى وتحس بنفس الإحساس اللي إحنا حاسين بيه.»
لم أستطع الرد.
كل ما فعلته أنني أمسكت يدها وبكيت.
أما أحمد، فلم يبكِ.
اكتفى بأن أومأ برأسه ببطء، وقال لها إنه سيحترم قرارها مهما كان.
ظللت أيامًا أحاول تقبّل الفكرة.
كان كل شيء بداخلي يريد أن يصدق أن مريم ستتعافى، وأن تلك الأوراق لن تكون لها أي أهمية يومًا.
لكنها كانت مصممة.
وفي النهاية، وقّعت معها الأوراق، لأنني لم أستطع أن أحرم ابنتي من أمنيتها الأخيرة.
بعد ثلاثة أسابيع، رحلت مريم.
قبل أن ينقلوا مريم إلى غرفة العمليات لإتمام التبرع بأعضائها، أقام المستشفى ما يسمونه «ممر التكريم».
وقف الأطباء والممرضون على جانبي الممر.
بعضهم أدى التحية احترامًا لها، وآخرون اكتفوا بخفض رؤوسهم في صمت.
كنت أسير خلف سرير مريم بجوار أحمد.
لا أتذكر الكثير من تلك الدقائق.
كنت أشعر وكأن شيئًا بداخلي قد انطفأ، ورؤية كل هؤلاء الأشخاص وهم يكرمون ابنتي وقرارها كسرت ما تبقى مني.
احتضنني أحمد وأنا أبكي.
وقال بصوت خافت:
«مريم عملت حاجة عظيمة.»
وفجأة، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، فتغير لون وجهه تمامًا.
«أنا… لازم أنزل تحت شوية.»
رفعت رأسي إليه من بين دموعي.
«إيه؟ ليه؟»
لكنه لم يفسر شيئًا.
واختفى مسرعًا في نهاية الممر، وتركني واقفة وحدي.
كنت لا أزال أمسك الشريط الذي وضعه أحد الممرضين على ذراعي، عندما سمعت خطوات مسرعة خلفي.
«استني! لو سمحتي… استني!»
التفتُّ، فرأيت طبيب مريم يركض نحوي.
كان في وجهه شيء لم أره من قبل.
قال وهو يحاول التقاط أنفاسه:
«مدام، محتاج أكلم حضرتك.»
شعرت بالخوف.
«فيه حاجة حصلت؟»
نظر إلى الممر الذي اختفى فيه أحمد.
ثم قال:
«جوزك توسّل لي إني ما أقولكيش الحقيقة عن مريم.»
توقفت أنفاسي.
«إيه الحقيقة؟ حصل لها حاجة قبل ما تموت؟»
هز رأسه.
«أيوه… بس مش بالشكل اللي حضرتك فاكرة.»
قادني إلى مجموعة من المقاعد القريبة، ثم قال:
«كنت أتمنى ما أضطرش أقولك الكلام ده النهارده. كنت فاكر إن عنده أسبابه، لكن بعد اللي حصل مع مريم… مش قادر أفضل ساكت.»
نظرت إليه في ذهول.
«إيه اللي حصل يا دكتور؟»
أخذ نفسًا عميقًا.
«قبل وفاتها، مريم كانت بتسأل إذا كان ممكن واحد من أعضائها المتبرع بيها يروح لشخص معين.»
نظرت إليه دون أن أفهم.
«شخص معين؟ مين؟»
قال بسرعة:
«مش هقدر أقول لحضرتك اسم أي مريض. دي معلومات سرية، ولازم تفضل كده.»
لكن عقلي ذهب فورًا إلى أحمد.
كل المكالمات المتأخرة التي كان يجريها.
كل مرة كان يخرج فيها من غرفة مريم بحجة مكالمة تخص العمل، وتطول المكالمة بشكل غريب.
والآن… الطريقة التي اختفى بها فورًا عندما بدأت إجراءات التبرع.
هل طلب أحمد من ابنتي المحتضرة أن تنقذ شخصًا يهتم به؟
شخصًا لم أكن أعرف حتى بوجوده؟
سألته:
«الموضوع له علاقة بجوزي؟ هو ضغط عليها تعمل كده؟»
قال الطبيب:
«أنا قلت لحضرتك كل اللي أقدر أقوله. من فضلك… اتكلمي مع جوزك.»
ثم تركني ومشى.
جلست عدة دقائق دون أن أتحرك، قبل أن أقرر البحث عن أحمد.
وجدته في غرفة انتظار صغيرة مخصصة لعائلات المرضى في الدور الثالث.
كان يجلس أمام زوجين لم أرهما في حياتي.
المرأة كانت تبكي في منديل، والرجل يضع ذراعه حول كتفيها.
رفع أحمد عينيه نحوي.
وما إن رآني حتى شحب وجهه.
قلت:
«أحمد… إيه اللي بيحصل؟»
وقف ببطء.
«سلمى، أنا أقدر أشرح.»
قلت بحدة لم أقصدها:
«إذن اشرح. الدكتور قال لي إن مريم كانت عايزة واحد من أعضائها يروح لشخص معين، وإنك خبيت ده عني. الناس دول ليهم علاقة بالموضوع؟»
لم يجب.








