
—اتهام بإيه؟
المحامي فتح الورقة الأولى وقرأ بصوت مسموع:
-
أجمل بنت في الدفعةمنذ 53 دقيقة
-
رجعت من المستشفيمنذ ساعتين
-
كارنية النقابةمنذ ساعتين
-
جارتي ام يوسفمنذ ساعتين
«أنا فادية… أكتب هذه الكلمات وأنا بكامل قواي العقلية، من داخل الغرفة المظلمة التي حبستني فيها زوجة أخي. أكتب لأحمي ابني ياسين. وأتهم أخي “محمود” بأنه شريك في، حيث قام بنفسه بالتوقيع على أوراق تنازل عن أملاكي، وحصل على مبالغ مالية ضخمة تم تحويلها لحسابه البنكي الشخصي طوال العشر سنوات الماضية.»
صدمتي كانت أكبر من إني أستوعبها. تراجعت لورا وسندت على الحيطة.
—أنا؟ أنا وقعت على تنازلات؟ أنا متحولش لحسابي قرش واحد من أملاك أختي!
ياسين طلع تليفونه، وفتح تطبيق البنك الخاص بيا… تليفوني اللي مراتي كانت دايماً بتمسكه بحجة إنها بتدفع الفواتير وتظبط حسابات البيت والجمعيات لأنها “أشطر مني في الحسابات”.
ياسين وراني الشاشة.
فيه حساب فرعي خفي باسمي… مكنتش أعرف عنه أي حاجة.
الحساب ده كان بيستقبل مئات الآلاف كل فترة كعائد من أطيان وعقارات أختي، وبتتسحب منه الفلوس كاش في نفس اليوم من ماكينات الصراف الآلي!
بصيت لمراتي وأنا حاسس إن الدم تجمد في عروقي.
—التوكيل العام…
افتكرت من عشر سنين، لما أختي اختفت فجأة، ومراتي أقنعتني إنها هربت بره مصر مع حد غريب بعد موت جوزها، وطلبت مني أعملها توكيل عام عشان تقدر تخلص أوراق البحث الجنائي وتتابع البنوك من غير ما تضيع وقتي في المحاكم.
مراتي استخدمت التوكيل ده عشان تفتح الحساب الفرعي باسمي، وتزور توقيعي وتوقيع أختي على أوراق التنازل والبيع والشراء!
ياسين قرب مني، وعينه مليانة دموع وعتاب مرير:
—كنت مصدقها يا خالي؟ عشر سنين ومحاولتش تدور على أختك بجد؟ كنت بتسمع كلام مراتي لما تقولك “فادية هربت وسابت ابنها عشان مش عايزة تتحمل مسؤوليته”؟ إزاي صدقت إن أمي تسيبني وتمشي؟
مراتي صرخت بأعلى صوتها وهي بتشاور عليا:
—أنا معملتش حاجة لوحدي! المحكمة مش هتصدق إنك مكنتش تعرف بالحساب البنكي اللي باسمك! إنت شريكي في السجن يا محمود! لو أنا دخلت السجن، إنت هتدخل معايا وهتتسجن بتهمة تزوير واختطاف أختك وغسيل الأموال!
المحامي بص لمراتي ببرود شديد وقال:
—الكلام ده مش حقيقي قانونياً… المرحومة فادية كانت ذكية جداً برغم قسوة حبسها. قبل وفاتها بثلاث أيام، وبمساعدة حارس قديم كان بيشفق عليها ويجيب لها الأدوية في غيابك (بص لمراتي)، قدرت تسجل فيديو كامل بالصوت والصورة بتشرح فيه كل التفاصيل، وبتقول إن محمود أخوها ملوش ذنب وإنه مغفل ومخدوع، وإن التوقيعات مزورة بالكامل من زوجته بموجب توكيل قديم.
وش مراتي اتقلب وبقى لونه شاحب زي
المحامي كمل وهو بيقفل الملف:
—لكن… الفيديو ده والوصية دي مش هما كل حاجة.
سألته بلهفة وخوف ضرب كل حواسي:
—أومال فيه إيه تاني؟
المحامي بص لياسين، وياسين أخد نفس عميق، وطلع مفتاح تاني من جيبه… مفتاح قديم ومصدي، وعليه علامة غريبة محفورة بالنحاس.
ياسين قال بصوت حاد ومرعب:
—فيه سر تاني يا خالي… سر أمي مخبياه في الخزنة اللي تحت سرير طنط. سر لو عرفته… هتعرف إن مراتي مش بس حبست أمي عشان الفلوس.
وقف ياسين وبص ناحية أوضة نومي…
—السر ده يخص موت أبويا كمان من 11 سنة. الموت اللي قالوا إنه كان سكتة قلبية مفاجئة.
ارتعشت رجلي ومبقتش قادر أقف على طولي.
وفجأة… ومن غير أي مقدمات، مراتي جريت بسرعة جنونية ناحية المطبخ…
وجريت وراها وأنا بصرخ بأعلى صوتي، وياسين والمحامي ورايا.
دخلنا المطبخ ولقيناها واقفة وماسكة كبير من بتوع التقطيع، عينيها كانت جاحظة والجنون والغل باينين في كل ملامحها. كانت بتنهج برعب وصوبت ناحيتنا وهي بتصرخ:
— محدش يقرب مني! والله العظيم اللي هيقرب ! إنتو فاكرين إنكم هترموني في السجن وتورثوا كل حاجة؟ أنا ضيعت عمري عشان أأمن مستقبل عيالي! ياسين ده كان لازم يموت مع أمه وأبوه!
لما قالت جملتها الأخيرة دي، حسيت كأن السقف وقع فوق دماغي.
— يموت مع أبوه؟! إنتِ عملتي إيه في جوز أختي يا فاجرة؟
مراتي ضحكت بمرارة ودموعها نازلة:
— جوز أختك اللي كان كاشفني؟ اللي عرف إني كنت بسرق من وراك وبشتري دهب وأراضي من ورا ضهرك؟ هددني إنه هيقولك وهيطلقني منك ويفضحني قدام عيلتي كلها! مكنش قدامي حل تاني.. حطيتله في دواه، ومات وهو فاكر إنه تعبان! والدكاترة قالوا سكتة قلبية والكل صدق.. الكل غبي! حتى أختك الغبية لما بدأت تشك فيا بعد موته وتدور ورايا، كان لازم أخلص منها.. بس مقدرتش .. مكنتش عايزة حبل المشنقة يلف حوالين رقبتي مرتين.. قلت أحبسها في مكان محدش يدور فيه.. مكان مهجور.. وأخليها تموت بالبطيء!
ياسين كان واقف، برغم دموعه وصغر سنه، كان ثابت زي الجبل. بص لمراتي بنظرة كلها كبرياء وقالها بصوت هادي ومرعب:
— والبطيء ده خلص يا طنط.. وأمي ماتت.. بس سابتلي المفتاح اللي يوديكي حبل المشنقة برضه.
المحامي عادل طلع تليفونه بسرعة وطلب الشرطة، وبدأ يمليهم العنوان بالتفصيل ويستعجلهم.
مراتي لما سمعت مكالمة الشرطة، انهار توازنها تماماً، وبدأت تبص حواليها كالمصعوبة، وفجأة وجهت لرقبتها هي!
— مش هتحبس! مش هسيبكم تشمتوا فيا!
في لحظة خاطفة، ومن غير ما أفكر في حياتي، رميت نفسي عليها ومسكت إيدها اللي فيها . دارت بيننا معركة شرسة، كانت بتتحرك بقوة وحشية كأنها . جرحت إيدي وسالت دموعي ودمائي في نفس الوقت، لحد ما قدرت أزق إيدها بعيد وأوقع على الأرض. ياسين جري بسرعة وزق برجله تحت التلاجة، والمحامي مسك مراتي من كتافها وثبتها في الأرض وهي بتصرخ وتدعي علينا وتعيط بهستيريا.
قعدت على ركب السيراميك وأنا بنهج، جرح إيدي كان بينزف بس مكنتش حاسس بيه.. الألم اللي في قلبي كان مغطي على أي وجع تاني. بصيت لياسين وقلتله بصوت مكسور:
— حقك عليا يا ابن أختي.. أنا اللي كنت مغفل.. أنا اللي ضيعت أختي وضيعت طفولتك..
ياسين قرب مني، قعد جنبي على الأرض، وبإيده الطاهرة مسح دموعي وقال:
— إنت ملكش ذنب يا خالي.. إنت كنت ضحية زيي.. هي كانت بتخطط لكل حاجة من قبل ما أمي تتخطف.. كانت أفكارك وتتحكم في كل خطوة بتخطيها.. يلا بينا نقوم.. لازم نفتح الخزنة ونشوف أمي سابت إيه قبل ما البوليس يوصل.
قومت معاه وأنا حاسس بدوار شديد. سبنا المحامي عادل ماسك مراتي اللي كانت بتئن في الأرض وتندب حظها، ودخلنا أوضة نومي.
نزلنا على ركبنا تحت السرير. ياسين مد إيده وطلع الخزنة الحديدية الصغيرة اللي كانت مستخبية في فتحة سرية ومغطية بقطعة موكيت قديمة. الخزنة كانت تقيلة وراسية.
ياسين حط المفتاح المصدي في القفل.. ولف المفتاح..
تكة القفل وهي بتفتح كانت كأنها بتفتح أبواب الجحيم اللي عشنا فيه عشر سنين.
فتحت الغطا..
وجوه الخزنة، لقيت حاجات مكنتش أتخيلها في أشد كوابيسي سواداً.
كان فيه علب أدوية فاضية.. نفس الأدوية اللي كان بياخدها جوز أختي قبل ما يموت.
وكان فيه أجندة صغيرة بخط إيد مراتي.. كاتبة فيها تواريخ، وجنب كل تاريخ اسم معين وجرعته!
لكن الصدمة الأكبر.. كانت ظرف أحمر كبير مقفول بالشمع الأحمر، ومكتوب عليه من بره بخط إيد أختي فادية الواضح:
«إلى أخي محمود.. وإلى رجال العدالة.. لو تم فتح هذه الخزنة بعد ، فاعلموا أن لم تنته بحبسي.. واعلموا أن هناك شخصاً آخر ساعد زوجة أخي في كل خطوة.. شخصاً يعيش معكم في نفس البيت ويظهر لكم الحب وهو يحمل في جيبه..»
وقفت أنفاسي وأنا بقرا السطور دي..
بصيت لياسين بذهول، وياسين بصلي وعينيه اتسعت من الرعب..
وفجأة، سمعنا صوت حركة خفيفة ورا الباب.. صوت حد كان واقف بيسمعنا من أول ما دخلنا الأوضة!
التفتنا بسرعة ناحية الباب.. وناديت بصوت مرعش:
— مين واقف بره؟!
الباب اتفتح ببطء شديد، وظهر من وراه ضل شخص ملامحه غرقانة في الضلمة.
دقات قلبي كانت مسموعة في الأوضة كلها. خطوة ورا خطوة، وبدأ الشخص ده يقرب مننا لحد ما النور جه على وشه.
كان ابني الكبير، حازم.







