قصص و روايات

ابن اختي عايش معايا

عنده 21 سنة. وشه كان خالي تماماً من أي تعبير، كأنه مكنش لسه سامع أمه وهي بتعترف جوز أختي وحبس أختي عشر سنين. كان واقف وباصص للظرف الأحمر اللي في إيد ياسين بنظرة باردة غريبة، نظرة عمري ما شفتها في عيون ابني اللي ربيته.

قلت بصوت مرعش وأنا بحاول أتماسك:

مقالات ذات صلة

— حازم؟ إنت واقف هنا من إمتى؟ وسمعت إيه؟

حازم مد إيده في جيب بنطلونه، وطلع علبة صغيرة، وحطها على الترابيزة اللي جنب الباب بهدوء مريب. وقال بصوت واطي ومستقر:

— سمعت كل حاجة يا بابا.. من أول ما ياسين دخل بالحصالة لحد ما المحامي اتصل بالبوليس.

ياسين بص لعلبة ، وبعدين بص لحازم، وعينيه لمعت بدموع جديدة، بس المرة دي كانت دموع خيبة أمل في الشخص اللي كان بيعتبره أخوه الكبير. ياسين قال بصوت مبحوح:

— دي.. دي اللي كنت بتخليني أحطها لعيني لما كانت بتوجعني يا حازم؟ اللي كنت بتقولي إنها مهدئة؟

حازم مبردش عليه، لكن بصلي أنا وقال:

— بابا.. أمي مكنتش بتعمل كل ده لوحدها. أنا اللي كنت بساعدها.

سندت على دولاب الهدوم لأني حسيت إن ركبي مش شايلاني. ابني؟ حازم اللي كنت بستشيره في كل حاجة؟ اللي كنت بقول عليه سندي في الدنيا؟

— إنت يا حازم؟ إنت تشترك مع أمك في حبس عمتك؟ ابن عمتك اليتيم اللي عايش معاك في نفس الأوضة؟ ليه؟ أنا قصرت معاكم في إيه؟

حازم صوته علي شوية، وبدأ الغضب يظهر على ملامحه:

— قصرت في إنك كنت دايماً شايف ياسين وأهله أحسن مننا! كنت دايماً تقولي شوف ياسين مؤدب إزاي، شوف ياسين هادي إزاي! أمي فهمتني من وأنا عندي 12 سنة إن فلوس عمتي دي من حقنا إحنا. إن عمتي وجوزها أخدوا ورث مش بتاعهم. فهمتني إننا لو سكتنا، ياسين هيكبر ويأخد كل حاجة وإحنا مش هنلاقي ناكل!

صرخت فيه بأعلى صوتي والدموع مغرقة وشي:

— دي أختي! وده ابنها! دي فلوسهم ورثهم من أبوهم وأمهم! إنتو إيه؟ شياطين؟ إزاي قدرت تبص في وش ياسين كل يوم وتنام جنبه في نفس الأوضة وإنت عارف إن أمه  ؟

حازم ضحك بسخرية ممريرة:

— كنت ببص في وشه عادي يا بابا.. لأن ياسين مكنش بيصعب عليا. أنا اللي كنت بروح الملحق القديم بالليل لما أمي تتعب. أنا اللي كنت برمي لأختك الأكل من فتحة السقف الصغيرة. وأنا اللي كنت بحط لياسين المادة اللي في دي في العين بتاعته عشان دايماً يفضل خامل، وذاكرته تضعف، وميركزش في أي حاجة بتحصل حواليه! عشان لما يطلب أكل أو يفتكر تفصيلة من يوم موت أبوه، ينسى تاني يوم!

ياسين حط إيده على راسه كأنه بيكتشف سر الصداع المزمن والخمول اللي كان بيعاني منهم طول سنين طفولته ومراهقته. بص لحازم وقال بكسرة:

— عشان كده.. عشان كده كنت دايماً تجيبلي وتقولي “عليك مجهدة من المذاكرة يا ياسين”.. كنت بالبطيء يا ابن خالي؟

المحامي عادل تدخل بسرعة وهو ماسك التليفون وباصص لحازم بحذر:

— يا حازم، البوليس على وصول. اعترافك ده هيتسجل، والظرف اللي في إيد ياسين فيه أدلة تدينك إنت وأمك بشكل كامل. مفيش مفر.

حازم بص للمحامي ببرود وقال:

— إنت فاكر إني خايف من البوليس؟ أنا مأمن نفسي كويس أوي.. وبابا كمان مأمنني.

بصيتله بذهول:

— أنا؟ مأمنك في إيه؟

حازم طلع تليفونه وضغط على زرار، وفجأة اشتغل تسجيل صوتي بصوتي أنا!

التسجيل كان بيقول: “يا حازم، أنا موافق على كل اللي بتعمله أمك.. الفلوس دي لازم تدخل حسابنا بأي طريقة، وفادية لازم تفضل بعيد عننا ومحدش يعرف عنها حاجة.”

برقت عيني بالرعب والصدمة.

— التسجيل ده كدب! أنا عمري ما قلت الكلام ده! ده مش صوتي.. لأ، ده صوتي بس أنا مقلتش الجمل دي!

حازم ابتسم بثقة شريرة:

— طبعاً مقلتهاش يا بابا.. دي تقنية الذكاء الاصطناعي لتزييف الأصوات. جمعت مقاطع من صوتك على مدار سنتين وركبت الجمل دي بدقة عالية جداً. لو أنا وأمي دخلنا السجن، التسجيل ده هيروح للنيابة، وهتتحبس معانا بتهمة التخطيط والتحريض.. يعني يا ننجو سوا، يا نغرق سوا!

في اللحظة دي، سمعنا صوت سرينات عربيات الشرطة وهي بتقف تحت البيت بأعداد كبيرة. صوت الأبواب الحديدية للعربيات وهي بتتفتح، وصوت خطوات العساكر السريعة وهي طالعة على السلم.

مراتي اللي كانت مرمية في المطبخ بدأت تصرخ وتنادي على حازم:

— الحقني يا حازم! البوليس جه! اخلص منهم!

حازم ملامحه فجأة اتحولت للجنون.. مد إيده في جيبه التاني، وطلع جهاز صغير فيه زرار أحمر.. وبص لياسين وليا وقال بصوت مرعب:

— أنا مش هسجن.. والموت أسهل لي من إني أشوف ياسين بياخد كل حاجة وإحنا بنتدمر. الملحق القديم مش هو المكان الوحيد اللي كنا بنخبي فيه الأسرار.. البيت ده نفسه مبني فوق قنبلة موقوتة!

ياسين صرخ:

— خالي! امسكوه! الجهاز ده متوصل بـ…

وقبل ما ياسين يكمل جملته، حازم ضغط على الزرار الأحمر.. وصوت صفير حاد جداً بدأ يطلع من جدران الأوضة!

يتب في الجزء الخامس والأخير..)

الصوت الحاد كان بيزيد سرعة وقوة، كأنه عد تنازلي لشيء كارثي. ريحة غاز قوية ونفاذة بدأت تنتشر في الأوضة بسرعة رهيبة.

ياسين صرخ وهو بيكح:

— الغاز يا خالي! حازم موصل المحبس الرئيسي للبيت بنظام إشعال ذاتي كهربي تحت السرير! لو الشرطة دخلت وفتحت الباب بالكهربا أو أي شرارة حصلت، الشقة كلها هتنفجر!

حازم ضحك بجنون وهو بيتراجع لورا ناحية الشباك:

— مفيش حد هيخرج من هنا ومعاه ورق يدمرني! الورق ده هيموت هنا.. وإنتو معاه!

في اللحظة دي، الباب الخارجي للشقة اتكسر بقوة، ودخلت قوة من الشرطة يقودها ضابط برتبة رائد، وتحت إيديهم مراتي اللي كانت بتصرخ وهي مكلبشة. الضابط شم ريحة الغاز وصرخ في عساكره:

— بسرعة! اقطعوا كهربا العمارة كلها من المفتاح الرئيسي بره! حدش يشغل كشافات أو تليفونات!

حازم لما شاف الضابط داخل الأوضة، رمى نفسه من شباك الدور الأول على جنينة البيت وهرب في الضلمة. الضابط صرخ:

— وراه! امسكوه بسرعة!

ياسين مجريش ورا حازم، لكن عينه كانت على شيء واحد.. الظرف الأحمر والعلب اللي جوه الخزنة. رمى نفسه على الأرض وسط ريحة الغاز الخانقة اللي بدأت تسحب الأكسجين من الأوضة، وسحب الظرف الحديدي بقوة. أنا جريت عليه وسحبته لبره الأوضة وإحنا بنكح ودموعنا نازلة من الغاز.

المحامي عادل كان واقف بره في الصالة، ملامحه كانت هادية زيادة عن اللزوم برغم الفوضى وصراخ مراتي والشرطة اللي بتجري ورا ابني في الشارع. بصيتله بشك وأنا باخد نفسي بصعوبة:

— أستاذ عادل.. إنت كنت عارف إن فيه غاز وفيه خطر هنا؟ ليه م حذرتناش؟

عادل ميردش عليا، وبص لياسين وقال بنبرة غريبة وجافة:

— ياسين.. هات الظرف ده بسرعة. لازم أحفظه في أحراز  قبل ما يضيع أو يتلف من الغاز.

ياسين، برغم التعب والخمول اللي كان مسيطر عليه بسبب اللي كان بياخدها سنين، تراجع خطوتين لورا وحضن الظرف لصدره وقال بنبرة شك:

— لأ يا أستاذ عادل.. أمي قالتلي في وصيتها الشفوية القديمة.. “الظرف الأحمر ميسلموش ياسين إلا للقاضي بنفسه في المحكمة.. ومحدش يلمسه قبله.”

ملامح المحامي عادل اتغيرت في ثانية. البرود والهدوء اللي كان عليه اختفوا تماماً، وحل مكانهم نظرة غل وتهديد واضحة. خطى خطوة سريعة ناحية ياسين ومد إيده بقوة عشان يشد الظرف منه، لكن أنا وقفت في النص وزقيته بعيد.

— في إيه يا متر؟ الولد قالك مش هيسلم الظرف غير في المحكمة! إنت مستعجل عليه كده ليه؟

الرائد أحمد (ضابط المباحث) دخل الصالة بعد ما العساكر أمنوا محابس الغاز وفتحوا الشبابيك كلها للتهوية. بص لعادل بشك وقال:

— في إيه هنا؟ إيه الظرف ده؟

عادل اتوتر بسرعة وقال:

— يا فندم ده حرز أساسي في ، وأنا كمحامي الضحية لازم أستلمه عشان أقدمه للنيابة مع بلاغ الاختطاف

ياسين صرخ بصوت عالي وهو بيفتح طرف الظرف الأحمر اللي كان مقفول بالشمع، والورق بدأ يظهر منه:

— لأ يا حضرة الضابط! المحامي ده كداب! بص على الورقة دي!

ياسين سحب ورقة من الظرف، وكانت عبارة عن عقد بيع وتنازل عن نص أطيان أمي.. والمشتري مكنش مراتي، ولا حازم..

المشتري كان “عادل عبد الرحمن”.. المحامي نفسه! وبسعر بخس جداً وتاريخ العقد كان من 5 سنين! يعني في وسط فترة حبس أمي!

وقعت الصدمة عليا تاني كأنها جبل بيهد فوق راسي. بصيت لعادل وأنا مش مصدق:

— إنت؟ إنت شريك معاهم؟ إنت اللي كنت بتخلص لمراتي ورق التنازلات وبتشتريه لنفسك؟

عادل تراجع لورا وبدأ يحس إن الخناق بيضيق عليه، خصوصاً مع نظرات الضابط أحمد اللي شاور لعساكره يقفلوا باب الشقة ويحاصروه. عادل ضحك بسخرية وقال:

— هههه.. فادية هي اللي عرضت عليا البيع عشان تشتري حريتها! مرتك كانت حابساها، وأنا كنت الوسيط اللي بيقنع فادية تمضي على التنازلات مقابل إننا نخفف عنها ونبطل ندي ابنها ! أنا مكنتش شريك في الحبس.. أنا كنت مجرد رجل أعمال بيستغل الفرصة!

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى