
اتجمدت للحظة، لكن في نفس الثانية وصلتها رسالة جديدة
بصي تحت طفاية الحريق.
لفت رأسها بسرعة، ولقت طفاية قديمة متعلقة على الحائط. رفعتها، فاتكشف وراها تجويف صغير فيه مفتاح نحاس.
إيديها كانت بتترعش وهي بتحاول تدخله في الباب.
لفة…
اتنين…
ثم…
تك.
الباب اتفتح.
دخلت بسرعة وقفلت وراها.
الغرفة كانت صغيرة، مليانة أجهزة قديمة، وشاشات مطفية، وأسلاك مالية المكان، كأنها كانت مركز اتصالات واتقفل من سنين.
بعد ثوانٍ…
سمعت الناس اللي برة وقفوا قدام الباب.
واحد منهم قال الباب ده مقفول من زمان… مستحيل تكون دخلته.
رد عليه التاني كملوا النزول.
وبعد أقل من دقيقة…
اختفت أصواتهم.
سلمى أخيرًا أخدت نفس طويل.
لكن راحتها ما كملتش.
لأن كل الشاشات المطفية في الغرفة اشتغلت مرة واحدة.
صورة واحدة ظهرت على كل شاشة.
كانت صورة الصالة بتاعة شقتها…
لكن الغريب إن الصورة مباشرة، كأن الكاميرات لسه شغالة.
وشافت الرجالة بيفتشوا كل ركن.
ثم ظهر شخص جديد دخل الشقة.
أول ما شافه الباقيين، وقفوا باحترام من غير ما ينطقوا.
الرجل كان لابس معطف أسود طويل، ووشه ملامحه هادية بشكل مخيف.
بص مباشرة ناحية إحدى الكاميرات، ثم قال بهدوء
سلمى… لو بتشوفي البث ده، يبقى وصلتي للمكان اللي كنت عايزك توصلي له.
اتسعت عيناها.
إزاي… إزاي عارف؟!
أكمل الرجل
المكالمة اللي بدأتيها كانت صدفة… لكن اللي حصل بعدها مبقاش صدفة. في حد استخدم رقمك قبل أيام لاختراق شبكة خاصة، ولما اتصلتي بيا، كل الشكوك اتحولت ناحيتك.
ثم سكت لحظة، وأضاف
دلوقتي قدامك اختيار واحد… تعرفي الحقيقة كاملة، أو تفضلي هاربة من حاجة حتى إنتِ مش فاهمة هي إيه.
وفي اللحظة دي…
الجهاز الوحيد الموجود في منتصف الغرفة بدأ يرن، وعلى شاشته ظهر زر واحد فقط مكتوب عليه
قبول الاتصال اتجمدت سلمى في مكانها، وإيديها لسه على مقبض باب الخدمة.
صوت الباب الرئيسي وهو بيتفتح كان بطيء… كأنه حد بيتأكد إن مفيش صوت يفضحه.
صرير خفيف…
ثم سكون.
بعده بخطوة…
واتنين…
حد دخل الشقة.
سلمى كتمت نفسها، وسابت الموبايل على وضع الصامت.
لكن الشاشة نورت لوحدها برسالة جديدة
متحاوليش تجري دلوقتي… اللي دخل مش لوحده.
بصت للممر من بعيد. مكنتش شايفة غير طرف ظل بيتحرك على الحيطة.
وبعدين سمعت صوت راجل بيهمس
فتشوا كل أوضة.
اتقسمت الخطوات في الشقة.
واحد ناحية الصالة…
واحد ناحية أوضة النوم…
وثالث وقف قدام باب المطبخ.
سلمى حست إن أي نفس زيادة هيكشف مكانها.
وفجأة…
الموبايل اهتز مرة تانية.
لما أعد من واحد لتلاتة… افتحي باب الخدمة وانزلي من غير ما تبصي وراكي.
بدأ العد.
واحد…
الرجل الواقف قدام المطبخ قرب خطوة.
اتنين…
إيده اتحركت ناحية مقبض الباب.
تلاتة.
لفت سلمى المقبض بسرعة، وفتحت باب الخدمة.
طلع قدامها سلم حديد ضيق نازل لأسفل، والضلمة مغطياه بالكامل.
أول ما نزلت أول درجة…
سمعت صوت الباب اللي وراها بيتفتح بعنف.
هنا!
صوت صرخة رجّت المكان.
جريت على السلم، وصوت خطواتهم بقى وراها مباشرة.
وفجأة، وهي بتنزل، لمحت بابًا معدنيًا صغيرًا في منتصف السلم، عليه لوحة قديمة مكتوب عليها
ممنوع الدخول غرفة الاتصالات.
وفي نفس اللحظة وصلتها آخر رسالة
ادخلي الأوضة دي فورًا… لأنها المكان الوحيد في العمارة اللي مش هيلاقوكي فيه سلمى فضلت باصة للجهاز، وكأن الزر مكتوب عليه مصيرها.
الرنة استمرت…
مرة…
واتنين…
وتلاتة.
أخيرًا مدت إيدها وضغطت على قبول الاتصال.
الشاشات كلها اسودت للحظة، ثم ظهر نفس الرجل، لكن المرة دي كان قاعد في مكان واسع، وراه خرائط وشاشات كتير.
قال بهدوء
أول حاجة… اسمك سلمى، عندك خمسة وعشرين سنة، وبتشتغلي مترجمة من البيت. صح؟
شهقت.
دي معلومات عمرها ما قالتها لحد في المكالمة.
قال بسرعة قبل ما تتكلم
متخافيش… المعلومات دي مش سر بالنسبة للي بيدوروا عليكي.
سألته وهي بتحاول تسيطر على خوفها
إنت مين؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
اسمي مش مهم دلوقتي… المهم إن في شخص داخل المنظمة اللي كنت بتكلم معاها استخدم رقمك كستار عشان يخفي تحركاته.
وأنا ذنبي إيه؟
إنك اتصلتي في التوقيت الغلط.
قبل ما يكمل…
صدر صوت صفارة حادة داخل الغرفة.
أحد الشاشات اتحولت لخريطة العمارة، وظهرت عليها نقطة حمراء بتتحرك.
ثم نقطة تانية…
وثالثة…
كلهم متجهين ناحية غرفة الاتصالات.
الرجل رفع نظره للشاشة وقال لأول مرة بنبرة حادة
هم اكتشفوا مكانك.
سلمى قامت بسرعة.
أعمل إيه؟
قال
افتحي الدولاب الحديد اللي على يمينك.
فتحته، فلقت ممرًا ضيقًا جدًا خلفه، بالكاد يسع شخصًا واحدًا.
وأضاف
الممر ده بيوصل لمبنى مجاور. اتحركي بسرعة، ومتقفليش الدولاب وراكي.
أول ما دخلت الممر…
سمعت صوت
ارتطام قوي بالباب المعدني للغرفة.
دوم!
ثم ضربة تانية أقوى.
دوم!
والباب بدأ يتقوس للداخل.
سلمى جرت في الممر المظلم، وكانت تسمع الضربات بتزيد خلفها.
وبمجرد ما لمحت ضوءًا في نهاية الممر، خرجت إلى مخزن قديم مليان صناديق خشب.
لكنها توقفت فجأة…
لأنها سمعت صوت شخص يتكلم من خلف أحد الصناديق
كنت عارف إنهم هيجبوكي لحد هنا… استنيتِ أطول مما توقعت خرج رجل في منتصف الأربعينيات من خلف الصناديق، رافع إيديه عشان يبين إنه مش مسلح.
قال بهدوء اسمي كريم. .. وأنا الشخص اللي حاول يحذرك من أول لحظة.
سلمى رجعت خطوة لورا وقالت إنت تبعهم؟
هز رأسه بالنفي.
لا… كنت شغال معاهم زمان، لكن سيبتهم من سنين. ولما مكالمتك دخلت في الوقت الغلط، المنظمة افتكرت إنك جزء من خطة لتسريب معلومات، فبدأوا يطاردوكي.
في نفس اللحظة، رن الهاتف.
كان نفس الرجل الغامض.
رد كريم على مكبر الصوت.
جاءه الصوت هادئًا
انتهت اللعبة.
ثم ساد الصمت.
بعد ثوانٍ، دوّت صفارات الشرطة خارج المبنى، وامتلأ المكان بأصوات السيارات.
اتضح أن كريم كان قد أرسل موقع المبنى سرًا إلى السلطات قبل دقائق، مستغلًا انشغال أفراد المنظمة بمطاردة سلمى.
حاول أفراد العصابة الهرب، لكن المبنى كان محاصرًا من كل الجهات، وتم القبض على عدد كبير منهم، بينما فرّ بعض الباقين.
بعد أيام، استدعت الجهات المختصة سلمى للاستماع إلى أقوالها. وبعد مراجعة تسجيلات المكالمات وكاميرات المراقبة، تأكد للجميع أنها لم تكن سوى فتاة اتصلت برقم عشوائي بدافع المزاح، وأنها لم تكن تعلم أي شيء عن المنظمة أو صفقاتها.
أما الرجل الذي رد عليها، فكان أحد قادة المنظمة، وقد أدى انقطاع الاجتماع بسبب المكالمة المفاجئة إلى ارتباك بين أفرادها، فشكّ بعضهم في بعض، وانهارت الصفقة التي كانوا يخططون لها، لتبدأ بعدها سلسلة من الخلافات كشفت التنظيم بأكمله.
عادت سلمى إلى حياتها، لكنها لم تعد كما كانت.
حذفت كل الأرقام الغريبة من هاتفها، وغيرت رقمها، وصارت كلما سمعت أحدًا يقول خلينا نهزر بمكالمة عشوائية، تبتسم ابتسامة باهتة وترد
مكالمة مدتها سبع ثوانٍ كانت كفاية تغيّر حياتي. .. وتوقع إمبراطورية كاملة.
تمت.
-
نهاية الطمعمنذ ساعتين
-
كنا مشغلين ماتش لكاس العالممنذ ساعتين
-
حلق بنتيمنذ 3 ساعات
-
بعد 20 سنة زواجمنذ يومين
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








