قصص و روايات

حلق بنتي

بدأ الضابط في شرح الحقيقة التي نزلت عليّ كالصاعقة. صبري لم يكن مجرد أب مكلوم؛ صبري كان يعاني من ” تطورت إلى انفصام حاد. في تلك الليلة المشؤومة، لم تختفِ “هنا” في وسط البلد. “هنا” لم تخرج من البيت أصلاً.
“بنتك ما يا مدام نادية،” قالها الضابط وعيناه مثبتتان على صبري الذي بدأ جسده يرتجف بشدة، “بنتك كانت أول في سلسلة ” اللي اخترعها جوزك في دماغه المړيضة. كان عليها من العالم، عليها تكبر وتسبه، فقرر  ده عشان تفضل دايماً ‘بنت الـ 11 سنة’ اللي هو بيحبها. الحلق ده.. كان بيطلعه كل فترة عشان يلمسه ويفتكر، ولما ضاع منه امبارح في السوق، اټجنن، لأنه فقد الرابط الوحيد اللي كان بيخليه يسيطر على هالوساته”.
لم أعد أسمع شيئاً. العالم توقف. الضباط ، وكنت أتبعهم كالمسحورة، غير مصدقة أن هذا كان تحت قدمي وأنا أنظف البيت وأطبخ وأنام في الغرف المجاورة.
عندما دخلت ، لم أجد “هنا” الصغيرة التي أنتظرها. وجدت غرفة مبطنة بالكامل، فيها سرير صغير، ودمى قديمة، وأدوات رسم، ورسومات “هنا” التي كانت ترسمها وهي . وفي ركن الغرفة، كان هناك كرسي هزاز، تجلس عليه شابة في العشرين من عمرها، شعره طويل جداً، جسدها نحيل كغصن يابس، تنظر للضوء القادم من الممر بعيون خائڤة، وكأنها لم ترَ الشمس منذ دهر.
نظرت إليّ، وبصوت مبحوح، شبه معډوم، قالت: “ماما؟ إنتي جيتي تاخديني؟ أنا رسمتلك كل الرسومات اللي طلبتيها.. أنا كنت شاطرة.. صح؟”
سقطتُ على ركبتي، لم أستطع الحراك. شعرت بروحها وهي تتفتت أمامي. صبري، الذي دخل مكبلاً، بدأ يضحك بصوت عالٍ ، متمتماً: “كنت بحميها.. كنت بحميها من العالم .. هي ملكي، هي هنا، هي صغيرة، مش هتكبر.. مش هتسيبني”.
تم إلقاء القبض على صبري، وتم نقل “هنا” إلى المستشفى فوراً. كانت تعاني من سوء تغذية حاد، واكتئاب حاد، وحالة من الړعب المزمن من أي شخص يدخل الغرفة.
مرت الأيام، وتغيرت حياتي بالكامل. أصبحتُ أعيش في المستشفى بجانب “هنا”. بدأت رحلة طويلة من العلاج النفسي والجسدي. لم تعد “هنا” الصغيرة التي فقدتها، لقد كبرت في مكان لا يعرف الزمن، وسړقت منها أعظم سنوات عمرها.
ذات ليلة، بينما كنت أجلس بجانب سريرها، أمسكت يدي. كانت يداها باردتين. قالت بوضوح هذه المرة: “ماما، الحلق اللي لقيتيه في السوق.. كان الحلق اللي أنا رميته من فتحة التهوية الصغيرة، كنت ببعت رسالة لأي حد.. كنت بستنجد بيكي”.
بذلت قصارى جهدي لأعوضها. حاولت أن أملأ حياتها بالألوان، بالخروج، بالناس. لكن صبري ظل شبحاً يطاردنا، ليس في البيت، بل في كوابيس “هنا”. لم نعد نعيش في ذلك البيت، بعته بكل ما فيه، وتبرعت بثمنه لجمعيات حماية الأطفال.
بعد سنوات، وفي جلسة محاكمة صبري الأخيرة، وقفتُ أمام القاضي وأمامي صبري داخل القفص. كان يشيخ بسرعة، شعره أبيض بالكامل، وعيناه باهتتان. لم يطلب العفو. بل نظر إليّ وقال ببرود: “أنا عملت اللي كان لازم يتعمل.. لو عاد الزمن، تاني”.
حُكم عليه بالسجن المؤبد. وبمجرد خروجي من قاعة المحكمة، تنفست بعمق لأول مرة منذ عشر سنوات. كانت “هنا” تنتظرني في السيارة. كبرت، وأصبحت امرأة جميلة وقوية، رغم كل الندوب التي في روحها.
نظرنا إلى بعضنا، لم نحتج للكلام. كانت تلك الرحلة الطويلة التي بدأت بقطعة ذهبية صغيرة في سوق الجمعة، قد انتهت بسلام. لم تعد “هنا” مفقودة، ولم تعد لقد استعدتها، واستعدت نفسي معها.
عدتُ للمنزل في تلك الليلة، أخرجت الحلق الذي وجدته، الحلق الذي تسبب في كشف الحقيقة. نظرت إليه، ثم رميته في البحر. لم يعد للحلق أهمية، فقد أصبحت “هنا” حرة، وهذا هو كل ما كان يهم في هذا العالم.
أغلقتُ صفحة “صبري” للأبد، وبدأت أكتب صفحة جديدة مع ابنتي، صفحة عنوانها “الحياة”.. حياة استعدناها من بين براثن الجنون، حياة تستحق أن نعيشها للنهاية، مهما كان الثمن.
**تمت.**

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

مقالات ذات صلة
2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى