قصص و روايات

شاف امه

رحلت أمي من سبعة وعشرين سنة. النهاردة لقيتها بتشحت قدام جامع الحسين. ​كانت قاعدة على الأرض، ضهرها ساند على الحيطة الحجر، وبين إيديها صورة قديمة ومبهوقة لولد عنده حوالي تمان سنين. خدت وقت على ما استوعبت إن الولد ده هو أنا. ​اتسمرت في مكاني. فضلت ماسك في الحيطة اللي ساند عليها ومسيبتهاش، حتى لما أسماء، خطيبتي، ضغطت على دراعي وهمست بالكلام اللي أنا نفسي مكنتش قادر أواجه نفسي بيه:

 

مقالات ذات صلة

— شريف.. الست دي نسخة من مامتك!

​كانت عيونها هي هي.. نفس الخَضار اللي بشوفه كل يوم الصبح في المراية. نفس رسمة الفك اللي أبويا كان دايماً يقولي إنها واخدها منها.

​وأبويا حط إيده على صدره وحلفلي بالله إنه بإيده.. وإنه شافها وهي بتنزل ا.

​سبعة وعشرين سنة وأنا بدور على ملوش وجود، ودلوقتي واقف قدامي صاحي، وبيتسول قروش.

​كنت عيل عندي تمان سنين في آخر صباح شفتها فيه.

كان في شهر أبريل.. خدتني من إيدي للمدرسة زي كل يوم، عدلتلي ياقة القميص، وقالتلي خليك شاطر واسمع الكلام، . كانت ريحتها فل وياسمين. ده الحاجه الوحيدة اللي باقية معايا منها كاملة: ريحتها الفايحة وإيدها الدافية.

​لما خرجت من المدرسة ملقتهاش.. ومجعتش تاني أبداً.

​أبويا قعدني ليلتها، خدني في لحد ما دموعي نشفت، وقال لي إن حصلت قضاء وقدر.. وإن ماما راحت عند ربنا. قال لي إنها ملحقتش تودعني بس كانت

​عملنا عزا، وكان فيه شواهد مكتوب عليها اسمها. وأنا صغير كنت بروح مع أبويا كل جمعة نقرأ لها الفاتحة ونحط صبار وياسمين.

​وأبويا، الله يرحمه ويحسن إليه، كان أجدع وأطهر راجل عرفته في حياتي.  واشتغل ليل نهار عشان يربيني ويكبرني لوحدي. عمره ما فكر يتجوز تاني؛ كان يقولي هي ست واحدة كفتني العمر كله. بنى من الصفر التجارة والبيزنس اللي أنا ورثته عنه وخليته بالإسم والسمعة اللي هو عليها النهاردة.

​كل ما كانت صورتي تنزل في المجلات والجرائد كشاب ناجح، كنت بقول لنفسي: يا ريتك كنتِ موجودة تشوفيني يا أمي.

​بس في حاجة عمري ما حكيتها لمخلوق.. آخر حاجة عملها أبويا قبل ما تطلع روحه.

​كان خلاص النفس بالعافية، مسك معصم إيدي بكل قوة باقية فيه، وبصلي بنظرة رعب وعذاب عمري ما شفتها في عينه قبل كده، وحاول ينطق. مطلعش منه غير اسم أمي وكلمة واحدة: «سامحني».

​أنا وقتها افتكرت إنه حاسس بالذنب عشان ملحقش ينقذها زمان. وقولتله مفيش حاجة أسامحك عليها يا حج.

​دلوقتي، قدام جامع الحسين، والست دي عيونها في عيني، الكلمة دي بدأت تبرك على صدري زي الجبل.

لأن في اللحظة دي افتكرت حاجات عشت نص عمري بهرب من إني أبص في وشها.

​أمي عمر ما كان مكتوب عليه تاريخ ميلادها.. تاريخ  بس. وأنا عيل سألت أبويا ليه، قام مغير السيرة.

​كان دايماً يسبقني على المدافن ويقولي «هروح أنظف الحوش»، ويخليني أستنى في العربية وقت طويل.

​ولما وجيت أفرز أوراقه ومكاتيبه، لقيت حاجة مفهمتهاش وقتها: على مدار سبعة وعشرين سنة، كل أول شهر، أبويا كان بيبعت فلوس لعنوان في حي السيدة زينب. افتكرتها لله، عمل خير من بتوعه، ومقرتش التفاصيل.

​طلعت الموبايل في ساعتها وإيدي بتتغشّ، وفتحت الخريطة أدور على العنوان.

كانت لوكاندة قديمة وتعبانة.. على بعد ثلاث شوارع بس من المكان اللي الست دي قاعدة فيه.

​وهناك، في وسط الساحة والزحمة، فهمت إني عشت نص عمري ببكي على فاضي، في حين إن أبويا، أكتر راجل حبّيته في الدنيا، كان بيدفع إيجار الست

​قربت منها.. مش عارف إزاي، رجلي مكنتش شايلاني.

قعدت قبالها على ركبي. من قريب كانت أكبر: ده وشي أنا، بس بعد ثلاثين سنة بهدلة وشقا في الشوارع.

سألتها والصوت بيقطع في حنجرتي: — اسمك إيه يا حجة؟

​رفعت عينها براحة، بصت لبدلتي، لساعتي، ورجعت تبص تاني للصورة القديمة اللي في إيدها.

قالت بصوت واطي ومكسور: — العفو يا بيه.. أنا مش الست اللي بتدور عليها.

— قوليلي اسمك.. أرجوكي لله.

​نطقته.. كان اسم أمي.

نفسي اتكتم فجأة.

قولتلها: — أنا شريف.. أنا ابنك.

​وهنا عملت حاجة قطعتلي قلبي: معيطتش من الفرحة. غمضت عينها وكأنها بتستقبل بقالها سنين مستنياها تنزل عليها.

همست: — مكنش ينفع تلاقيني يا ابني.

— أبويا قالي إنك ! سبعة وعشرين سنة! ليه عمل فينا كده؟

​بصتلي بعيونها اللي شبه عيوني، ولأول مرة متهربتش بنظرها:

— أبوك معملكش حاجة وحشة.. أبوك صان الأمانة. شال الشيل لوحده واستحمل فوق طاقته عشان تكبر نضيف وراسك مرفوعة.

— صان أمانة إيه؟

— اللي أنا طلبتها منه.

​الصورة وقعت من إيدها على الأرض.. صورتي وأنا عندي تمان سنين، آخر سنة شافتني فيها.

كملت، وصوتها كان هادي ومفيهوش ذرة غل، وده كان أرعب حاجة: — كان ممكن أخبط على بابك ألف مرة. شفت صورك في الجرايد، وعارفة ماركة عربيتك، ويوم ما بنتك اتولدت أنا عرفت. وأنا اللي اخترت أفضل هنا.

زعقت ودموعي نازلة: — ليه؟ في أم في الدنيا تختار الشارع وتسيب ابنها؟

​وهنا قالتلي الجملة اللي رشقِت في نفوخي من ساعتها ومبتخلينيش أدوق النوم:

— أنا حرمتك من الأم.. عشان أضمن لِك الأب.

​فضلت قاعد مش عارف.. هل اللي قدامي دي الست اللي رمتني، ولا الست الوحيدة اللي ضحت بجد وباعت عمرها عشاني؟

​قالت وهي بتمسك إيدي، وكانت دافية زي نفس الصبح بتاع زمان: — مش أبوك اللي كدب يا شريف.. أنا اللي خليته يحلف على المصحف إنه قدام عينك. هو رفض لآخر يوم في عمره. عشان كده طلب منك السماح وهو : عشان سمع كلامي أنا وعصى كلامه ليك.

​جسمي بطل يتنفض فجأة. سكت تماماً وأنا ساند على الرصيف وإيدها في إيدي.

قالت: — بقالي سبعة وعشرين سنة بدعي ربنا في كل صلاة إنك متوصلش ليا. مش عشان مكسوفة من حالي.. لأ. عشان اليوم اللي هتعرف فيه أنا مشيت ليه، هتخسر صورة أبوك البطل اللي كنت بتعبده.. وأنا مش عارفة أنت هتقدر تستحمل دي ولا هتهدك.

بصت لنقطة ورايا، تنهدت وطلعت الآه من قلبها، وبدأت تحكيلي السر الوحيد اللي أبويا حلفها متقولوش غير في .

السابق1 من 4
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى