
قالت وهي بتمسك إيدي، وصوتها يادوب طالع وسط زحمة الساحة: «أبوك يا شريف مكانش كداب، أبوك كان مخير بين يكسر بقلبك ويعيشك في خزي، أو إنه يشيل ذنب كدبة عاش بيها لحد ما ».
سكتت لحظة، ونظرة عيونها الخضرا كانت بتلف بين ملامحي وبين مائدة الرحمن القريبة مننا اللي الناس بدأت تتجمع حواليها. مسحت دموعها بطرف طرحتها القديمة وكملت:
-
بعد 20 سنة زواجمنذ يوم واحد
-
جوزي خلاني اربي بنتمنذ يوم واحد
-
ابو ولادىمنذ يوم واحد
-
قبل فرح ابنى بكام يوممنذ يوم واحد
— «من سبعة وعشرين سنة، لما كنت أنت لسه بتخطو في الدنيا، أنا .. زمان مكانش حد بيرحم فيها. أبوك وقف قدام أهله وقدام الدنيا كلها عشان يداري عليا، بس السكي..نة لما ، والناس بدأت تتكلم، كان لازم واحد فينا يختفي عشان التاني يعيش نضيف. أنا اللي قولتلها مصطفى.. قولتله قسّم بالله قدام ابنك إني مت، عشان يعيش يبص في عيون الناس وراسه مرفوعة، وميقولوش أمه فلانة».
أنا كنت بسمع والكلام بينزل على وداني زي الصاعقة. البيزنس، السمعة، الاسم الشريف اللي أبويا بناه وسابهولي.. كل ده كان تمنه الست اللي قاعدة تشحت قدام جامع الحسين؟
قربت منها أكتر، وحسيت في كل جسمي:
— «إيه يا أمي؟ أنطقِ_ي بالله عليكي.. أبويا عاش في اليوم مية مرة، وكان كل شهر بيبعتلك الفلوس لغاية لوكاندة السيدة زينب.. قوليلي السير إيه؟»
بصتلي، ولأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عيونها، همست وهي بتتلفت حواليها وكأن الماضي لسه بيطاردها:
— «الفلوس اللي أبوك كان بيبعتها.. مكانتش إيجار يا شريف.. دي كانت تمن سكوت الراجل اللي كان بيبتزنا.. الراجل اللي قالي لو مسبتيش البيت ومشيّتي، هيقولك على السر اللي هيخليك ترفع عينك في وش أبوك تاني.. والراجل ده يبيرجع تاني النهاردة، وواقف وراك وباصص علينا حالا!»
فضلت متسمر في مكاني، وضهر_ي اتشنج.. ومبقتش سامع غير دقات قلبي وهي بتترج وسط ساحة الحسين!
أحستِ في كتفها. لم يكن الخوف من الماضي فحسب، بل من الحاضر الذي بدأ يتجسد أمامها. رفعت بصرها ببطء نحو النقطة التي أشارت إليها أمها بلهفة وخوف.
كان رجلاً طويلاً، نحيفاً، يرتدي جلباباً داكناً وطاقية، ويقف على مسافة ليست ببعيدة، يراقبهم بعيون ضيقة وقلبٍ أسود. لم يكن شكله غريباً عليها، فقد رأته من قبل في أحلامها المزعجة، كشبحٍ يطاردها.
همست أمها بخوف: «هو.. هو اللي كان بيهددنا.. هو اللي خلاني في عينيك عشان تعيش أنت وأبوك بكرامة».
شريف لم يستطع أن يحرك ساكناً. شعر وكأن الأرض تدور به. السر الذي أخفته أمه عنه طيلة هذه السنوات كان أفظع مما تخيل. هل كانت غلطتها؟ أم كانت الزمن الذي لم يرحمها؟
وفجأة، اقترب الرجل منهما، وابتسامة ترتسم على وجهه. «شريف.. يا ابن مصطفى.. كنت عارف إنك هتيجي في يوم من الأيام وتدور على الحقيقة.. بس الحقيقة مرة.. مرة أوي يا شريف».
الرجل قرب أكتر، وخطواته كانت بتعمل صوت خروشة على أسفلت الساحة.. الصوت ده كان بيرن في وداني زي جرس إنذار. ملامحه كانت ، وش الوشوش اللي الزمن مأثرش فيها غير إنه زودها لؤم .
أمي اتكمشت في نفسها لورا، وبقت زي عصفور بلله المطر، لدرجة إنها خبت الصورة المبهوقة بتاعتي ورا ضهرها وكأنها بتخاف عليه يلمحها.
وقف الراجل فوق راسنا، ضله غطى عليا وعلى أمي، وبصلي بنظرة كلها شماتة وقال بصوت الأجش:
— «سبحان الله.. فولة واتقسمت نصين، نفس الملامح ونفس العين الخضرا بتاعة زمان.. كبرت وبقيت راجل ببدلة وساعة وقيمة يا شريف.. عاش من شافك يا ابن مصطفى».
وقفت على رجلي.. كان بيغلي في عروقي، وعيني كانت بتطلع شرار. مسكت الراجل ده من ياقة جلبابه وعصبيتي عمتني:
— «أنت مين؟ وعايز إيه؟ وإيه بأبويا وأمي؟ أنطق بدل ما مكانك هنا في الساحة!»
الراجل متهزش.. بالعكس، ضحك ضحكة صفرا خبيثة سمّعت الناس اللي حوالينا، وقام شادد إيدي من على جلبابه بالراحة وهو بيقول بثقة تترعب منها:
— «جرى إيه يا ستمية بيه؟ وسّع إيدك كده واهدى.. الغشم مش حلو، وأبوك الله يرحمه كان عاقل وبيفهم في الأصول، وعشان كده عاش مستور مستور.. السيرة أطول من العمر يا ابن مصطفى، وإيدك دي لو اتمدت تاني، السر اللي أبوك دفع فيه وعمره كله عشان يداريه.. هبقى أنا أول واحد هيبعثه في مكبرات الصوت بتاعة الحسين فجر النهاردة».
أمي صرخت بصوت مكتوم وهي بتمسك رجلي:
— «يا شريف سيبه.. سيبه ومشينا من هنا.. ده مبرحمش.. ده معندوش قلب!»
بصيت للراجل وأنا لسه مشدود، والفضول والخوف بياكلوا في قلبي.. سألته بأسنان كازة على بعضها:
— «أبويا.. والفلوس اللي كانت بتجيلك كل شهر اقطعت.. عايز إيه تاني؟»
قرب الراجل من ودني، وهمس بكلمات خلّت ركبي ، والدنيا تسود تماماً في عيني:
— «عايز حق سكوتي الجديد يا شريف.. الفلوس اللي كان بيبعتها أبوك مكانتش عشان يداري على أمك زي ما هي مفهمتك ومفهمة أبوك.. أبوك كان بيبعت الفلوس دي عشان يداري على غلطته هو.. اللي بدأت يوم ما أنت اتولدت!»








