
جوه الغرفة، كان فيه مكتب قديم وخزانة حديدية، وعلى الحيطة لوحة كبيرة عليها أسماء وتواريخ.
لكن عيني اتعلقت بصورة في منتصف اللوحة.
كانت صورتي أنا!
وتحتها تاريخ يرجع لخمسة وثلاثين سنة، وبجواره عبارة مكتوبة بخط أحمر: الحالة رقم ١٧… يجب عدم إغلاق الملف قبل ظهور النتيجة النهائية.
ابني قرب مني وقال بقلق: ماما، هو إيه اللي كان بيحصل هنا؟!
ما عرفتش أرد.
فتحت الخزانة الحديدية بالمفتاح الصغير، ولقيت جواها شريط تسجيل قديم، وملف طبي سميك، ومظروف عليه اسم جوزي.
فتحت المظروف، فوقع منه خطاب قصير مكتوب بخط إيد الدكتور يوسف: إلى ماري… لو وصلتي للغرفة دي، يبقى جوزك قرر أخيرًا إنه يواجهك بالحقيقة. لكن قبل ما تسمعي التسجيل، لازم تعرفي إن الشخص اللي كنتِ بتثقي فيه أكتر من أي حد، ما كانش الوحيد اللي عارف سر حالتك.
وقبل ما أقدر أستوعب الجملة، سمعنا صوت باب الغرفة بيتقفل ورانا!
ابني جري ناحية الباب وحاول يفتحه، لكنه كان مقفول من الخارج.
وبعدين سمعنا خطوات بطيئة في الممر.
صوت راجل وقف قدام الباب وقال: ماري… أنا عارف إنك جوه. عندك دقيقتين بس قبل ما أضطر أدخل.
الصوت ده…
أنا كنت سمعته قبل كده!
كان نفس الصوت اللي كلمني في التليفون قبل غياب جوزي بشهرين!
لكن لما الراجل بدأ يتكلم تاني، سمعت جملة خلتني أحط إيدي على بقي من الصدمة: أنا مش جاي أأذيكي يا ماري… أنا جاي أقولك إن جوزك غاب وهو بيحاول يمنع اللي حصل لبوبي من إنه يحصل ليكي.
وبعدين قال اسمه.
الدكتور يوسف منصور!
يتبع…
ابني كان ماسك الموبايل وإيده بتترعش، وأنا واقفة جنبه بحاول أفهم إيه اللي بيحصل.
الصوت اللي جاي من التليفون كرر كلامه ببرود: أنا عارف إنكم في المعمل القديم، وعارف إنكم فتحتوا الملف رقم ١٧. بس فيه حاجة أمك لسه ما تعرفهاش، ولو سمعت التسجيل كله، حياتها مش هترجع زي الأول أبدًا!
ابني صرخ فيه: إنت مين عشان تراقبنا؟! وإيه علاقتك بغياب أبويا؟!
الراجل سكت لحظات، وبعدها قال: أبوك غاب وهو شايل سر كان المفروض يدفنه معاه. وأنا مش عايز أمك تدفع تمن السر ده.
وبعدين قفل الخط!
بصيت للدكتور يوسف وقلتله: أنا مش همشي من هنا قبل ما أعرف كل حاجة. مين الشخص ده؟ وإيه اللي حصل لجوزي بالضبط؟!
الدكتور يوسف قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه كأنه شايل حمل تقيل من سنين.
الشخص اللي كلم ابنك اسمه سامح. كان مسؤولًا عن مراجعة سجلات المعمل زمان، وهو آخر شخص وقّع على الملف رقم ١٧ قبل ما يختفي.
شهقت وأنا بقول: سامح؟! ده أخو جوزي!
أيوه… الراجل اللي كان اسمه في الورقة مش غريب عن عيلتي.
كان أخو جوزي الأصغر، اللي طول عمره بيزورنا في المناسبات، وكان دايمًا يصرّ إنه يجيب لي هدايا وأدوية، ويقول إن أخوه وصّاه يهتم بيا لو حصله أي حاجة.
لكن إزاي اسمه ظهر في ملف طبي قديم؟!
الدكتور يوسف قال: أنا ما أقدرش أتهمه بواقعة من مجرد توقيع أو مكالمة. لكن فيه مستندات لازم تتراجع، وفيه حاجات اتنقلت من المعمل قبل ما يتقفل. وجوزك كان مقتنع إن سامح عنده معلومة مهمة.
سألته وأنا ببص في عينيه: طب والفطار؟! إيه علاقة كل ده بالفطار اللي جوزي كان بيحضّرهولي كل يوم؟!
الدكتور أشار للتسجيل.
لازم نسمع الجزء الأخير. يمكن يكون فيه إجابة عن السؤال ده.
ضغط على زر التشغيل مرة تانية.
رجع صوت جوزي، لكن المرة دي كان بيتكلم ببطء، وكأنه بيختار كل كلمة بعناية.
يا ماري، أنا عارف إنك هتسألي نفسك ليه كنت مصرّ أحضّرلك الفطار بإيدي كل يوم.
الحقيقة إني كنت بخاف عليكي، لكن خوفي خلاني أرتكب غلطة كبيرة… إني قررت أخبي عنك حاجات تخص صحتك بدل ما أقولك الحقيقة.
في البداية، كنت بجهّزلك الأكل عشان أضمن إنك تاكلي كويس وتاخدي العلاج اللي الدكتور وصفهولك. لكن بعد ما اكتشفت إن بعض السجلات اتغيّرت، بقيت أشك في كل حاجة حوالينا.
ومن يومها، بدأت أحتفظ بكل ورقة وكل علبة وكل نتيجة تحليل.
وقفت التسجيل للحظة، وبعدين رجع صوته يقول: أنا مش طالب منك تصدقيني لمجرد إني جوزك. أنا عايزك تتأكدي بنفسك.
روحي للمكان اللي خبّيت فيه الصندوق الأزرق، وهتلاقي جواه آخر دليل.
التسجيل انتهى.
فضلت باصة للجهاز، ودموعي بتنزل من غير ما أحس.
خمسة وخمسين سنة تقريبًا من عمري وأنا فاكرة إن كل حاجة بيني وبين جوزي واضحة، وفجأة اكتشفت إن فيه أسرار كانت مستخبية حتى عني.
لكن ابني قطع صمتي: ماما، لازم نرجع البيت ونشوف الصندوق ده. يمكن يكون فيه الحقيقة كلها.
الدكتور يوسف اعترض فورًا: مش من الحكمة تروحوا تواجهوا أي شخص أو تتحركوا لمكان مجهول من غير ما تبلغوا الجهات المختصة، خصوصًا بعد الضغوط اللي حصلت. والأهم إن أي أدلة لازم تفضل محفوظة زي ما هي.
وافقته، واتصل ابني بالجهات المختصة وشرح لهم اللي حصل، واحتفظنا بكل الأوراق والتسجيلات من غير ما نغيّر فيها أي حاجة.
بعد ساعات، رجعنا البيت برفقة ابني، وبدأنا نفتش في المكتب القديم عن أي إشارة للصندوق الأزرق.
فتشنا الأدراج، وفتحنا الخزائن، وراجعنا كل ورقة تركها جوزي.
لحد ما ابني لاحظ إن فيه لوح خشب تحت المكتب مش ثابت زي باقي الألواح.
انحنى، ورفعه بحذر.
كان تحته صندوق معدني أزرق صغير، عليه قفل قديم.
جربنا المفاتيح اللي كانت مع سلسلة جوزي، ولحسن الحظ، واحد منها فتحه.
جواه لقينا مجموعة خطابات، ودفترًا صغيرًا، وعلبة دواء قديمة مغلقة، وفوقهم ظرف مكتوب عليه: الدليل الأخير… لا تفتحوه قبل مراجعة كل النتائج الطبية.
ما فتحناش علبة الدواء، وحطيناها مع باقي الأشياء علشان تتسلم للجهات المختصة وتتفحص بطريقة صحيحة.
أما الدفتر، فكان فيه تواريخ لزيارات جوزي للمعمل، وملاحظات عن المكالمات اللي وصلته، وأرقام ملفات طبية.
وفي الصفحة الأخيرة، لقيت جملة مكتوبة بخط إيده: سامح يعرف إن الملف رقم ١٧ مش مجرد خطأ في السجلات. لكنه مش عارف إني احتفظت بنسخة من التقرير الأصلي.
ابني رفع عينيه ليا وقال: ماما، يعني فيه تقرير أصلي غير اللي شفناه؟!
قلبت الصفحة، فلقيت رقمًا وعنوانًا لمكتب محامٍ، وتحتهم ملاحظة: النسخة الأصلية محفوظة عند الأستاذ فؤاد. لو حصل لي أي شيء، هو الوحيد اللي يقدر يثبت تاريخ تسليمها.
في اللحظة دي، رن جرس الباب.
اتجمدنا مكاننا.
ابني بص من العين السحرية، وبعد ثوانٍ رجع لي ووشه متغير.
همس: ماما… عم سامح واقف بره.
وبعدين سمعنا صوته من خلف الباب: يا ماري، أنا عارف إنك لقيتي الصندوق. افتحي الباب، لأن فيه حاجة لازم تعرفيها عن أخويا قبل ما تسمعي كلام أي حد تاني.
قربت من الباب، لكن ابني وقف قدامي ومنعني أفتحه.
وفجأة، سامح قال جملة خلتني أحس إن قلبي وقع في رجليّ: أخويا ما كانش بيحضّرلك الفطار كل يوم علشان يحميكي منّي… هو كان بيحاول يصلّح غلطة عملها بنفسه من خمسة وثلاثين سنة!
سكت لحظات، ثم أضاف: ولو عايزة تعرفي مين بدأ كل ده، اسألي نفسك سؤال واحد يا ماري… إنتِ كنتِ تعرفي جوزك إزاي قبل ما تتجوزوه؟!
رجعت لورا وأنا مذهولة.
لأني فجأة افتكرت حاجة كنت ناسية وجودها تمامًا…
قبل جوازي من جوزي بسنة، كنت رحت مع أمي لمستشفى كبير علشان أعمل فحوصات، وبعدها حصلت واقعة غريبة، وأمي أصرت طول عمرها إني ما أتكلمش عنها مع أي حد!
لكن أمي غابت من خمسة وعشرين سنة…
ومحدش غيرها كان يعرف تفاصيل اللي حصل يومها.
فهل كان سر الفطار مرتبطًا بالواقعة القديمة دي؟ وليه سامح بيقول إن جوزي كان بيحاول يصلّح غلطة ارتكبها بنفسه؟!
يتبع…
فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أصدق اللي سمعته.
الدكتور يوسف منصور بنفسه واقف ورا الباب؟! الراجل اللي اختفى من سنين، واللي جوزي كان بيدور عليه قبل غيابه بأسبوع؟!
ابني خبط على الباب بعنف وصاح: افتح الباب حالًا! إنت مين، وعايز من أمي إيه؟!
لكن الراجل اللي بره ما ردش عليه. فضل يتكلم معايا أنا.
يا مدام ماري، أنا عارف إن عندك أسئلة كتير، وعارف إنك فقدتي جوزك من فترة قصيرة. بس صدقيني، لو خرجتي من الغرفة دي من غير ما تسمعي التسجيل، ممكن تفضلي طول عمرك فاهمة اللي حصل بشكل غلط.
صرخت فيه: وإنت فاكرني هصدقك؟! أنا جوزي غاب، وكلبي غاب، وطلعت لقيت مواد غريبة في الأكل اللي كان بيحضّرهولي! إنتوا عملتوا فيّا إيه؟!
سكت شوية، وبعدها سمعت صوت مفتاح بيلف في الباب.
الباب اتفتح ببطء.
ظهر راجل كبير في السن، شعره أبيض، ووشه مرهق، وكان ماسك عصاية خشب بيتسند عليها.
بص لي، ولما عينيه جت في عيني، قال: أنا آسف يا ماري. كان المفروض أجيلك من سنين، لكن جوزك هو اللي طلب مني أستنى.
قربت منه خطوة وقلت: تستنى إيه؟! أنا مش فاهمة أي حاجة!
دخل الغرفة، وقفل الباب وراه، وبعدها حط على المكتب صورة قديمة.
كانت صورة ليا وأنا عندي حوالي تلاتين سنة، واقفة جنب جوزي قدام مبنى المعمل.
قلت بذهول: الصورة دي اتصورت إمتى؟!
رد: سنة ١٩٩١. اليوم اللي بدأت فيه حكايتك مع الملف رقم ١٧.
ابني بص له بعصبية: أمي عمرها ما اشتغلت في معمل، ولا دخلت المكان ده قبل النهارده!
الدكتور يوسف هز راسه.
أنا عارف. ماري ما كانتش موظفة عندنا، لكنها كانت مرتبطة بملف طبي اتفتح باسمها من غير ما تعرف كل تفاصيله.
حسيت إن قلبي هيقف.
يعني إيه ملف طبي اتفتح باسمي من غير ما أعرف؟!
فتح الدكتور الملف السميك، وطلع منه مجموعة تقارير قديمة.
من خمسة وثلاثين سنة، المعمل كان بيشارك في دراسة طبية، وكان فيه خلل في طريقة تسجيل بعض العينات. اسم ماري ظهر في السجلات باعتبارها واحدة من الحالات اللي لازم تتراجع نتائجها. لكن المشكلة إن بعض الأوراق اختفت، وبعض النتائج اتعدلت، ومحدش قدر يثبت مين المسؤول.
بصيت له بذهول.
وإيه علاقة جوزي بالموضوع ده؟




