روايات وقصص

جوزي كان بيحضرلي الفطار

الدكتور يوسف تنهد، وقال: جوزك اكتشف التلاعب ده بعد فترة قصيرة من بداية الدراسة. ولما عرف إن اسمك موجود في الملفات، حاول يوصل للحقيقة من غير ما يعرّضك للخوف أو للقلق.

دموعي نزلت وأنا بقول: طب ليه ما قاليش؟! أنا كنت مراته! كنت أقدر أواجه الحقيقة معاه!

رد بهدوء: هو كان مقتنع إن السكوت هيحميكي، لكن مع الوقت، السكوت نفسه بقى جزء من المشكلة.

ابني سأل: طيب، والمسحوق اللي كان في الأكل؟!

الدكتور يوسف بص لي، وبعدها بص للتقرير الموجود على المكتب.

دي أهم نقطة في الموضوع كله. أنا شفت نتيجة التحليل الأولية، وعرفت إن فيه مادة محتاجة فحص متخصص. لكن ما نقدرش نقول إنها السبب في غياب الكلب، ولا نثبت إنها كانت موجودة في فطار ماري كل يوم. لازم نعرف مصدرها وتركيزها، ونراجع الأدلة قبل ما نتهم أي حد.

صرخت فيه: يعني إنت لسه مش عارف إذا كان جوزي بيأذيني ولا لأ؟!

هز راسه بأسى.

لسه ما عنديش دليل يثبت إنه كان بيأذيكي عمدًا. لكن عندي سبب قوي يخليني أشك إن فيه شخص تاني كان بيتدخل في حياتك من سنين.

وبعدين مد إيده ناحية جهاز التسجيل القديم.

جوزك ساب تسجيل مخصوص ليكي. قال لي ما أسمعهوش لأي حد غيرك، لو وصلتي بنفسك للغرفة دي.

ضغط على زر التشغيل.

في الأول، سمعنا صوت تشويش، وبعده صوت جوزي.

صوته اللي كنت بسمعه كل صباح، وهو بيطلب مني أقعد وأسيبه يحضّر الفطار.

لكن المرة دي، كان صوته متعبًا ومكسورًا.

قال في التسجيل: ماري حبيبتي… لو إنتِ بتسمعي كلامي دلوقتي، يبقى أنا ما قدرتش أقولك الحقيقة وإنتِ جنبي.

أنا عارف إنك ممكن تكرهيني بعد اللي هتعرفيه، لكن فيه حاجة لازم تفهميها: أنا ما كنتش بحضّرلك الفطار كل يوم لمجرد إني بحب أطبخلك.

كان عندي سبب تاني… سبب بدأ من اليوم اللي اكتشفت فيه إن فيه حد بيحاول يوصل لحاجات تخصك، من غير ما نعرف مين هو.

وقفت أنفاسي.

التسجيل كمل: من حوالي عشر سنين، لقيت ظرف متساب قدام باب البيت. جواه صورة ليكي، وتقرير طبي قديم، وورقة مكتوب فيها إن ملفك لسه مفتوح.

ومن اليوم ده، بدأت أخاف إن الماضي يرجع يطاردك.

كنت كل ما أسأل الدكتور يوسف عن الحقيقة، يطلب مني أستنى لحد ما يتأكد من حاجة مهمة.

لكن من شهرين، وصلني خطاب جديد… وكان فيه اسم الشخص اللي كنت بدور عليه طول السنين دي.

وفجأة، حصل صوت خبطة قوية في التسجيل، وبعدها سكت جوزي لثواني.

لما رجع يتكلم، صوته كان مختلف تمامًا.

قال: يا ماري، لو عايزة تعرفي مين كان بيبعتلي الخطابات، افتحي الظرف الصغير الموجود تحت جهاز التسجيل.

لكن أرجوكي، قبل ما تعرفي اسمه، افتكري إنك طول عمرك كنتِ أمينة مع كل الناس اللي بتحبيهم… ومش كل الناس كانت أمينة معاكي.

التسجيل وقف.

مديت إيدي بسرعة تحت الجهاز، ولقيت ظرفًا صغيرًا فعلًا.

فتحته.

كان جواه ورقة واحدة، مكتوب فيها اسم كامل.

أول ما قريته، حسيت إن القوة انسحبت من وشي.

الاسم كان اسم شخص من عيلتي… شخص كنت بثق فيه، وكان بيدخل بيتي ويقعد معايا على سفرتي من غير ما أشك فيه يومًا واحدًا!

ابني خطف الورقة من إيدي، وقرا الاسم، وبعدها رجع بص لي وهو مش قادر ينطق.

همس أخيرًا: ماما… إنتِ متأكدة إن الاسم ده حقيقي؟!

لكن قبل ما أقدر أرد، الدكتور يوسف مد إيده وأخد الورقة، وقلّبها على ضهرها.

كان فيه سطر صغير مكتوب بخط جوزي: لو صاحب الاسم ده عرف إني سبت التسجيل، هيحاول يتخلص من الدليل الأخير… الدليل اللي لسه موجود في بيتنا.

في اللحظة دي، موبايل ابني رن.

بص للشاشة، واتغيرت ملامحه فورًا.

المتصل كان نفس الشخص اللي اسمه مكتوب في الورقة!

ولما ابني رد، جه صوت من الناحية التانية، بيقول ببرود: إنتوا فين دلوقتي؟ أنا واقف قدام بيت ماري، ولازم أتكلم معاها حالًا.

لكن الصدمة الأكبر كانت لما ابني سأل المتصل: إنت عرفت منين إننا خرجنا من البيت؟… والراجل رد عليه بجملة واحدة كشفت إنه كان عارف بموضوع المعمل من البداية!

يتبع…

فضلت واقفة في نص الصالة، مش قادرة أستوعب كلام سامح.

أمي غابت من خمسة وعشرين سنة، وجوزي غاب من ثلاثة شهور، ودلوقتي الاتنين بقوا مرتبطين بسر واحد محدش رضي يقولهولي!

ابني وقف قدامي وقال بصوت حاسم: يا عمي، لو عندك دليل على كلامك، سلّمه للجهات المختصة. لكن مش هتدخل البيت ولا هتاخد أي حاجة من اللي بابا سابها!

سامح رد من ورا الباب: أنا مش عايز آخد حاجة. أنا عايز أمنعكم من تصديق نص الحقيقة، لأن النص التاني هو اللي ممكن يدمّر كل حاجة!

في اللحظة دي، تليفون ابني رن. كانت الجهات المختصة بتتصل علشان تتأكد من تفاصيل البلاغ، فطلب منهم ييجوا البيت، ورفض يفتح الباب لحد ما يوصلوا.

أما أنا، فرجعت للمكتب، وطلعت الدفتر الأزرق من الصندوق.

كنت بدوّر على أي تاريخ يخص المستشفى اللي افتكرتها، وفجأة لقيت ورقة صغيرة متثبتة في آخر الدفتر.

كان مكتوب عليها: ماري مستشفى النور ١٩٨٩. مراجعة الملف الأصلي قبل اتخاذ أي قرار.

وتحت الجملة دي، كان فيه توقيع جوزي.

حطيت إيدي على بقي.

سنة ١٩٨٩ كانت قبل جوازي منه بسنة واحدة!

يعني هو كان يعرف حاجة عني قبل ما نتجوز؟!

بعد ما الجهات المختصة وصلت، حكيت لهم كل اللي حصل، وسلمناهم التسجيل والدفتر والملف الطبي والعلبة المغلقة، علشان تتفحص الأدلة بطريقة رسمية.

أما سامح، فوافق يتكلم مع الضباط، لكنه طلب مني أقعد معاه بحضورهم، لأنه عنده مستندات تخص الواقعة القديمة.

قعد قدامي، وكان شكله أكبر بكتير من آخر مرة شفته فيها.

قال: يا ماري، أنا عارف إنك بتكرهيني دلوقتي، ويمكن يكون عندك حق. بس لازم تسمعيني للآخر.

قلتله بحدة: اتكلم. أنا عايزة أعرف أمي كانت مخبية عني إيه، وجوزي كان بيعمل إيه في الفطار بتاعي كل يوم.

سامح طأطأ راسه وقال: سنة ١٩٨٩، أخويا كان شغال في معمل تابع لمستشفى النور. وفي الفترة دي، حصلت مشكلة في سجلات مجموعة من المرضى. بعض النتائج اتسجلت تحت أسماء غلط، وده خلّى ناس كتير ما تعرفش الحقيقة عن حالتها الصحية.

سألته: وأنا كنت واحدة منهم؟

رد بعد تردد: اسمك ظهر في ملف من الملفات، لكن لحد دلوقتي ما عنديش دليل يثبت إنك اتعرضتي لأي علاج أو مادة من غير علمك.

وبعدين طلع من شنطته ظرفًا قديمًا، وسلمه للضابط.

دي نسخة من خطاب أمي كانت بعته للدكتور يوسف وقتها. أنا لقيته بعد غياب أخويا، واحتفظت بيه لأنّي كنت خايف أفهمه غلط.

الضابط فتح الخطاب، وبدأ يقرأه.

وبعد لحظات، رفع عينيه ليا وقال: يا مدام ماري، الخطاب ده ممكن يساعدنا نفهم سبب وجود اسم حضرتك في الملف، لكنه محتاج مراجعة مع باقي المستندات.

طلبت أشوفه.

كان مكتوب بخط أمي: أرجوكم، ما تخلوش ماري تعرف أي تفاصيل قبل ما نتأكد من الحقيقة. أنا خايفة عليها، لكن مش عايزة حد يقرر بدلها إيه اللي من حقها تعرفه.

وتحت الكلام، كان فيه تاريخ وتوقيع أمي.

دموعي نزلت غصب عني.

أمي كانت عارفة حاجة عن الموضوع، لكنها اختارت تسكت!

بصيت لسامح وقلت: طيب، ليه جوزي كان بيحضّرلي الفطار بنفسه كل يوم؟ إيه علاقة ده بالملف القديم؟

سامح سكت طويلًا، ثم قال: دي الحاجة الوحيدة اللي ما أقدرش أجاوبك عنها. أخويا ما حكيليش تفاصيل الفطار، وكل اللي أعرفه إنه قبل غيابه طلب مني أدوّر على مستند واحد، وقال لي إنه لو ظهر، هيخلّي ماري تفهم ليه كان خايف طول السنين دي.

سألته: وإيه المستند ده؟

أشار للضابط ناحية الظرف اللي سلمه.

التقرير الأصلي اللي كان عند المحامي فؤاد. أنا ما شفتوش، لكن أخويا كان بيقول إنه أهم ورقة في القضية كلها.

في اليوم التالي، تواصل المحامي فؤاد مع الجهات المختصة، وأكد إنه محتفظ بمستندات قديمة سلّمها له جوزي قبل غيابه.

وبعد مراجعة الإجراءات اللازمة، اتحدد موعد علشان نستلم نسخة من الأوراق ونراجعها مع المختصين.

رحت أنا وابني، وكان المحامي رجلًا كبيرًا في السن، بيتكلم بهدوء شديد.

فتح خزانة حديدية، وطلع ملفًا مختومًا، وقال: جوز حضرتك سلّمني الملف ده من حوالي عشر سنين، وطلب مني ما أسلّموش لأي شخص إلا بعد التحقق من هويته، أو بناءً على الإجراءات القانونية المناسبة.

فتح الملف، وطلع التقرير الأصلي.

كان فيه اسمي، وتاريخ الفحص، ومجموعة نتائج طبية قديمة.

لكن المفاجأة كانت في الصفحة الأخيرة.

كانت فيه ملاحظة بخط مختلف، بتقول إن فيه عينة اتنسبت لاسمي، لكن سلسلة تسجيلها غير مكتملة، وبالتالي ما ينفعش الاعتماد على النتيجة قبل مراجعة السجلات الأصلية.

بصيت للمحامي وسألته: يعني إيه؟ هل النتيجة دي تخصني فعلًا ولا لأ؟

رد بحذر: الورقة دي وحدها ما تثبتش إن العينة كانت تخص حضرتك، ولا إنها اتاخدت بطريقة سليمة. علشان كده جوزك كان بيحاول يوصل للسجلات الأصلية من سنين.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى