
وبعد وقت قصير، بدأت رائحة غريبة تنتشر في الصالة. توقف أحد الضباط عن الحركة، وبص لزميله بجدية وقال:
استنى لحظة، فيه حاجة هنا.
انحنى بحذر، وأبعد بعض قطع الخرسانة الصغيرة، فلاحظ طرف غلاف بلاستيكي أسود سميك تحت طبقة من التراب. سكت الجميع. حتى الأم، اللي كانت من شوية بتعترض بصوت مرتفع، ما بقتش قادرة تنطق.
بدأ الضباط يزيلون المواد المحيطة بالمكان بحرص شديد، لحد ما اتضح إن فيه شيئًا مخفيًا تحت الأرضية. وبعد دقائق بدت طويلة على الجميع، انكشف المشهد اللي غيّر مسار القضية بالكامل؛ كان هناك جسد رجل بالغ مدفون تحت أرضية الصالة.
ساد الصمت للحظات، ثم بدأ الضباط يتعاملون مع المكان باعتباره مسرح محتملة، وأبعدوا ليلي فورًا عن الصالة حتى لا ترى أي تفاصيل صادمة. لكن الطفلة كانت تبكي وتسأل:
فين بابا؟ إنتوا لقيتوه؟ هو هيطلع دلوقتي؟.
لم يستطع أحد أن يخبرها بالحقيقة في تلك اللحظة.
أما أمها، فبمجرد ما أدركت إن السر اللي حاولت تخفيه قد انكشف، اندفعت ناحية الباب محاولة الهرب. لكن أحد الضباط اعترض طريقها وأوقفها. صرخت وهي بتحاول الإفلات:
سيبوني! إنتوا مش فاهمين حاجة!.
لكن محاولتها لم تنجح، وتم التحفظ عليها وبدأت التحقيقات الرسمية، بينما تولى فريق متخصص فحص الموقع وجمع الأدلة اللازمة.
وبعد إجراء الفحوصات الجنائية، تأكدت هوية الرجل؛ كان والد ليلي. الرجل اللي قالت زوجته إنه سافر إلى مدينة أخرى من أجل العمل، بينما كانت ابنته الصغيرة تصرّ على أنه لم يغادر المنزل أصلًا.
في غرفة التحقيق، جلست الزوجة أمام المحقق، وبدت عليها علامات الإنهاك والارتباك. في البداية، تمسكت بروايتها الأولى، وقالت إن زوجها سافر، وإنها لا تعرف كيف وصل جسده إلى المكان الذي عثروا عليه فيه. لكن الأدلة والأسئلة المتتالية بدأت تضيق الخناق حولها.
سألها المحقق:
لو جوزك مسافر فعلًا، ليه محدش شافه من خمسة أيام؟ وليه ما راحش شغله؟ وليه الأرضية اتغيرت قبل اختفائه مباشرة؟.
لم ترد.
كرر السؤال، لكن هذه المرة بنبرة أكثر حزمًا:
إيه اللي حصل بينك وبينه في الليلة اللي اختفى فيها؟.
خفضت رأسها، وظلت صامتة فترة طويلة، ثم بدأت تتكلم بصوت خافت معترفة بأن علاقتها بزوجها كانت تمر بأزمة كبيرة منذ فترة، وأن الخلافات بينهما زادت بسبب ديون مالية كانت تخفيها عنه. كانت قد اقترضت مبالغ من جهات مختلفة، ولم تخبره بحقيقة حجم الديون أو بالمشكلات اللي بدأت تحاصرها. وعندما اكتشف الأمر، نشب بينهما شجار عنيف، ولم يكن الخلاف متعلقًا بالمال وحده، بل بمستقبل ابنتها أيضًا.
فقد أخبرها الزوج أنه لم يعد قادرًا على الاستمرار بهذه الطريقة، وأنه يفكر في الانفصال عنها، وأنه يريد اصطحاب ليلي معه حتى يضمن لها حياة أكثر استقرارًا. كانت تلك الكلمات بالنسبة إليها صدمة كبيرة؛ لم تكن مستعدة لفكرة أن تفقد زوجها، ولا أن تبتعد عنها ابنتها، ولا أن تواجه عواقب الديون التي أخفتها طويلًا.
وفي ليلة اختفائه، احتدم الشجار بينهما داخل المنزل، وارتفعت الأصوات وتبادلا الاتهامات، ثم فقدت الزوجة أعصابها وخلال المواجهة ضربت زوجها بجسم ثقيل. سقط الرجل على الأرض، ولم ينهض بعدها. بحسب اعترافها، أصابها الذعر عندما أدركت ما حدث، ولم تعرف كيف تتصرف أو تفكر في طلب المساعدة، بل استسلمت لخوفها من العقاب ومن انكشاف أسرارها المالية.
كان المنزل يشهد أعمال تجديد في ذلك الوقت، وكانت بعض أجزاء أرضية الصالة قد أُزيلت بالفعل، فرأت في ذلك فرصة لإخفاء ما حدث. خلال الليل، حفرت أسفل الجزء المفتوح من الأرضية، وأخفت جسد زوجها في المكان، ثم غطته بالتراب وبقايا مواد البناء، وفي الصباح أعادت تركيب الألواح الخشبية وحاولت أن تجعل الصالة تبدو وكأن أعمال التجديد انتهت بصورة طبيعية، معتقدة أن أحدًا لن يكتشف ما فعلته.
بعد انتهاء الجزء الأول من التحقيق، حاول المحققون فهم كيف عرفت ليلي أن والدها موجود تحت الأرضية. في البداية، كانت الطفلة تكرر أنها رأته في المنام، وأنه أخبرها بأنه يشعر بالبرد وطلب منها أن تبحث عنه. لكن مع مرور الوقت، بدأت تذكر تفاصيل أخرى من الليلة التي اختفى فيها. استدعاها أحد المختصين للتحدث معها في مكان هادئ، بعيدًا عن أجواء التحقيق، وبدأ يسألها أسئلة بسيطة تناسب عمرها:
يا ليلي، فاكرة اللي حصل في البيت قبل ما بابا يختفي؟.
جلست الطفلة تفكر وهي تعبث بأصابعها، ثم قالت:
أنا كنت في أوضتي، وسمعت ماما وبابا بيتخانقوا.
سألها:
فاكرة سمعتي إيه؟.
ردت:
مش فاكرة الكلام كله، بس بابا كان صوته عالي، وماما كانت بتعيط وتزعق.
ثم توقفت لحظة، وكأنها تحاول استعادة صورة بعيدة، وأضافت:
بعدها سمعت صوت حاجة وقعت، وبعد شوية خرجت من أوضتي.
المحقق لم يقاطعها، وترك لها الوقت الكافي حتى تتكلم:
كنت عايزة أشوف بابا، لكن ماما شافتني وقالت لي أرجع أنام. كانت متعصبة أوي، وأنا خفت منها.
سألها:
وبعدين؟.
أجابت:
رجعت أوضتي، لكنني ما نمتش على طول. سمعت أصوات من الصالة، زي صوت حاجة بتتحرك وصوت خبط في الأرض.
لم تكن ليلي تعرف معنى تلك الأصوات وقتها، ولم تستطع أن تفهم ما الذي كانت أمها تفعله. كانت طفلة صغيرة، نصف نائمة، تحاول أن تستوعب خلافًا بين شخصين تحبهما. وفي الصباح، عندما خرجت من غرفتها، وجدت أن جزءًا من الأرضية قد تغير شكله، وأن والدها لم يعد موجودًا. سألت أمها عنه، فحصلت على الإجابة نفسها: “بابا سافر شغل، وهيرجع قريب”.
صدقت ليلي كلامها في البداية، لكنها لم تشعر بالاطمئنان. كان والدها معتادًا على إخبارها قبل أي سفر، وكان يودعها ويعانقها ويطلب منها أن تعتني بنفسها حتى يعود. هذه المرة، لم يحدث شيء من ذلك. مرت الأيام، ولم يتصل بها والدها، ولم تسمع صوته، ولم يصلها منه أي خبر. وكانت كلما سألت عنه، تخبرها أمها بأنه مشغول بالعمل، وأنه سيعود في أقرب وقت.
لكن قلب الطفلة ظل يشعر بأن هناك شيئًا غير طبيعي. وفي إحدى الليالي، رأت والدها في المنام؛ كان واقفًا بجوار الكنبة الموجودة في الصالة، وينظر إليها بحزن، وقال لها في الحلم إنه يشعر بالبرد، ثم أشار إلى الأرضية الخشبية.
استيقظت ليلي وهي تبكي، وظلت تتذكر الحلم طوال اليوم. في البداية، لم تجرؤ على إخبار أمها خوفًا من أن تغضب منها، لكن عندما تكرر الحلم، بدأت تربط بينه وبين اختفاء والدها والتغييرات التي حدثت في الصالة. لم تكن تعرف ما إذا كان ما رأته مجرد حلم، ولم تكن تفهم كيف يمكن أن يكون والدها تحت الأرض فعلًا، لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا: لقد اختفى دون أن يودعها، وهذا لم يكن يشبهه أبدًا. وفي النهاية، قررت الاتصال بالشرطة، وكان ذلك الاتصال هو اللحظة التي بدأت فيها الحقيقة تظهر.
بعد اكتشاف الجسد، أصبحت ليلي تحت رعاية أشخاص مختصين، بعيدًا عن منزلها وعن التحقيقات التي كانت تجري داخله. لم يكن من السهل عليها فهم ما حدث؛ كانت تسمع الكبار يتحدثون عن والدها، وترى الوجوه الحزينة من حولها، لكنها لم تكن تعرف كيف تستوعب فكرة أنها لن تراه مرة أخرى.
وفي أحد الأيام، سألها المحقق:
يا ليلي، إيه اللي خلاكي متأكدة إن بابا موجود تحت الأرضية؟.
ظلت صامتة لبعض الوقت، ثم رفعت عينيها وقالت:
عشان بابا وعدني إنه عمره ما هيسيبني.
توقف المحقق عن الكتابة، ونظر إليها باهتمام، فأكملت الطفلة:
هو كان دايمًا بيقولي إنه لو سافر، هيرجع ويحكي لي عمل إيه، وكان بيبوسني قبل ما أنام. المرة دي مشي من غير ما يقولي، ومحدش كان عايز يسمعني لما قلت إن فيه حاجة غلط.
ثم أضافت بصوت خافت:
أنا كنت عارفة إنه ما سافرش.
لم يكن لديها دليل علمي، ولم تكن تفهم الإجراءات الجنائية أو معنى ؛ كل ما كان لديها هو ذكرياتها عن والدها، والأصوات التي سمعتها في تلك الليلة، وحلم ظل يلاحقها، وشعور قوي بأن الحقيقة التي تسمعها من أمها لا تتفق مع ما تعرفه عن أبيها. وبسبب إصرارها، ذهبت الشرطة إلى المنزل، واكتشفت ما كان مخفيًا تحت الأرضية. لم يكن الحلم وحده هو ما قاد إلى الحقيقة، بل كان أيضًا غياب والدها المفاجئ، والتناقضات في رواية الأم، والتغييرات الحديثة التي طرأت على أرضية الصالة.
كل هذه التفاصيل اجتمعت لتدفع الضباط إلى التحقق من البلاغ بدلًا من تجاهله. وبعد انتهاء التحقيقات الأولية، بدأت القضية تأخذ مسارها القانوني، بينما بقيت ليلي تحاول التأقلم مع واقع جديد لم تكن مستعدة له؛ لقد فقدت والدها، واكتشفت أن الشخص الذي كان من المفترض أن يحميها أخفى عنها الحقيقة.
أما الأم، فكانت تواجه نتائج أفعالها أمام القانون، بعدما تحول السر الذي حاولت دفنه تحت الأرض إلى قضية لا يمكن إخفاؤها. لم تكن هذه القضية مجرد حكاية عن طفلة رأت حلمًا غريبًا، بل بدأت بمكالمة قصيرة من طفلة خائفة، ولم يكن الضابط الذي رد عليها يتوقع أن تقوده كلماتها إلى اكتشاف داخل منزل عادي في شارع هادئ.
في البداية، بدا البلاغ غير منطقي؛ طفلة تقول إن والدها تحت الأرض، وتستند إلى حلم رأته أثناء نومها. لكن بدلًا من إغلاق البلاغ باعتباره مجرد خيال، قرر الضباط الذهاب إلى العنوان والتحقق من سلامتها، وهذا القرار كان نقطة التحول في القضية. فلو تجاهلوا المكالمة، ربما استمر اختفاء الأب دون أن يعرف أحد ما حدث له، وربما ظلت ليلي تعيش بين رواية أمها والشكوك التي لا تجد لها تفسيرًا.
لكن إصرار الطفلة، إلى جانب ملاحظات الضباط، أدى إلى كشف الحقيقة. كانت الأم قد اعتقدت أن الأرضية الجديدة ستخفي آثار ما حدث، وأن مرور الأيام سيجعل الجميع يصدقون قصة السفر، لكنها لم تحسب حساب طفلة صغيرة لم تستطع تقبل فكرة أن أباها يرحل دون وداع. لم تكن ليلي تعرف أين تبحث عن الأدلة، ولم تكن تعرف كيف تثبت أن أمها تكذب، ومع ذلك كان لديها ما يكفي من الشجاعة لرفع سماعة الهاتف وطلب المساعدة.
وفي النهاية، لم يكن الحلم هو الذي كشف كل شيء بمفرده، بل كان صوت الطفلة الذي رفض أن يظل مكتومًا. لقد كشفت القضية كيف يمكن لتفصيل يبدو بسيطًا، مثل اختلاف لون بعض ألواح الخشب أو تناقض رواية شخص ما، أن يقود إلى اكتشاف بالغ الخطورة عندما يتم التعامل معه بجدية. كما كشفت عن الثمن الباهظ الذي يدفعه الأطفال عندما تتحول الخلافات الأسرية إلى عنف وأسرار، ويُحرمون من الأمان الذي يحتاجون إليه.
أما ليلي، فستظل تتذكر تلك الليلة التي اتصلت فيها بالشرطة، لا لأنها كانت تعرف كل ما حدث، بل لأنها كانت خائفة من فقدان والدها إلى الأبد. كانت تريد فقط أن يعود إلى البيت، وأن تسمع صوته مرة أخرى، وأن تعرف لماذا اختفى دون أن يقول لها وداعًا. لكن الحقيقة التي اكتشفتها كانت أكبر من قدرتها على الفهم في ذلك العمر.
وفي النهاية، بقي سؤال واحد يفرض نفسه على كل من عرف قصتها: كم من الأسرار يمكن أن تختبئ خلف أبواب البيوت المغلقة، وكم من الأصوات الصغيرة قد نستهين بها، رغم أنها ربما تكون المحاولة الوحيدة لطلب النجدة؟ ليست كل الأحلام رسائل غامضة، وليست كل مخاوف الأطفال دليلًا على وجود ، لكن الاستماع إليهم والتحقق من كلامهم عندما يكون هناك ما يدعو للقلق قد يصنع فرقًا حقيقيًا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




