
الضابط رفع إيده بهدوء وقال:
يا مدام، إحنا لسه بنتأكد من البلاغ. لو مفيش حاجة، مش هيكون فيه داعي للقلق.
لكنها ردّت بعصبية أكبر:
أنا مش هسمح لكم تبوظوا بيتي! جوزي مسافر، وبنتي بتتخيل، والموضوع انتهى!.
الطريقة اللي كانت بتتكلم بيها خلت الشك يزيد عند الضباط. طلبوا منها تقف بعيد عن مكان الفحص، وبدأوا يسألوا عن زوجها ومكان عمله وآخر مرة حد شافه فيها. في البداية، حاولت تكرر نفس الكلام إنه مسافر في مهمة عمل، وإنه هيرجع قريب. لكن لما طلبوا منها اسم المدينة اللي راحها، بدأت تتردد، وقالت اسم مدينة، وبعدها رجعت وعدّلت كلامها، وادّعت إنها مش فاكرة تفاصيل الرحلة.
الضابط الأكبر سنًا بصّ لزميله، وأدرك إن الموضوع محتاج تحقيق أوسع. طلبوا التحقق من بيانات الزوج، واتصلوا بالجهة المختصة لمعرفة إذا كان قد سافر بالفعل أو ظهر في مكان عمله خلال الأيام الماضية.
وبعد وقت قصير، بدأت تظهر معلومات مقلقة؛ زوج الست ما كانش راح الشغل من خمسة أيام، وزمايله ما كانوش يعرفوا عنه أي حاجة، وكمان مفيش حد من عيلته سمع صوته أو اتكلم معاه من وقت اختفائه. كل الطرق اللي حاولت الأم تبرر بيها غيابه بدأت تنهار واحدة وراء التانية.
الضابط رجع لها وسألها بوضوح:
إنتِ متأكدة إن جوزك سافر؟ لأن المعلومات اللي عندنا بتقول إنه ما وصلش شغله، ومحدش شافه من خمسة أيام.
الست فتحت بقها عشان ترد، لكنها ما قالتش أي كلمة. وفي اللحظة دي، ليلي قربت من الضابط وقالت بصوت هادي، لكنه كان مليان وجع:
أنا قلت لكم إنه هنا.
بصّ لها الضابط، وشعر إن البلاغ اللي بدأ بمكالمة طفلة غريبة ممكن يكون وراه شيء أخطر بكتير مما توقع.
بعد دقائق، وصل ضباط إضافيون إلى البيت، ومعاهم مسؤول من فريق التحقيق، بعدما ظهرت مؤشرات تستدعي تفتيش المكان بصورة رسمية. كانت الأم قاعدة على الكنبة، بتحرك صوابعها بعصبية، وتشد في طرف البلوزة اللي لابساها، وكل شوية تبص ناحية الباب، وبعدها ترجع عينيها للأرض، وكأنها بتحاول تلاقي مخرج من الموقف اللي بقت محاصرة فيه.
أما ليلي، فكانت واقفة جنب أحد الضباط، ماسكة إيده، ومش راضية تبعد عنه. سألها الضابط برفق:
حبيبتي، إنتِ خايفة من إيه بالظبط؟.
ردّت وهي بتبص ناحية أمها:
أنا خايفة ماما تزعل مني عشان كلمتكم. بس أنا عايزة بابا يرجع.
الضابط حسّ بوخزة في قلبه. الطفلة ما كانتش فاهمة معنى اختفاء والدها، ولا كانت مستوعبة إن اللي بتطلبه ممكن يكون مستحيلًا. كل اللي كانت عايزاه إنها تلاقي الشخص اللي كان بيحضنها كل يوم قبل النوم، واللي اختفى فجأة من غير ما يقول لها حتى إنه مسافر.
في الوقت نفسه، بدأ فريق التحقيق يفحص الجزء المختلف من الأرضية. أحد الضباط أشار إلى الألواح الخشبية وقال:
الألواح دي شكلها أحدث من بقية الأرض. واضح إنها اتركبت قريب جدًا.
ردّ عليه زميله:
وكمان المسامير مختلفة. لازم نعرف إيه اللي موجود تحتها.
الأم انتفضت من مكانها وقالت بعصبية:
إنتوا لسه مصرّين على الكلام ده؟! أنا قلت لكم إن جوزي مسافر، ومش من حقكم تقلبوا بيتي بالشكل ده!.
طلب منها الضابط أن تهدأ، وأوضح لها أن الإجراءات هتتم وفق التصريح القانوني اللازم، خصوصًا بعد ظهور معلومات تتعارض مع كلامها. لكنها ما كانتش قادرة تخفي ارتباكها.
وفي اللحظة دي، بدأت ليلي تتكلم من جديد:
بابا كان بيحب يقعد هنا.
أشارت إلى الكنبة القريبة من الأرضية:
كان بيقعد يحكي لي حكايات قبل ما أنام، وكان دايمًا يقول لي إنه مهما حصل، مش هيسيبني لوحدي.
ثم سكتت قليلًا، وأضافت:
عشان كده أنا عارفة إنه ما سافرش من غير ما يقولي.
الضابط انحنى لمستواها وسألها:
إنتِ فاكرة آخر مرة شفتي فيها بابا كانت إمتى؟.
فكرت ليلي شوية، وبعدها قالت:
من كام يوم. كان فيه صوت عالي في البيت، وماما وبابا كانوا بيتكلموا بصوت مرتفع. أنا كنت في أوضتي، وماما قالت لي أفضّل مكاني.
تبادل الضباط النظرات، وسألها:
وبعدين حصل إيه؟.
هزّت البنت كتفيها بحيرة:
مش فاكرة كل حاجة. أنا سمعت صوت حاجة وقعت، وبعدها ماما قالت لي أنام. ولما صحيت الصبح، بابا ما كانش موجود.
الضابط ما ضغطش عليها بأسئلة أكتر، خصوصًا إنها كانت صغيرة وخايفة، لكنه دوّن كلامها وطلب وجود شخص مناسب يفضل معاها بعيدًا عن مكان الفحص.
بعد الحصول على الإذن اللازم، بدأ فريق التحقيق في إزالة الألواح الخشبية بحذر. في البداية، ظهر تحتها بعض التراب وبقايا مواد البناء. قال أحد الضباط:
واضح إن فيه شغل اتعمل هنا مؤخرًا.
واصلوا إزالة الطبقات واحدة تلو الأخرى، وكلما تقدموا في الفحص، ظهرت آثار تؤكد إن المكان اتفتح واتردم من جديد.




