عام

اتوبيس المدرسة

الأتوبيس اللي اختفى 39 سنة والسر اللي كان مدفون معاه!
الفصل الأول الرسالة المكتوبة باللون الأحمر
لانا فضلت واقفة مكانها، ماسكة الورقة القديمة بإيديها، وعينيها بتتحرك بين الكلمات المكتوبة عليها.
كانت حاسة إن قلبها بيدق پعنف، وإنها لو قرأت الجملة مرة كمان، ممكن تكتشف إنها مجرد كابوس وهتصحى منه.
لكن الورقة كانت حقيقية.
والكلمات اللي مكتوبة عليها كانت حقيقية.
وتحت أسماء الأطفال الخمستاشر، بخط أحمر عريض ومهزوز، كانت فيه جملة واحدة
لو لقيتوا الأتوبيس، يبقى واحد فيهم رجع وماتصدقوش أي حد يقول لكم إن الرحلة انتهت!
لانا رفعت عينيها وبصّت لزمايلها.
المحقق المسؤول عن الموقع، واسمه دانيال، مد إيده وأخد الورقة منها، وقرأها مرتين قبل ما يسألها
إنتِ متأكدة إن دي كانت موجودة جوه الأتوبيس؟

ردّت لانا وهي بتحاول تحافظ على هدوئها
أنا اللي لقيتها، وكانت متثبتة في لوحة القيادة. التراب اللي حواليها قديم، والورقة نفسها باين عليها إنها موجودة هنا من سنين طويلة.
دانيال قرّب الورقة من عينيه.
بس مين اللي كتبها؟ وليه كاتب إن واحد من الأطفال رجع؟ هو رجع منين أصلًا؟
محدش رد.
لأن السؤال الحقيقي كان أخطر بكتير.
لو واحد من الأطفال رجع فعلًا، يبقى فيه شخص كان عارف إيه اللي حصل في الرحلة، وفضل ساكت كل السنين دي.
لكن لو ما رجعش
فمين اللي كتب الرسالة؟!

لانا طلبت من فريق الأدلة الجنائية يصوّر الورقة من كل زاوية، ويحفظها في غلاف مخصص، وبعدها بدأت تفحص بقية الأتوبيس.
كان فيه شيء مش طبيعي في المكان.
الأتوبيس مدفون تحت عدة أمتار من التراب، ومع ذلك، بعض الحاجات اللي جواه كانت متوزعة بطريقة غريبة، كأن الركاب قاموا من أماكنهم فجأة وخرجوا من غير ما ياخدوا أي حاجة معاهم.
لكن مفيش أي باب تاني مفتوح.
والشبابيك كلها كانت إما مکسورة أو مغطاة بالطين.

أما الباب الأمامي، فكان محشورًا بسبب الصدأ والضغط اللي تعرض له جسم الأتوبيس

على مدار السنين.
دانيال بصّ ناحية السواق وقال
عايز تقرير كامل عن الأتوبيس. رقم الشاسيه، رقم الموتور، أي علامة ممكن تساعدنا نعرف إذا كان ده فعلًا أتوبيس الرحلة المفقودة.
وبعد أقل من ساعة، جه الرد اللي كانوا مستنيينه.
رقم الشاسيه مطابق.
والرقم المسجل في الأرشيف أكد إن الأتوبيس ده هو نفسه اللي اختفى في ربيع سنة 1986.
الأتوبيس اللي كان المفروض ينقل 15 طفل ومدرّسهم من رحلة مدرسية عادية.
لكن السؤال بقى
إزاي أتوبيس بالحجم ده اختفى من فوق الأرض، وظهر بعد 39 سنة مدفون في مكان ما كانش فيه أي طريق قريب منه وقت الحاډثة؟
لانا كانت بتبص من شباك الأتوبيس المكسور ناحية الغابة، وفجأة لاحظت حاجة.
على بُعد عشرات الأمتار، وسط الأشجار الكثيفة، كان فيه جزء من الأرض مختلف عن باقي المكان.
الأشجار هناك كانت أطول وأكثف، لكن في النص كان فيه خط مستقيم تقريبًا، كأن حد حفر ممرًا قديمًا وبعدين حاول يخفيه.
نادت دانيال وأشارت للمكان.
شايف الخط ده؟
بصّ ناحية الأشجار، وبعدها قال
ممكن يكون مجرى مياه قديم.
هزّت راسها.
ممكن. بس لو مجرى مياه، ليه ما فيش أي أثر ليه في الخرائط القديمة؟
دانيال سكت لحظة، وبعدها طلب من فريق المسح يفحص المنطقة.
في الوقت نفسه، كانت لانا بتفكر في الرسالة.
لو لقيتوا الأتوبيس، يبقى واحد فيهم رجع
مين اللي رجع؟
وليه صاحب الرسالة كان متأكد إن الناس هتقول إن الرحلة انتهت؟
وقبل ما تقدر تكمل تفكيرها، رنّ موبايلها.
كان اتصال من قسم الشرطة في البلدة.
الضابط اللي على الخط قال بسرعة
يا لانا، محتاجينك ترجعي القسم فورًا. فيه راجل كبير في السن وصل عندنا، وبيقول إنه يعرف الأتوبيس ده.
لانا اعتدلت في وقفتها.
يعرفه إزاي؟
جاءها الرد اللي خلّاها تنسى للحظة إنها واقفة وسط الغابة
بيقول إنه كان واحد من الأطفال اللي اختفوا سنة 1986.
الفصل الثاني الطفل اللي رجع بعد 39 سنة
لانا ركبت عربيتها واتجهت ناحية قسم الشرطة.

طوال الطريق، كانت بتراجع في دماغها كل الاحتمالات.
هل الراجل ده واحد من الأطفال فعلًا؟
هل عاش كل السنين دي باسم مختلف؟
ولو كان هو واحد منهم، ليه ظهر دلوقتي بالذات، بعد اكتشاف الأتوبيس؟
لما وصلت، دخلت غرفة التحقيق، ولقت رجلًا عجوزًا قاعد قدام مكتب خشبي، لابس جاكيت بني قديم، وإيده بتترعش وهو ماسك كوب مياه.
كان شعره أبيض بالكامل، ووشه مليان تجاعيد، لكن عينيه كان فيهم شيء غريب.
خوف قديم.
خوف شخص قضى عمره كله بيهرب من ذكرى واحدة.
لانا قعدت قدامه وقالت بهدوء
أنا المحققة لانا. قالولي إنك تعرف الأتوبيس اللي لقيناه في الغابة.
الراجل رفع عينيه ببطء.
أنا مش بس أعرفه يا بنتي أنا كنت راكب فيه.
لانا ما استعجلتش في الرد.
فتحت ملف القضية وحطته قدامه.
اسمك إيه؟
توماس ميلر.
وعندك كام سنة؟
أربعة وستين.
لانا حسبتها بسرعة.
لو كان عنده وقت الاختفاء بين تسع وحداشر سنة، يبقى عمره دلوقتي المفروض يتراوح بين 48 و سنة تقريبًا، مش 64.
رفعت عينيها من الملف وقالت
إنت متأكد من كلامك؟ الأطفال اللي اختفوا كانوا كلهم في المرحلة الابتدائية. لو كنت واحد منهم، المفروض عمرك يكون حوالي خمسين سنة دلوقتي.
توماس اتوتر، وبصّ ناحية الباب.
وبعدين قال
أنا مش واحد من الأطفال اللي في القائمة.
لانا حست إن الموضوع بدأ ياخد منحنى مختلفًا.
أمال إنت مين؟
سكت شوية، وبعدها رد
أنا ابن السواق.
لانا فتحت صفحة جديدة في الملف.
اسم السواق كان آرثر ميلر.
لكن في السجلات القديمة، ما كانش فيه أي ذكر لابن اسمه توماس.
سألته
أبوك كان اسمه آرثر ميلر؟
أيوه.
وكان عنده ابن سنة 1986؟
توماس نزل عينيه للأرض.
كان عنده ولد بس محدش كان يعرف عنه حاجة.
لانا قربت الكرسي من المكتب.
عايزاك تحكيلي كل حاجة من البداية. من غير ما تخبي أي تفصيلة.
توماس أخد نفسًا طويلًا، وكأنه بيحاول يفتح بابًا مقفولًا من سنين.
وبدأ يتكلم.
أبويا كان سواق أتوبيس المدرسة من أكتر
من عشر سنين. كان راجل هادي، عمره ما اټخانق مع حد، وكل الأطفال كانوا بيحبوه. لكن قبل الرحلة بأيام،
حصلت مشكلة كبيرة بينه وبين مدير المدرسة.
إيه المشكلة؟
مش عارف كل التفاصيل. كنت صغير وقتها، وأبويا ما كانش بيحكيلي عن شغله. بس فاكر إنه رجع البيت ليلة قبل الرحلة، وكان متعصب جدًا. سمعته بيتكلم في التليفون مع حد، وبيقول أنا مش هعمل كده في أطفال.
لانا كتبت الجملة في دفترها.
قال كده لمين؟
ما عرفتش. لكنه قفل التليفون لما دخلت عليه.
وبعدها؟
توماس بصّ لها، وعينيه بدأت تلمع.
بعدها بيومين، الأتوبيس اختفى.
وإنت كنت فين؟
في البيت.
وأبوك؟
ما رجعش.
لانا فضلت ساكتة ثواني.
يعني إنت ما كنتش راكب الأتوبيس؟
توماس هزّ راسه.
لأ. أنا كنت عايز أروح الرحلة، لكن أبويا رفض. قال لي إنه مش هيقدر ياخدني المرة دي.
طب إنت قلت من شوية إنك كنت راكب فيه.
توماس غمّض عينيه، وفضل ساكت.
وبعد لحظات، قال بصوت واطي
أنا كذبت عليكي.
لانا ما اتحركتش.
ليه؟
فتح عينيه، وبصّ لها مباشرة.
لأن فيه حد كان لازم يسمعني قبل ما ېموت.
مين؟
المدرّس اللي كان في الرحلة.
لانا حسّت ببرودة تسري في جسمها.
إنت بتقول إيه؟ المدرّس اختفى من سنة 1986!
توماس هزّ راسه ببطء.
أنا عارف. بس من تلات أيام، حد بعتلي جواب على البيت. مفيهوش اسم المرسل، ومكتوب فيه جملة واحدة.
مد إيده داخل الجاكيت، وطلع ظرفًا أبيض قديمًا.
حطه قدام لانا.
فتحت الظرف وطلعت الورقة.
كان مكتوب عليها
الأتوبيس اتلاقى. المرة دي، ما تخليش لانا تفتح الباب التاني.
لانا رفعت عينيها فجأة.
مين لانا؟!
توماس بصّ لها بړعب.
أنا ما كنتش أعرف إن اسمك لانا غير لما شوفتك في الأخبار من شوية.
الغرفة ساد فيها صمت تقيل.
لأن الجواب كان واضحًا.
اللي بعت الرسالة كان عارف إنها هتكون المحققة المسؤولة عن القضية.
وكان عارف إنها هتكتشف الأتوبيس.
وكان بيحذر توماس منها أو بيحذرها هي من حاجة موجودة جوه الأتوبيس.
لكن أغرب جزء في الرسالة كان كلمتين بس
الباب التاني.
أي باب تاني؟
وليه محدش ذكر قبل كده إن الأتوبيس فيه غير باب الطوارئ والباب الأمامي؟
لانا قفلت الملف،
ووقفت بسرعة.
لازم نرجع الغابة.
توماس مسك إيدها قبل ما تتحرك.
استني! فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تروحي.
بصّت له.
قال بصوت مرتعش
أبويا ما كانش لوحده في الأتوبيس لما اختفى.
كان معاه مين؟
توماس ابتلع ريقه.
قبل الرحلة بيوم، شفت راجل غريب داخل بيتنا. كان لابس بدلة سودا، ومعاه شنطة معدنية صغيرة. أبويا دخّله الأوضة، وقفل الباب عليهم. وبعد حوالي نص ساعة، الراجل خرج، وأبويا كان وشه أصفر من الخۏف.
عرفت اسمه؟
لأ. لكن قبل ما يمشي، سمعته بيقول لأبويا لو الأطفال وصلوا للمكان، محدش فيهم هيخرج تاني.
لانا حست إن كل حاجة في القضية بتتشابك قدامها.
المدرّس.
السواق.
الرجل الغريب.
والرسالة الحمراء.
كلهم كانوا بيشاوروا ناحية سر واحد.
سر كان مدفون تحت الأرض من 39 سنة.
لكنها ما كانتش تعرف إن أخطر مفاجأة لسه مستنياها.
لأن في اللحظة اللي خرجت فيها من القسم، كان فيه اتصال جديد وصل للشرطة من الغابة.
أحد أفراد فريق المسح اكتشف فتحة غريبة تحت الجزء الخلفي من الأتوبيس.
فتحة ما كانتش موجودة في أي رسم هندسي للمركبة.
والأغرب؟
إن الهواء اللي كان بيخرج منها كان دافئًا.
رغم إن الأتوبيس مدفون في أرض باردة من عشرات السنين.
الفصل الثالث الباب اللي ما كانش موجود في الرسومات
لما لانا وصلت الغابة، لقت المكان اتحوّل لخلية نحل.
عربيات الشرطة كانت في كل حتة، وشريط أصفر محاوط الأتوبيس، وفريق من الخبراء واقف حوالين الفتحة اللي اكتشفوها تحت الجزء الخلفي من المركبة.
دانيال كان مستنيها، وأول ما شافها قال
كويس إنك جيتي. لازم تشوفي ده بنفسك.
قادها ناحية الأتوبيس، وبعدها أشار لفتحة مستطيلة صغيرة كانت مستخبية تحت طبقة سميكة من الطين والصدأ.
لانا ركعت على الأرض، وقرّبت الكشاف من الفتحة.
كان واضح إنها مش جزء أصلي من الأتوبيس.
حد قصّ المعدن من تحت، وركّب مكانه غطاء محكم، وبعدها حاول يخفيه بطبقات من الصدأ والطين.
قالت لانا
مين فتحها؟
ردّ دانيال
لسه محدش. أول ما العمال اكتشفوها، بلغونا.
لكن فيه حاجة تانية.
إيه؟
دانيال أشار لجهاز صغير كان أحد الخبراء ماسكه.
فيه تيار هوا طالع من الفتحة. ضعيف، لكنه موجود.
لانا بصّت له باستغراب.
إزاي؟ الأتوبيس مدفون هنا من 39 سنة!
ده اللي إحنا عايزين نفهمه.
أحد الخبراء قرب منهم وقال
ممكن يكون فيه فراغ تحت الأتوبيس، أو نفق قديم بيمر من المنطقة. لازم نفتح الغطاء ونشوف.
دانيال وافق، لكن لانا رفعت إيدها.
استنوا. قبل ما نفتحه، عايزة صور كاملة للغطاء، وعايزة نفحص إذا كان فيه أي آثار أدوات أو بصمات.
استغرق الفحص وقتًا، وبعدها بدأوا يفكوا المسامير القديمة.
واحد ورا التاني.
لحد ما الغطاء اتحرر.
ولما اتشال، ظهر تحته سلم معدني ضيق نازل لأسفل.
الظلام كان كثيفًا لدرجة إن الكشافات ما قدرتش توضح نهاية السلم.
لانا بصّت لدانيال.
ده مش أتوبيس مدفون وخلاص. فيه حاجة تحتنا.
دانيال طلب من الفريق تجهيز معدات السلامة، وبعدها نزل أول خبير، وتبعه دانيال ولانا.
كل ما كانوا بينزلوا، كانت درجة الحرارة بتتغير.
الهوا بقى أبرد، ورائحة التراب الرطب اختلطت برائحة معدنية غريبة.
بعد حوالي ستة أمتار، وصلوا لنفق ضيق، جدرانه مغطاة بألواح خرسانية قديمة.
لانا وجهت الكشاف ناحية الحائط.
كان فيه أرقام مكتوبة باللون الأسود.
1986.
وتحتها سهم بيشاور ناحية ممر جانبي.
دانيال قال
واضح إن المكان ده متبني من زمان.
لانا لمست الحائط بحذر.
والأوضح إن اللي بنى المكان ده كان عايز حد يوصل له.
مشوا في الممر بحذر، لحد ما وصلوا لباب حديدي ضخم.
كان الباب مقفولًا من الخارج بسلسلة صدئة.
وعلى الباب، كانت فيه لوحة صغيرة مكتوب عليها
مركز الأبحاث رقم 7 الدخول بتصريح رسمي فقط.
دانيال بصّ للانا.
مركز أبحاث؟ في قلب الغابة؟
لانا ما ردتش.
كانت بتفكر في كلام توماس عن الراجل اللي زار أبوه، والشنطة المعدنية، والجملة اللي سمعها
لو الأطفال وصلوا للمكان، محدش فيهم هيخرج تاني.
كل حاجة كانت بتقول إن الرحلة ما كانتش رحلة مدرسية عادية.
وإن اختفاء الأطفال ما كانش
حاډثة عشوائية.
لكن قبل ما يقدروا يفتحوا الباب، سمعوا صوتًا جاي من الناحية التانية.
صوت خبطات خفيفة.
ثلاث خبطات.
وبعدها صمت.
لانا رفعت
إيدها، وطلبت من الكل يسكت.
بعد ثوانٍ، الخبط اتكرر.
ثلاث خبطات تانية.
دانيال همس
فيه حد جوه؟
لانا قرّبت من الباب وقالت بصوت واضح
شرطة! لو فيه أي حد هنا، عايزين نساعدك.
مفيش رد.
وبعدين، فجأة، سمعوا صوت طفل.
صوت ضعيف جدًا، كأنه جاي من آخر الدنيا.
ما تفتحوش الباب
لانا اتجمدت مكانها.
الخبير اللي واقف وراها رجع خطوة لورا.
ودانيال همس
إنتِ سمعتي اللي أنا سمعته؟
لانا هزّت راسها ببطء.
أيوه.
كلهم سمعوا الصوت.
صوت طفل بيحذرهم من فتح الباب.
لكن السؤال اللي ما حدش قدر يجاوب عليه كان
مين الطفل اللي عايش تحت الغابة، بعد كل السنين دي؟
الفصل الرابع الغرفة اللي وقفت فيها الساعة
بعد استدعاء فريق متخصص، قدروا يقطعوا السلسلة ويفتحوا الباب الحديدي.
أول حاجة ظهرت قدامهم كانت ممر طويل، على جانبيه أبواب صغيرة.
بعض الأبواب كانت مکسورة، وبعضها كان مفتوحًا، لكن المكان كله كان خاليًا بشكل مخيف.
مفيش أصوات.
مفيش حركة.
بس صفير خاڤت كان بيصدر من أجهزة قديمة في آخر الممر.
لانا دخلت أول غرفة على اليمين.
كانت غرفة مليانة مكاتب، وأوراق متبعترة، وخزائن حديدية.
على الحائط، كانت فيه ساعة متوقفة عند الساعة 417.
وبجوارها تقويم قديم، آخر صفحة فيه كانت من شهر مايو سنة 1986.
دانيال رفع ملفًا من فوق أحد المكاتب، ونفض عنه التراب.
تعالي شوفي ده.
لانا أخدت الملف.
كان مكتوب على غلافه
مشروع الصدى المرحلة الأولى.
فتحت الملف، وبدأت تقرأ.
في الصفحات الأولى، كانت فيه ملاحظات علمية عن الأصوات والاهتزازات والتأثير النفسي للعزلة على الأطفال.
لكن بعد كده، بدأت الكلمات تتغير.
ظهر اسم المدرسة.
وبعده أسماء الأطفال الخمستاشر.
نفس الأسماء الموجودة في القائمة اللي لقوها جوه الأتوبيس.
لانا قلبت الصفحات بسرعة.
كان فيه تقارير عن مواعيد محددة، واختبارات، وأرقام غير مفهومة، وملاحظات مكتوبة بخط اليد.
وفي آخر الملف، لقت جملة متسطرة أكتر من مرة
المجموعة لا يجب أن تتجاوز ستة عشر فردًا.
دانيال قرأ الجملة فوق كتفها.
ستاشر؟ الأطفال الخمستاشر
والمدرّس؟
لانا هزّت راسها.
أو الأطفال الخمستاشر والسواق. لسه ما نعرفش.
لكنهم لقوا حاجة أهم في الملف اللي بعده.
كان تقريرًا مؤرخًا بيوم اختفاء الأتوبيس.
ومكتوب فيه
وصلت المجموعة إلى نقطة النقل في الساعة 352 مساءً. تم تسجيل جميع الأفراد. لم يتم الإبلاغ عن أي حالات فقدان قبل بدء الإجراء.
لانا وقفت عند الجملة الأخيرة.
نقطة النقل؟ يعني الأتوبيس وصل لمكان تاني قبل ما يختفي.
دانيال رد
وده معناه إن اللي حصل ما بدأش بالضرورة في الغابة.
فجأة، سمعوا صوت جهاز لاسلكي جاي من آخر الممر.
أحد أفراد الفريق كان بيناديهم.
يا جماعة، لازم تيجوا هنا فورًا!
جروا ناحية الصوت.
كانت فيه غرفة كبيرة، وفي وسطها جهاز معدني ضخم متصل بكابلات ممتدة في الحوائط.
على أحد الجوانب، كان فيه زجاج سميك يفصل الغرفة عن مساحة تانية.
ولما لانا قربت من الزجاج، شافت صفوفًا من الكراسي الصغيرة.
خمستاشر كرسي.
قدام كل كرسي، طاولة عليها رقم.
ومن خلف الزجاج، كان فيه باب تاني، أصغر من الأول، وعليه نفس العلامة الموجودة في الرسالة
رقم 7.
لكن اللي خلّى لانا تحس إن الأرض بتتهز تحت رجليها، ما كانش الكراسي.
كان فيه دفتر مفتوح على المكتب القريب من الزجاج.
على الصفحة الأولى، مكتوب
اليوم الأول المجموعة كاملة.
وعلى الصفحة الأخيرة، مكتوب
اليوم الأخير المجموعة لم تعد موجودة.
وتحت الجملة، كان فيه توقيع.
توقيع المدرّس المختفي.
الأستاذ جوناثان ريد.
لانا قفلت الدفتر ببطء.
لازم نعرف كل حاجة عن المكان ده.
لكن قبل ما تقدر تطلب من الفريق نقل الأوراق، انطفأت الأنوار.
مرة واحدة.
كل الغرف ڠرقت في الظلام.
وبعد ثانيتين، اشتغل جهاز قديم في منتصف الغرفة.
صدر منه صوت تشويش، وبعده صوت رجل بيتكلم بنبرة هادئة
لو أنتم بتسمعوا التسجيل ده، يبقى الأتوبيس اتكشف أخيرًا.
لانا رفعت الكشاف ناحية الجهاز.
الصوت كمل
أنا الدكتور هنري كول. كنت مسؤولًا عن مشروع الصدى. ولو وصلتوا للمرحلة دي، فده معناه إن التجربة فشلت أو إن حد قرر يكشف الحقيقة.
وبعدين سكت الرجل لحظة،
قبل ما يقول جملة خلت دانيال يبص للانا پصدمة
الأطفال ما ماتوش في الحاډثة. إحنا ما فقدناهمش. إحنا اللي نقلناهم.
الفصل الخامس الحقيقة اللي أخفوها عن العالم
لانا قربت من الجهاز، وبدأت تسجل كل كلمة.
صوت الدكتور هنري كان واضحًا، رغم التشويش.
في سنة 1986، بدأنا تجربة سرية لدراسة تأثير موجات صوتية معينة على إدراك الإنسان للوقت والمكان. كنا فاكرين إننا نقدر نخلق حالة من الانفصال عن الواقع، بحيث الشخص ما يقدرش يميّز بين الوقت الحقيقي والوقت اللي بيحس إنه عاشه.
التسجيل وقف ثواني، وبعدها رجع يشتغل.
التجربة كانت المفروض تتم على متطوعين بالغين. لكن التمويل اتوقف، والمشروع كان مهدد بالإغلاق. بعض المسؤولين قرروا إنهم يستخدموا مجموعة من الأطفال في اختبار غير مصرح به.
لانا حست بالڠضب بيتصاعد جواها.
خمستاشر طفل.
أطفال رايحين رحلة مدرسية، مش عارفين إن فيه ناس قررت تحوّلهم لمجرد أرقام في تجربة.
التسجيل كمل
تم الاتفاق مع إدارة المدرسة على تغيير مسار الرحلة. المدرّس جوناثان ريد اعترض في البداية، لكنه اتعرض للټهديد، وتم إبلاغه إن الرحلة هتكون قصيرة، وإن الأطفال مش هيحصل لهم أي أذى.
دانيال ضړب المكتب بإيده.
يا ولاد الكلب!
لكن لانا أشارت له يسكت.
كانت عايزة تسمع كل كلمة.
في الساعة 417 مساءً، بدأت التجربة. تم تشغيل الجهاز الرئيسي، ودخلت المجموعة الغرفة المخصصة. في البداية، كل شيء سار وفق الخطة. لكن بعد دقائق، ظهرت قراءات غير متوقعة.
صوت الدكتور هنري بدأ يرتعش.
الساعة توقفت. أجهزة التسجيل تعطلت. الأشخاص الموجودون داخل الغرفة اختفوا من أمام الكاميرات، رغم إن الأبواب ظلت مغلقة.
لانا بصّت للساعة المتوقفة على الحائط.
417.
نفس الوقت.
حاولنا فتح الغرفة، لكننا لم نجد أحدًا. لم يكن هناك أي أثر للأطفال أو المدرّس. وبعد ساعات من البحث، اكتشفنا إن الأتوبيس نفسه اختفى من المكان المخصص لانتظار المركبات.
التسجيل سكت للحظة طويلة.
وبعدين رجع الصوت، أضعف من الأول.
لم نكن نعرف إن الأطفال انتقلوا إلى مكان آخر.
لم نكن نعرف حتى إن التجربة نجحت بطريقة مختلفة تمامًا عن اللي توقعناها.
لانا قربت من الجهاز.
مكان آخر؟ فين؟
كأن
الدكتور هنري سمع سؤالها، لأن التسجيل كمل
بعد ثلاثة أيام، وصلتنا إشارة من جهاز المراقبة. كانت هناك أصوات أطفال تصدر من داخل النفق الشرقي، رغم إن النفق كان خاليًا تمامًا.
دانيال همس
النفق الشرقي
لانا افتكرت الممر اللي شافوه من شوية.
لكن التسجيل كان لسه فيه أخطر جزء.
دخلنا النفق، وسمعنا الأطفال بيتكلموا. كانوا بيسألوا عن أهاليهم، وبيطلبوا إننا نفتح الباب. لكن لما حاولنا نوصل لهم، اكتشفنا إن الأصوات كانت بتتكرر بنفس الترتيب، بنفس الكلمات، وبنفس الفواصل الزمنية.
كأنها تسجيلات؟ سأل أحد الخبراء.
لانا ما ردتش.
لأن التسجيل نفسه جاوب.
ما كانتش تسجيلات عادية. كانت الأصوات بتتفاعل مع وجودنا. لو نادينا اسم طفل، كان صوته بيرد علينا. ولو سألناه سؤالًا جديدًا، كان يرد أحيانًا بإجابة ما سبقش إنه قالها.
صوت الدكتور هنري بقى أكثر خوفًا.
في اليوم السابع، دخل الأستاذ جوناثان ريد النفق وحده. وبعد عشر دقائق، خرج وهو بيقول إنه شاف الأطفال.
لانا قربت من الجهاز لدرجة إنها بقت على بُعد سنتيمترات منه.
كانوا فين؟
التسجيل كمل
قال إن الأطفال كانوا موجودين في فصل دراسي. قاعدين على كراسيهم، وبيضحكوا، وبيتكلموا، وكأن الرحلة لسه ما بدأتش. لكنه قال إن فيه حاجة غلط.
وبعدها سمعوا صوت ورقة بتتقلب.
الأطفال كانوا فاكرين إنهم خرجوا من المدرسة من دقائق قليلة، وإنهم مستنيين الأتوبيس عشان يبدأوا الرحلة. لكنهم كانوا عارفين إننا واقفين بره الفصل.
دانيال بصّ للانا.
إزاي كانوا شايفينهم، وإحنا مش شايفينهم؟
التسجيل ما جاوبش.
بدلًا من كده، سمعوا صوت الدكتور هنري وهو بيقول
بعدها بيوم، دخلت الغرفة بنفسي. شفت الأطفال. كانوا كلهم موجودين. لكن ما كانش فيه باب أقدر أوصل منه ليهم.
ثم صدر صوت خبط قوي في التسجيل.
وصوت رجل آخر صړخ
اقفل الجهاز! اقفله حالًا!
وبعدها انقطع كل شيء.
لانا فضلت واقفة قدام الجهاز.
دلوقتي بقت عارفة إن الأطفال ما اختفوش بالطريقة اللي الشرطة تخيلتها.
لكنها ما كانتش عارفة إذا كانوا أحياء فعلًا، أو إن اللي بيسمعوه
مجرد أصوات محفوظة في المكان.
وفي اللحظة دي، جه صوت من خلف الزجاج.
صوت طفلة بتضحك.
ضحكة قصيرة وبريئة.
وبعدها صوت بنت صغيرة قالت
أستاذ جوناثان؟ إحنا هنرجع البيت إمتى؟
لانا استدارت ناحية الزجاج.
ومن خلاله، شافت ظل طفلة واقفة جنب أحد الكراسي.
كانت لابسة فستانًا أزرق قديمًا، وشعرها مربوط بشريط أبيض.
الطفلة رفعت رأسها ناحية لانا.
وبعدين ابتسمت.
إنتِ جاية تاخدينا؟
الفصل السادس البنت اللي ما كبرتش
لانا جريت ناحية الباب الحديدي الموجود خلف الزجاج، لكن دانيال وقف قدامها.
استني! إحنا ما نعرفش إيه اللي جوه.
ردّت بعصبية
فيه طفلة هناك! سمعتها وشوفتها!
وأنا سمعت الصوت، لكن ده مش معناه إننا نقدر ندخل من غير ما نفحص المكان.
الطفلة كانت لسه واقفة في نفس المكان.
بصّت لدانيال، وبعدها رجعت بصّت للانا.
هو إحنا عملنا حاجة غلط؟
السؤال كان بسيطًا.
لكن لانا حست إنه كسر حاجة جواها.
تخيلت أطفالًا قاعدين في فصل، مستنيين حد يقول لهم إن الرحلة خلصت، وإن أهلهم مستنيينهم بره.
أطفال ما يعرفوش إن 39 سنة عدّت.
وإن أمهاتهم وآباءهم كبروا، وإن بعضهم ماتوا وهم مستنيين يرجعوا.
لانا قربت من الزجاج وقالت
اسمك إيه يا حبيبتي؟
الطفلة ابتسمت.
إيميلي.
لانا فتحت ملف القضية على تليفونها، وبدأت تبحث في أسماء الأطفال.
كانت هناك فعلًا طفلة اسمها إيميلي كارتر، عمرها عشر سنين وقت الاختفاء.
الصورة القديمة في الملف كانت لطفلة بشعر بني وشريط أبيض.
نفس الطفلة اللي واقفة خلف الزجاج.
لانا رفعت عينيها.
إيميلي، إنتِ فاكرة حصل إيه في الرحلة؟
الطفلة فكرت شوية، وبعدها قالت
الأستاذ جوناثان قال لنا نستنى هنا. قال إن الأتوبيس اتأخر، وإننا هنرجع البيت بعد شوية.
وشفتِ حد غيره؟
إيميلي هزّت راسها.
كان فيه راجل لابس بالطو أبيض. قال لنا إننا هنلعب لعبة جديدة.
وبعدين؟
النور طفى.
الطفلة بصّت حواليها.
ولما النور رجع، ما لقيناش الأستاذ جوناثان.
لانا سألتها
إنتِ بقالك قد إيه هنا؟
إيميلي ضحكت باستغراب.
إحنا لسه واصلين من شوية!
دانيال بصّ للانا، ووشه بقى
شاحبًا.
لأن الإجابة دي كانت معناها إن الطفلة مش مدركة مرور الوقت.
لكن لانا ما اكتفتش بكده.
سألتها سؤالًا أخيرًا
إيميلي، إنتِ عارفة فين باقي أصحابك؟
الطفلة أشارت لوراها.
كلهم جوه الفصل.
والأستاذ جوناثان؟
ابتسامتها اختفت.
وبصوت واطي، قالت
الأستاذ قال لنا لو سمعنا صوت الراجل اللي بره، ما نردش عليه.
أنهي راجل؟
إيميلي رجعت خطوة لورا.
الراجل اللي بيقول إنه عايز يخرجنا.
هو مين؟
الطفلة رفعت إصبعها وأشارت ناحية آخر الممر.
هو هناك.
لانا استدارت بسرعة.
الممر كان فاضيًا.
لكن في آخره، كان فيه باب مفتوح ما كانش مفتوح من شوية.
ومن وراه، ظهر ضوء أصفر خاڤت.
دانيال طلب من الفريق يتراجع، لكن قبل ما حد يتحرك، سمعوا صوت خطوات جاية من ناحية الباب.
خطوات بطيئة.
منتظمة.
وبعدين ظهر رجل طويل، لابس بالطو أبيض قديم.
كان شعره أبيض، ووشه شاحب، وإيده ماسكة ملفًا أسود.
بصّ لانا مباشرة.
وبعدين قال
اتأخرتوا 39 سنة.
الفصل السابع الرجل اللي كان المفروض يكون مېت
دانيال رفع سلاحھ فورًا.
قف مكانك! إنت مين؟
الرجل ما رفعش إيده، وما حاولش يهرب.
فضل واقفًا في آخر الممر، كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.
قال بهدوء
اسمي هنري كول.
لانا حست إن نفسها اتسحب منها.
الدكتور هنري كول.
الرجل اللي سمعوا صوته في التسجيل.
المسؤول عن مشروع الصدى.
والشخص اللي كان المفروض يكون عمره دلوقتي أكتر من تسعين سنة، لو كان لسه عايشًا.
لكن الرجل اللي قدامهم ما كانش باين عليه إنه أكبر من الستين.
لانا قالت
إنت اللي كنت مسؤول عن التجربة؟
هنري ابتسم ابتسامة باهتة.
كنت واحدًا من المسؤولين عنها.
إيه اللي حصل للأطفال؟
هنري بصّ ناحية الزجاج.
أنا ما أذيتهمش.
لانا ردت بعصبية
خمستاشر طفل اختفوا بسبب تجربة سرية، وأهاليهم عاشوا 39 سنة من غير ما يعرفوا مصيرهم! ماټ منهم ناس وهما مستنيين أولادهم يرجعوا! وعايزني أصدق إنك ما أذيتهمش؟
هنري نزل عينيه.
عارف إن مفيش كلام يبرر اللي حصل.
يبقى قول الحقيقة.
سكت طويلًا.
وبعدين قال
المشروع كان مبنيًا على فكرة إن الإنسان
ممكن يدخل حالة إدراك مختلفة تحت تأثير موجات صوتية محددة. لكننا ما كناش نعرف إن التأثير ممكن يتجاوز الشخص نفسه ويغيّر الطريقة اللي بيدرك بيها

المكان والوقت.
لانا سألت
يعني الأطفال انتقلوا لمكان تاني؟
هنري هزّ راسه.
مش بالمعنى اللي إنتِ متخيلاه. أنا ما أقدرش أثبت إنهم انتقلوا لعالم تاني، ولا إنهم موجودون في بُعد مختلف. كل اللي نعرفه إن التجربة خلقت حالة ما قدرناش نفهمها.
طب إزاي بنتكلم معاهم؟
لأن الغرفة اللي ورا الزجاج بتحتفظ بنمط معين من الإشارات. ساعات بنسمع أصواتهم، وساعات بنشوفهم، لكننا ما قدرناش نثبت إذا كان اللي بنشوفه وجودًا حقيقيًا لهم، أو صورة مرتبطة بالتجربة.
لانا بصّت له پغضب.
يعني بعد 39 سنة، لسه ما تعرفش إذا كانوا أحياء ولا لأ؟
هنري رد بصوت منخفض
لا.
للحظة، ما حدش اتكلم.
وبعدين لانا سألته
إنت كنت فين كل السنين دي؟
هنري رفع عينيه.
هنا.
مستحيل.
أنا عارف إن الكلام صعب تصديقه. لكن بعد الحاډثة، المركز اتقفل رسميًا، وكل المسؤولين عنه اتقال إنهم ماتوا أو اختفوا. أنا فضلت هنا أحاول أفهم اللي حصل.
وإزاي كنت بتعيش؟
كان فيه مخزون طعام ومياه، ومولد كهرباء احتياطي. وبعد سنين، قدرت أوصل لخطوط إمداد قديمة.
دانيال سأله
وليه ما بلغتش الشرطة؟
هنري ما ردش فورًا.
وبعدين قال
لأنني كنت جبانًا.
كانت إجابته أبسط من أي عذر ممكن يقدمه.
كنت خاېف إن الحقيقة تطلع، وإن كل اللي عملناه ينكشف. وفي البداية، كنت مقتنعًا إننا هنقدر نرجّع الأطفال. كل يوم كنت بقول لنفسي إن بكرة هلاقي الحل. وبعدها بقت الشهور سنين، والسنين بقت عقودًا.
لانا سألته
والرسالة اللي لقيناها جوه الأتوبيس؟
هنري اتغيرت ملامحه.
إنتوا لقيتوا الرسالة؟
أيوه.
يبقى هو رجع.
مين؟
هنري بصّ ناحية السلم المؤدي للأتوبيس.
الولد اللي ما كانش المفروض يكون هنا.
لانا افتكرت توماس فورًا.
لكن قبل ما تسأله، هنري فتح الملف الأسود اللي كان ماسكه.
طلع منه صورة قديمة.
صورة لستة عشر شخصًا واقفين قدام الأتوبيس الأصفر.
الخمستاشر طفل.
الأستاذ جوناثان.
والسواق آرثر ميلر.
لكن على طرف الصورة، كان فيه شخص تاني.
ولد صغير واقف بعيد عن المجموعة، لابس جاكيت بني.
لانا بصّت للصورة، وبعدها
همست
توماس.
هنري هزّ راسه.
ابن السواق.
إنت قلت إن الأطفال كانوا خمستاشر، والمدرّس والسواق. توماس ما كانش راكب الأتوبيس.
صحيح.
أمال صورته هنا ليه؟
هنري قفل الملف.
لأن توماس كان موجودًا في المركز قبل الرحلة بيوم. أبوه جابه هنا من غير ما يقول لحد.
لانا حسّت إن فيه جزءًا كبيرًا من القصة لسه مخفيًا.
ليه؟
هنري رد
لأن توماس كان أول طفل ظهرت عليه أعراض غريبة بعد تعرضه للموجات التجريبية. أبوّه كان عارف إن المشروع خطړ، وحاول يمنعه من الاقتراب من المكان.
طب إزاي توماس خرج؟
هنري سكت.
وبعدين قال
دي الحكاية اللي لازم تسمعيها من آرثر نفسه.
لانا ردت
آرثر ماټ أو اختفى من 39 سنة.
هنري بصّ ناحية الباب الحديدي.
مش كل اللي اختفوا اختفوا بالطريقة اللي الناس فاكرينها.
الفصل الثامن دفتر السواق
رجعت لانا للأتوبيس مع فريق الأدلة الجنائية، وبدأت تفحص مقعد السواق من جديد.
كان فيه صندوق معدني صغير مثبت تحت لوحة القيادة.
الصندوق كان مخفيًا وراء قطعة من المعدن، ومحتاج أداة خاصة عشان يتفتح.
بعد حوالي عشرين دقيقة، قدروا يفتحوه.
جواه كان فيه دفتر أسود، ومفتاح نحاسي، وصورة لطفل صغير.
لانا فتحت الدفتر.
الصفحة الأولى كانت مؤرخة قبل الرحلة بثلاثة أيام.
مش عارف أعمل إيه. هنري بيقول إن المشروع تحت السيطرة، لكني شفت بعيني اللي حصل لتوماس. الولد اختفى قدامي لمدة سبع دقايق، ولما رجع، كان فاكر إنه قعد معايا يومين كاملين.
قلبت الصفحة.
حاولت أبلغ الإدارة، لكنهم هددوني بالفصل، وقالوا إن ابني هو اللي تسبب في المشكلة. لو حصل أي حاجة في الرحلة، لازم ألاقي طريقة أرجّع الأطفال لأهاليهم.
لانا فضلت تقرأ.
في الصفحة التالية، كان فيه رسم تقريبي لمسار الأتوبيس، وعلامة على مكان قريب من الغابة.
وبجوار العلامة، كتب آرثر
المدخل القديم. المفتاح النحاسي. لو وصلت للمكان ده، ما تدخلش لوحدك.
دانيال أخد المفتاح وبصّ له.
ده ممكن يكون مفتاح الباب اللي شفناه تحت الأتوبيس.
لكن لانا كانت بتقلب الصفحة الأخيرة.
كان فيها كلام مختلف،
مكتوب بخط أسرع، وكأن السواق كان بيكتب وهو خاېف.
لو حد لقى الدفتر ده، لازم يعرف إن الأطفال ما اختفوش كلهم في نفس اللحظة. واحد منهم خرج قبل بداية التجربة. وواحد تاني رجع بعدها. لكن الشخص اللي رجع ما كانش هو نفس الشخص اللي دخل.
لانا وقفت عند الجملة.
قرأتها مرة.
وبعدين مرة تانية.
دانيال سألها
يعني إيه الكلام ده؟
لانا هزّت راسها.
مش عارفة. لكن لازم نعرف مين الطفل اللي خرج، ومين اللي رجع.
في آخر الدفتر، كانت فيه ورقة منفصلة عليها أسماء الأطفال الخمستاشر.
لكن المرة دي، العلامات مختلفة.
جنب أربعة عشر اسمًا، كانت فيه علامة صغيرة بالقلم الأسود.
أما الاسم الأخير، اسم الطفلة إيميلي كارتر، فكان محاطًا بدائرة حمراء.
وتحت الاسم، مكتوب
هي الوحيدة اللي سمعت الصوت الحقيقي.
لانا حسّت إن قلبها بيقبض.
إيميلي كانت الطفلة الوحيدة اللي قدرت تشوفها خلف الزجاج.
وهي نفسها اللي قالت إن المدرّس حذرهم من الراجل اللي بيقول إنه عايز يخرجهم.
هل كان المدرّس بيحاول يحمي الأطفال من هنري؟
ولا كان بيحاول يحميهم من شيء أخطر؟
لانا رجعت للمركز، وطلبت من هنري يفسر الكلام.
لكن لما وصلوا، اكتشفوا إن الغرفة اللي كان واقف فيها اختفت من الممر.
الباب المفتوح بقى مقفولًا.
والأنوار مطفية.
أما جهاز التسجيل، فكان بيصدر صوت تشويش مستمر.
دانيال صړخ
هنري!
مفيش رد.
الفريق بدأ يفتش المكان، لكنهم ما لقوش أي أثر للرجل.
وكأن وجوده في الممر ما كانش حقيقيًا من الأساس.
لانا رجعت للزجاج.
الطفلة إيميلي كانت لسه موجودة.
لكن المرة دي، ما كانتش لوحدها.
وراها كان فيه أربعة عشر طفلًا قاعدين على الكراسي، وكلهم بيبصوا ناحية لانا.
وفي آخر الغرفة، كان فيه رجل واقف بظهره ليهم.
رجل لابس زيّ مدرّس قديم.
لما استدار، لانا عرفت وجهه من الصور الموجودة في ملف القضية.
الأستاذ جوناثان ريد.
المدرّس اللي اختفى مع الأطفال سنة 1986.
رفع إيده ناحية الزجاج، وحط كفّه عليه.
وبعدين قال بصوت واضح
ما تصدقيش هنري.
الفصل التاسع الأستاذ جوناثان يحكي الحقيقة
لانا
وقفت قدام الزجاج.
إنت الأستاذ جوناثان؟
الرجل أومأ برأسه.
أيوه.
إيه اللي حصل للأطفال؟
جوناثان بصّ ناحية التلاميذ، وبعدها رجع بصّ
لها.
كنت فاكر إن الرحلة هتكون عادية. لكن في نص الطريق، آرثر غيّر المسار، وقال لي إن فيه عطل في الطريق الرئيسي، وإننا لازم نستخدم طريقًا بديلًا.
وكنت تعرف إنه رايح للمركز؟
لأ. لما وصلنا، ظهر هنري ومعاه مجموعة من الرجال. قالوا إن المدرسة وافقت على اختبار قصير، وإن الأطفال هيرجعوا في نفس اليوم.
لانا سألت
وإنت وافقت؟
جوناثان هزّ راسه.
اعترضت. لكنهم قالوا إنهم مش هيعملوا أي حاجة من غير موافقة أولياء الأمور. وورّوني أوراقًا عليها توقيعات. ما كنتش أعرف إنها مزورة.
لانا حسّت بالڠضب.
وبعدين؟
أخدونا للغرفة. الأطفال كانوا فاكرين إننا هنشوف عرضًا علميًا. لكن أول ما الجهاز اشتغل، حصل شيء غريب. الأنوار بدأت تومض، والساعة وقفت، والأطفال اختفوا من قدامي واحد ورا التاني.
جوناثان غمّض عينيه.
حاولت أخرجهم. لكن كل ما كنت بفتح بابًا، ألاقي نفسي في نفس الغرفة. فضلت أجري في الممرات، لحد ما سمعت صوت إيميلي بتنادي عليّ.
لانا بصّت للطفلة.
وإيه اللي حصل بعدها؟
لقيتهم قاعدين في الفصل ده. كلهم موجودين، وكلهم فاكرين إن الرحلة لسه ما بدأتش. حاولت أشرح لهم، لكنهم ما صدقونيش.
ليه ما خرجتش معاهم؟
جوناثان بصّ لها بحزن.
لأني ما كنتش قادر أوصل للباب. كنت شايفهم، وهم كانوا شايفيني، لكن بيننا حاجز ما كنتش فاهمه.
وهنري؟
وشّ جوناثان اتغير.
هنري ما كانش عايز يرجّعهم. كان عايز يفهم اللي حصل، حتى لو اضطر يكرر التجربة.
لانا سألت
طب إيه الصوت الحقيقي اللي إيميلي سمعته؟
جوناثان سكت طويلًا.
وبعدين قال
صوت طفل بيقول اسمه.
مين الطفل ده؟
توماس.
لانا اتجمدت.
ابن آرثر؟
جوناثان أومأ.
توماس كان موجودًا في المركز قبل الرحلة. وكان أول شخص اختفى خلال تجربة سابقة. لكن لما رجع، قال إن فيه شخصًا تاني كان معاه، شخص بيشبهه تمامًا.
لانا افتكرت كلام توماس عن إنه ما كانش راكب الأتوبيس.
لكن إزاي كان في صورتهم؟
وإزاي قدر يرجع؟
جوناثان كمل
آرثر اكتشف إن ابنه رجع مختلفًا. ما كانش
متأكد إذا كان ده ابنه فعلًا، ولا مجرد شخص بيشبهه. لكنه كان بيحبه، وما قدرش يواجه الحقيقة.
لانا قربت من الزجاج.
إنت بتقول إن توماس اللي قابلته في القسم ممكن ما يكونش توماس الحقيقي؟
جوناثان رد بهدوء
أنا بقول إنك لازم تسأليه عن الساعة 417.
في اللحظة دي، كل الأنوار في المركز انطفأت.
والأطفال الخمستاشر اختفوا من الغرفة.
لما النور رجع بعد ثوانٍ، كان الفصل خاليًا.
وجوناثان اختفى.
لكن على الزجاج، ظهرت كلمات كأن حد كتبها من الناحية التانية بإصبعه
المرة الجاية، هتكوني إنتِ اللي جوه.
الفصل العاشر آخر زيارة لتوماس
لانا رجعت القسم وهي مش قادرة ترتب أفكارها.
كل الأدلة كانت بتقول إن فيه شيء حصل في المركز سنة 1986، لكن ما كانش فيه تفسير علمي مؤكد لكل اللي شافوه.
أما توماس، فكان هو المفتاح الوحيد اللي ممكن يربط الأحداث ببعضها.
وصلت لغرفة التحقيق، وطلبت مقابلة توماس مرة تانية.
لكن الضابط المناوب قال لها إن الراجل مشي من القسم قبل ساعة، بعد ما قال إنه محتاج يرجع بيته.
لانا سألت عن عنوانه، وأخدت العنوان من الملف.
بعد حوالي أربعين دقيقة، وصلت لمنزل قديم في أطراف البلدة.
الباب كان مواربًا.
نادت
أستاذ توماس؟
مفيش رد.
دخلت بحذر.
الصالة كانت مليانة صور قديمة، وكتب، وصناديق كرتون.
وعلى الحائط، كانت فيه صورة لولد صغير واقف جنب أتوبيس أصفر.
لانا قربت منها.
كان الولد توماس.
لكن الصورة كانت مؤرخة في مايو 1986، ومكتوب على ظهرها بخط آرثر
ابني الحقيقي. قبل ما يرجع.
لانا حسّت إن الډم انسحب من وشها.
في نفس اللحظة، سمعت صوتًا جاي من المطبخ.
كنت عارف إنك هتيجي.
استدارت.
توماس كان واقفًا عند الباب، ماسك كوبًا من المياه.
لانا واجهته بالصورة.
إنت مين؟
توماس بصّ للصورة، وبعدها نزل عينيه.
أنا توماس.
إنت قلت إنك ما كنتش في الأتوبيس، وإن أبوك اختفى. لكن لقيت صورتك في المركز، ولقيت كلامًا في دفتره بيقول إن الطفل اللي رجع ما كانش هو نفس الطفل اللي دخل.
توماس
سكت.
لانا قربت منه.
عايزة الحقيقة. دلوقتي.
توماس قعد على الكرسي، وحط الكوب على الترابيزة.
لما كنت عندي عشر سنين، أبويا جابني للمركز. قال لي إنهم هيعملوا اختبارًا بسيطًا، وإنه مش هيحصل لي أي حاجة.
وبعدين؟
دخلوني غرفة صغيرة، وطلبوا مني أسمع صوتًا معينًا في سماعات. في البداية، سمعت صوت أمي وهي بتناديني. أمي كانت ماټت من سنتين، فافتكرت إنهم بيحاولوا يخدعوني.
لانا فضلت ساكتة.
بعدها سمعت صوت أبويا. كان بيقول لي أفتح الباب. فتحته، ولقيت نفسي في مكان شبه الغابة، لكن كل الأشجار كانت بيضاء، والسماء كانت رمادية. شوفت أتوبيس المدرسة واقفًا بعيدًا، وسمعت أصوات أطفال جواه.
توماس رفع عينيه.
جريت ناحية الأتوبيس، لكن قبل ما أوصل، سمعت صوتًا بيقول لي ارجع. إنت لسه ما خلصتش.
مين اللي قال كده؟
ما شفتش حد.
لانا سألته
وبعدين رجعت للمركز؟
توماس هزّ راسه.
فجأة لقيت نفسي على الأرض، وأبويا پيصرخ باسمي. قالوا إن سبع دقايق بس عدّت، لكن بالنسبة لي، كنت عايش في المكان ده يومين كاملين.
لانا بصّت له بتركيز.
يعني إنت كنت أول شخص اتعرض للتجربة.
أيوه.
والأطفال؟
توماس غمّض عينيه.
أبويا وافق ياخد الأتوبيس للمركز لأنه كان فاكر إنه يقدر يرجعهم. كان عايز يصلح اللي حصل لي. لكن لما بدأت التجربة، كل شيء خرج عن السيطرة.
إنت كنت راكب الأتوبيس يوم الرحلة؟
توماس هزّ راسه ببطء.
لأ. كنت في البيت. لكن بعد اختفاء الأتوبيس، بدأت أسمع أصوات الأطفال في أحلامي. كل ليلة، نفس الأصوات. كانوا بيطلبوا مني أرجعهم.
لانا سألت
ليه جيت القسم وقلت إنك كنت راكب الأتوبيس؟
توماس بصّ لها، وعينيه امتلأت بالدموع.
لأن الرسالة اللي وصلتني ما كانتش أول رسالة. من سنين، وأنا بيجيلي جواب كل فترة. وكل جواب فيه اسم طفل من الأطفال الخمستاشر.
مد إيده ناحية درج المكتب، وطلع صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
فتحه.
جواه كانت فيه خمس عشرة ورقة.
كل ورقة عليها اسم طفل.
وعلى كل ورقة، كان فيه تاريخ مختلف.
لانا
أخدت أول ورقة.
كان مكتوب عليها
إيميلي كارتر 1994.
والورقة اللي بعدها
طفل رجعوا.
بعد 39 سنة من الاختفاء.
لكنهم كانوا مقتنعين إنهم غابوا لبضع دقائق فقط.
أما توماس، فاختفى من منزله في نفس الليلة.
لانا فتشت بيته مرة تانية، لكنها ما لقتش أي أثر له.
كل اللي لقته كان ظرفًا صغيرًا فوق مكتبه.
داخله صورة قديمة للأتوبيس الأصفر.
وعلى ظهر الصورة، كانت فيه جملة مكتوبة بخط آرثر ميلر
لو ابني رجع، ما تسألوش هو كان فين. اسألوه مين اللي رجع معاه.
لانا فضلت باصة للجملة وقتًا طويلًا.
هل توماس كان هو نفسه الطفل اللي اختفى في التجربة الأولى؟
ولا كان فيه شخص تاني رجع مكانه؟
ما كانش عندها إجابة.
لكنها كانت عارفة إن القضية ما انتهتش بالكامل.
الفصل الثالث عشر آخر ملف
بعد مرور ثلاثة أشهر، بدأت السلطات تحقيقًا رسميًا في مشروع الصدى.
تم إغلاق المركز، ومصادرة الأجهزة والملفات، واستجواب كل شخص كان له علاقة بالمشروع.
لكن الدكتور هنري كول لم يظهر مرة أخرى.
بعض السجلات قالت إنه ماټ سنة 1991.
وسجلات تانية أشارت إلى إنه غادر البلاد في أواخر الثمانينيات.
أما اسمه في ملفات المشروع، فكان يظهر أحيانًا بصفته المسؤول الرئيسي، وأحيانًا بصفته شخصًا مجهولًا لا توجد له أي بيانات رسمية.
حتى الصور القديمة كانت مختلفة.
في بعض الصور، كان هنري يبدو رجلًا في الأربعينيات.
وفي صور أخرى، كان يبدو عجوزًا للغاية.
أما لانا، فقررت إنها مش هتقفل القضية قبل ما تعرف حقيقة توماس.
كانت بتراجع الملفات في مكتبها ليلة ممطرة، لما وصلها ظرف من غير اسم مرسل.
فتحت الظرف.
كان جواه مفتاح نحاسي صغير، وورقة واحدة.
مكتوب عليها
الغابة ما كانتش مكان الاختفاء. كانت مكان العودة.
لانا قلبت الورقة.
على ظهرها، كان فيه عنوان قديم لمبنى مهجور خارج البلدة.
وفي الأسفل، توقيع
آرثر ميلر.
لانا استدعت دانيال، وراحوا للمكان في صباح اليوم التالي.
كان المبنى قديمًا، مكوّنًا من طابقين، ومحاطًا بسياج معدني متهالك.
الباب الرئيسي كان مقفولًا، لكن المفتاح النحاسي فتحه بسهولة.
دخلوا.
في الطابق الأرضي، لقوا غرفة مليانة صناديق وأوراق.
وفي الطابق العلوي، كانت فيه غرفة صغيرة، على جدرانها صور الأطفال الخمستاشر.
تحت كل صورة، كان فيه تاريخ.
لكن التواريخ ما كانتش تواريخ ميلادهم.
كانت تواريخ ظهورهم في الغابة، وفقًا للملاحظات المكتوبة.
آخر صورة كانت لإيميلي كارتر.
وتحتها تاريخ
25 أكتوبر 2025.
لانا قربت من الصورة.
لكنها لاحظت إن فيه صورة تانية مخبّاة خلفها.
سحبتها.
كانت صورة لطفل صغير، واقف قدام باب معدني.
الطفل كان توماس.
وبجانبه، كان فيه ولد تاني مطابق له تمامًا.
نفس الوجه.
نفس الشعر.
نفس الملابس.
لكن الفرق الوحيد إن واحد منهم كان بيبتسم، والتاني كان بيبص للكاميرا بړعب.
على ظهر الصورة، كانت فيه جملة
التجربة الأولى نجحت. لكننا أخرجنا الشخص الخطأ.
دانيال قرأ الجملة بصوت منخفض.
يعني إيه الشخص الخطأ؟
لانا ما ردتش.
لأنها بدأت تفهم.
توماس الحقيقي ربما لم يعد إلى العالم الخارجي أصلًا.
والشخص الذي عاش حياته بعد سنة 1986 ربما كان نسخة أخرى منه، أو صورة لا يعرف أحد طبيعتها.
لكن ما لم تستطع فهمه هو كيف يمكن لصورة قديمة أن تحمل كل هذا المعنى من دون أن تقدم أي دليل قاطع.
قلبت الصورة مرة أخرى.
كان فيه سطر صغير مكتوب تحت الجملة الأولى
إذا عاد الأطفال، فسيعود هو أيضًا.
وفجأة، سمعوا صوتًا خلفهم.
أنا رجعت بالفعل.
استدارا.
كان توماس واقفًا عند باب الغرفة.
لكن شكله كان مختلفًا.
كان يبدو أصغر سنًا،
كأنه طفل في العاشرة، ويرتدي نفس الجاكيت البني الموجود في الصورة.
لانا اتجمدت.
توماس بصّ لها، وابتسم ابتسامة حزينة.
إنتِ رجعتيهم يا لانا.
لانا سألت بصوت مرتعش
إنت مين؟
توماس ما ردش.
بصّ ناحية النافذة، حيث كانت الغابة ظاهرة من بعيد.
وبعدين قال
أبويا كان فاكر إنه يقدر ينقذني. لكنه ما فهمش إن اللي بيرجع من المكان ده مش دايمًا بيكون الشخص اللي دخل.
لانا قربت منه خطوة.
إنت توماس الحقيقي؟
الولد ابتسم.
أنا توماس اللي كان مستني يرجع البيت.
والراجل اللي قابلته في القسم؟
ابتسامته اختفت.
ده كان توماس اللي عاش حياتي.
لانا حست إن كل حاجة حواليها بتدور.
يعني إنت كنت هناك طول السنين دي؟
الولد أومأ.
بالنسبة لي، ما عدّاش غير يوم واحد.
وبعدين بدأ يتراجع ناحية الباب.
لانا جريت ناحيته.
استنى! لازم نفهم اللي حصل!
لكن قبل ما توصل له، اختفى.
ما كانش فيه صوت.
ولا ضوء.
ولا حتى أثر لأقدامه.
فقط الجاكيت البني كان مرميًا على الأرض.
ولما لانا رفعته، لقت في جيبه ورقة صغيرة.
عليها اسم واحد.
إيميلي كارتر.
وتحت الاسم، جملة أخيرة
هي الوحيدة اللي تعرف الحقيقة كاملة.
الفصل الرابع عشر السؤال الأخير
لانا رجعت المستشفى، وطلبت مقابلة إيميلي على انفراد.
كانت الطفلة قاعدة جنب الشباك، بتبص للشارع، وبتسأل كل شوية عن موعد رجوعها للمدرسة.
لانا قعدت جنبها.
إيميلي، فاكرة توماس؟
الطفلة ابتسمت.
أيوه. كان معانا في الرحلة.
لانا اتفاجئت.
توماس كان معاكم؟
إيميلي هزّت راسها.
كان قاعد في آخر الأتوبيس، جنب الشباك. الأستاذ جوناثان قال لنا إنه ابن السواق، وإنه هيرجع معانا.
لانا فتحت ملف القضية، وورّتها صورة الأطفال الخمستاشر.
شايفة توماس في الصورة؟
إيميلي بصّت للصورة طويلًا.
وبعدين أشارت إلى مكان فاضي بين طفلين.
هو كان هنا.
لكن المكان اللي أشارت له كان خاليًا.
لانا قالت
مفيش حد في المكان ده يا إيميلي.
الطفلة رفعت عينيها.
عشان هو ما كانش موجودًا لما اتصورت الصورة.
لانا حسّت إن قلبها بدأ يدق أسرع.
طب إمتى ظهر؟
إيميلي فكرت شوية.
بعد ما النور طفى. سمعنا صوت باب بيتفتح، وبعدها دخل ولد شبه توماس. الأستاذ جوناثان قال لنا ما نقربش منه.
ليه؟
الطفلة نزلت عينيها.
عشان الولد الأول كان لسه جوه.
لانا سكتت.
يعني كان فيه اتنين؟
إيميلي هزّت راسها.
أيوه. واحد دخل من الباب، وواحد خرج من الشباك.
لانا سألتها
واللي خرج راح فين؟
إيميلي أشارت ناحية الغابة.
رجع البيت.
لانا فضلت ساكتة.كانت بتحاول تفهم إذا كانت إيميلي بتتكلم عن شيء حقيقي عاشته، أو عن ذكرى مشوشة من تجربة لم يفهمها أحد حتى الآن.
لكن الطفلة أضافت جملة أخيرة.
الأستاذ جوناثان قال لنا إننا لازم ننسى الولد اللي خرج. عشان لو افتكرناه، هو هيعرف إننا رجعنا.
لانا قامت من مكانها ببطء.
مين هو؟
إيميلي بصّت لها.
اللي كان بيخبط على باب الأتوبيس من بره.
وفي اللحظة دي، سمعوا ثلاث خبطات على شباك
المستشفى.
لانا استدارت بسرعة.
لكن ما كانش فيه حد.
على الزجاج، كانت فيه ورقة صغيرة مثبتة من الخارج.
فتحت الشباك وأخدتها.
كان مكتوبًا عليها
شكرًا لأنك رجّعتيهم. دلوقتي دوري أرجع.
وتحت الجملة، كان فيه توقيع.
توماس ميلر.
الخاتمة الأتوبيس لم يكن النهاية
مرت سنة كاملة على اكتشاف الأتوبيس.
الأطفال الخمستاشر بدأوا يتأقلموا مع عالم اتغير تمامًا من غيرهم.
بعضهم رجع لعائلاته، وبعضهم عاش مع أقارب لم يكن يعرفهم من قبل.
أما الأستاذ جوناثان، فظل متمسكًا بروايته
عن الرحلة، لكنه لم يستطع تقديم تفسير علمي لما حدث.
المركز السري أُغلق نهائيًا، وأُزيلت الأجهزة، وصدرت تقارير رسمية تتهم المسؤولين عن المشروع بالتجارب غير القانونية وإخفاء الأدلة.
لكن ملف اختفاء الأطفال ظل مفتوحًا.
لأن توماس لم يظهر مرة أخرى.
ولا أحد عرف إذا كان الرجل الذي عاش في البلدة طوال العقود الماضية هو توماس الحقيقي، أو شخصًا آخر عاد من التجربة بدلًا منه.
أما لانا، فكانت تحتفظ بالورقة الأخيرة في درج مكتبها.
كل ليلة، قبل ما تمشي، كانت تخرجها وتقرأها.
دلوقتي دوري أرجع.
كانت بتحاول تقنع نفسها إن القصة انتهت.
لكن في صباح يوم عادي، وصلها اتصال من فريق الصيانة المسؤول عن نقل الأتوبيس إلى مستودع الأدلة.
قال العامل على الهاتف
يا فندم، لازم تيجي هنا فورًا. فيه حاجة غريبة حصلت.
لانا سألت
إيه اللي حصل؟
الرجل رد بصوت مرتعش
الأتوبيس اتحرك.
لانا ما صدقتش.
إزاي يعني اتحرك؟ ده مركون جوه مستودع مقفول!
إحنا كنا بنراجع التسجيلات. الأتوبيس كان في مكانه الساعة 216 الفجر. وبعدها الكاميرات فصلت لمدة دقيقة واحدة. لما رجعت، الأتوبيس كان واقفًا في الناحية التانية من المستودع.
لانا لبست جاكيتها وراحت فورًا.
لما وصلت، لقت الأبواب مقفولة، والحراسة موجودة، والأتوبيس في مكانه فعلًا.
لكن فيه حاجة جديدة.
على الزجاج الأمامي، كانت فيه ورقة بيضاء.
قربت منها.
كانت مكتوبة بخط أحمر، بنفس الخط اللي ظهر في الورقة القديمة.
خمستاشر رجعوا لكن واحد لسه مستني.
لانا رجعت خطوة لورا.
وفي اللحظة دي، اشتغل راديو الأتوبيس القديم من غير ما حد يلمسه.
صدر صوت تشويش، وبعده صوت طفل صغير بيقول
يا آنسة لانا هو إحنا هنروح الرحلة إمتى؟
لانا فضلت واقفة مكانها، مش قادرة تتكلم.
الصوت اتكرر مرة تانية.
يا آنسة لانا؟
وبعدين سمعته بيهمس
إحنا مش خمستاشر.
انقطع الصوت.
وبعد ثوانٍ، ظهرت على زجاج الأتوبيس بصمة كف صغيرة من الداخل.
ثم بصمة تانية.
ثم ثالثة.
لانا قربت ببطء، ووجهت الكشاف ناحية المقاعد.
كانت كل المقاعد فاضية.
ما عدا المقعد الأخير.
كان فيه طفل صغير قاعد وظهره للباب، لابس جاكيت بني قديم.
ولما استدار ناحية الزجاج، رفعت لانا الكشاف على وجهه.
كان توماس.
لكن مش توماس العجوز اللي قابلته في القسم.
كان الطفل اللي ظهر في الصورة القديمة.
رفع إيده ولوّح لها.
وبعدين قال
المرة دي، إنتِ اللي لازم تركبي معانا.
وفي اللحظة اللي لانا حاولت فيها تنادي الحراس، اتقفل باب المستودع لوحده.
وانطفأت الأنوار.
وفي صباح اليوم التالي، لما الشرطة فتحت المستودع، كان الأتوبيس موجودًا في مكانه.
لكن لانا اختفت.
ما كانش فيه أي أثر لها، ولا أي دليل يوضح إزاي خرجت من مبنى محكم الإغلاق.
على مقعد السواق، وجدوا دفترًا أسود جديدًا.
على الصفحة الأولى، كان مكتوبًا
الرحلة رقم 2 المجموعة مكتملة.
وتحتها ستة عشر اسمًا.
خمستاشر طفلًا.
والاسم السادس عشر
لانا موريس.
أما على الصفحة الأخيرة، فكانت هناك جملة مكتوبة باللون الأحمر
لو لقيتوا الأتوبيس مرة تانية ما تفتحوش الأبواب.
ومن يومها، اختفى الأتوبيس الأصفر من مستودع الأدلة.
رغم إن الأبواب كانت مقفولة، والحراسة كانت موجودة، والكاميرات كانت شغالة.
وبعد عدة شهور، وصل بلاغ من بلدة تبعد مئات الكيلومترات عن الغابة.
أحد السكان قال إنه شاف أتوبيس مدرسة أصفر قديم واقفًا على جانب طريق مهجور، في ليلة ممطرة.
ولما قرب منه، سمع صوت أطفال بيضحكوا من الداخل.
ثم رأى امرأة جالسة
خلف الزجاج الأمامي، تنظر إليه مباشرة.
كانت لانا.
رفعت إيدها ببطء، وكتبت بإصبعها على الزجاج كلمتين
لسه مستنيين.
وفي اللحظة التالية، تحرك الأتوبيس واختفى وسط الضباب.
ولم يره أحد مرة أخرى.
النهاية ولا يمكن تكون دي مجرد بداية لرحلة جديدة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى