قصص و روايات

د نادية الجبالي

في الناحية التانية، كانت نادية قاعدة على دكة أسمنتية في غرفة ضيقة، نورها أبيض باهت، والحيطان فيها آثار رطوبة قديمة.

كانت لابسة نفس الهدوم اللي خرجت بيها من اجتماعها، جاكيت كحلي بسيط، وقميص أبيض، وساعة فضية في إيدها. ساعتها كانت واقفة عند اتنين وسبعتاشر دقيقة. لأن الساعة اتخبطت واتعطلت وقت ما أحد الأمناء شد إيدها بعنف وهو بيكلبشها. نادية بصت للساعة، وابتسمت ابتسامة حزينة.

مش عشان الساعة غالية، لكن لأنها كانت هدية من بنتها الوحيدة مريم، يوم ما رجعت من بعثة تدريب طويلة. مريم كانت عندها سبعة وعشرين سنة، دكتورة في مستشفى جامعي، ومكنتش بتحب تتكلم عن شغل أمها. كانت دايمًا تقول لها:
«يا ماما، أنا مش عايزة الناس تعرف إنتي مين.

أنا عايزاهم يعرفوني أنا مين.»
ونادية كانت بتحترم رغبتها. عشان كده كانت بتحاول تفصل بين حياتها الشخصية وشغلها، حتى لو ده كان معناه إنها ترجع البيت لوحدها في عز الليل. حطت الساعة في جيبها، ورفعت راسها لما سمعت خطوات جاية ناحية الباب.

ظهر أمين شرطة في الخمسينات، وشه مرهق، وعينيه فيها تردد واضح. فتح فتحة صغيرة في الباب وبصلها.«حضرتك محتاجة حاجة؟»
نادية ردت بهدوء:
«محتاجة أعرف اسمك.»
اتوتر.«ليه يا هانم؟»
«عشان لما أكتب شهادتي، أبقى فاكرة مين كان موجود.

»
الأمين سكت. وبعدين قال:
«اسمي عبدالعال يا فندم.»
نادية بصتله كويس.«يا عبدالعال، أنا مش طالبة منك تعمل حاجة ضد القانون، ولا تخالف أوامر حد. أنا بس عايزاك تتأكد إن محضر احتجازي اتسجل بوقت دخولي الحقيقي، وإن المضبوطات اتسلمت في حرز رسمي، وإن فيه إثبات لكل حاجة اتاخدت مني.

من…»
«قولتلك مــزور!»
صوته رج الشارع كله.

في ثواني، تلات أربع عربيات شرطة وبوكسات وصلوا وحاصروا عربيتها تمامًا، ونزل منهم أمناء وظباط واقفين ومتحفزين وإيديهم على سلاحهم. نادية حافظت على ثباتها الانفعالي وقالتله: «كلم غرف العمليات المركزية عندك، وهم هيأكدوا لك هويتي فورًا.»

طارق ضحك بسخرية: «تلقي دي نفس الحجة اللي بيقولها أي نصاب بينتحل صفة جهة سيادية.»
وقبل ما تنطق بكلمة، فتح باب العربية.«انزلي! إنتي مقبوض عليكي بتهمة انتحال صفة وتزوير وتكدير الأمن العام.»
نادية بصت للظباط والأمناء اللي واقفين يتفرجوا.

كانوا مترددين، بس خوفهم من طارق وعصبيته خلاهم واقفين زي التماثيل. بصت في عينه وقالت بصوت قوي يهز: «أنا على رأس أهم جهاز أمني في البلد.. اللي بتعمله ده جناية قانونية هتدفع تمنها غالي.»عبدالعال حك دقنه وقال بصوت منخفض:
«يا فندم، أنا ماليش دعوة باللي حصل بره. أنا استلمت حضرتك هنا وبس.»
«وده بالضبط اللي أنا بطلبه منك. تعمل شغلك صح، وتقول الحقيقة زي ما حصلت.»
الأمين بص وراه بسرعة، وبعدين قرب من الباب وقال:
«المقدم طارق مش بيحب حد يسأله عن قراراته.

»
نادية ردت:
«القانون مش بيتغير حسب مزاج المقدم طارق.»
الكلمة أثرت فيه، لكنه ماردش. قبل ما يمشي، نادية نادته:
«يا عبدالعال.»
لفّ.«أمك لسه عايشة؟»
استغرب السؤال.«أيوه، ربنا يديها الصحة.»
«ربنا يخليهالك. تخيل لو أمك كانت مكاني، ودخلت مكان زي ده وهي مش عارفة هتخرج إمتى، ولا ليه محدش مصدقها.

كنت تحب اللي حواليها يعملوا إيه؟»
عبدالعال نزل عينه للأرض. ماردش. لكنه لأول مرة من ساعة ما دخلت نادية القسم، حس إن الموضوع مش مجرد ورقة ومحضر وخلاص. رجع مكتبه، وفتح سجل الاستلام. لقى إن وقت دخول نادية متسجل بعد الوقت الحقيقي بأكتر من نص ساعة.

والأغرب، إن محضر الضبط نفسه مكتوب فيه إنها رفضت الإفصاح عن هويتها، رغم إنه كان سامع بعنيه إنها عرّفت نفسها أكتر من مرة. عبدالعال بص للورقة طويلًا. وبعدين سحب كرسي وقعد. كان عارف إن السكوت أسهل.

لكن لأول مرة من سنين طويلة في الخدمة، حس إن السكوت ممكن يكون أصعب قرار في حياته. الفصل التالت: المقدم اللي كان فاكر نفسه فوق الحساب
في مكتب المقدم طارق بركات، كانت الدنيا مختلفة تمامًا.

طارق قاعد على كرسيه، قدامه كوب شاي، وبيحكي للظابط اللي معاه تفاصيل القبض على «النصابة الخطيرة».قال وهو بيضحك:
«شوفت الثقة؟ داخلة عليا بكارنيه وشارة، وبتقول رئيسة الجهاز! طب ما أنا أبقى رئيس الجمهورية بكرة الصبح.»
الظابط اللي قدامه ابتسم ابتسامة مجاملة، لكنه كان متوتر.

اسمه النقيب كريم فوزي، شاب في أوائل التلاتينات، لسه عنده إحساس إن شغله المفروض يحمي الناس مش يخوفهم. قال بحذر:
«بس يا فندم، الكارنيهات شكلها رسمي جدًا. كان ممكن نراجع الجهة المختصة قبل ما نصادرها.»
طارق حط الكوباية بعنف.«إنت بتعلمني شغلي يا كريم؟

»
«لا يا فندم، أنا بس بقول إن التحقق كان هيحسم الموضوع.»
طارق وقف، ولف حوالين المكتب، وبعدين وقف قدامه.«اسمع يا ابني، أنا شوفت ناس كتير في حياتي، وعندي

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى