قصص و روايات

الراهبة

الراهبة كانت تحمل كل عام من جديد، لكن عندما وُلد طفلها الأخير، كشفت تفصيلة مرعبة كل شيء… كانت الأخت مريم تحمل للمرة الثالثة على التوالي بشكل غامض، رغم أنها تعيش داخل دير نسائي مغلق، لا يُسمح للرجال بدخوله، وهذا الأمر كان يثير قلق الأم كريمة، رئيسة الدير، أكثر فأكثر. لكن كل شيء تغيّر عندما جاءت الراهبة الشابة إليها مرة أخرى، بابتسامة هادئة، وقالت إنها تظن أنها تحمل طفلًا جديدًا. وفي هذه المرة، بدأت تفصيلة صغيرة تكشف كيف تكررت حالات الحمل «المستحيلة» مرة بعد مرة. لكن الحقيقة التي كانت الأم كريمة على وشك اكتشافها، كانت تقود مباشرة إلى قبر.

— أمي… أعتقد أنني مرة أخرى. قطعت كلمات الأخت مريم سكون الصباح داخل مكتب الدير.

مقالات ذات صلة

وخارج النافذة، كان الضوء باردًا وشاحبًا، بينما لا يزال أرض الدير الحجرية تحتفظ برطوبة الليل. وفي الممر كانت رائحة الشمع والخشب القديم والشاي بالأعشاب تفوح في المكان، إلى جانب رائحة الخبز الذي غطته الراهبات الصغيرات بمفرش مطرز بعد صلاة الفجر.

كانت مريم تحمل بين ذراعيها طفلًا رضيعًا لم يتجاوز عمره بضعة أشهر.

وبجوار ثوبها الأبيض، كان يقف صبي لم يُكمل عامه الثاني، يمسك بأطراف بأصابعه الصغيرة، وينظر إلى الأم كريمة بعينين واسعتين وهادئتين.

حتى تلك اللحظة، كانت الأم كريمة تجلس أمام دفاتر الحسابات، وجدول المناوبات، وقائمة مشتريات المطبخ.

لكن عندما سمعت تلك الكلمات، شعرت وكأن قلبها توقف.

وضعت يدها ببطء على .

— حامل؟ سألتها من جديد. مرة تانية؟

— كل حاجة بتحصل زي المرات اللي فاتت يا أمي، قالت مريم بهدوء. الغثيان، والتعب، والدوخة… وجسمي بدأ يتغير بالفعل.

كانت تتحدث وكأنها تتكلم عن شيء عادي.

عن الطقس.

عن إعداد الخبز.

عن طفل سيستيقظ بعد قليل ويطلب الحليب.

نهضت الأم كريمة.

اقتربت من الراهبة الشابة، وأخذت تتأمل وجهها، محاولة أن تجد فيه خوفًا أو أو حتى ذرة شك.

لكن وجه مريم لم يحمل سوى استسلام غريب، يكاد يكون مضيئًا.

— إنتِ فاهمة إنتِ بتقولي إيه؟ همست الأم كريمة.

— أيوه. أنا عارفة العلامات دي. حسيت بيها مرتين قبل كده.

ثم نظرت إلى الرضيع بين ذراعيها.

— طفل جديد هيجيب فرحة للبيت ده.

أغمضت الأم كريمة عينيها.

لم يطمئنها هدوء مريم ولا ابتسامتها.

بل على العكس…

زادا خوفها.

— يا أخت مريم، قالت كريمة بصوت أكثر انخفاضًا، وكأن الجدران يمكن أن تسمعهم… دي المرة التالتة. التالتة! في دير مغلق للستات. إزاي ده ممكن يحصل؟

جاءها الرد بنفس الصوت الهادئ الذي ظل يؤرقها طوال السنوات الماضية.

— معرفش يا أمي. والله ما أعرف. أنا ما دخلتش حد عندي. أنا بريئة، وإنتِ عارفة ده.

بدأت كريمة تمشي داخل الغرفة.

خطوة.

ثم توقفت.

خطوة أخرى.

كانت أصابعها تتشابك ثم تنفصل من شدة التوتر.

أنا عارفة.

ابتسمت مريم.

— بس يمكن ربنا بعتلي نعمة تانية.

لم تكن كلماتها تحمل غرورًا.

وهذا تحديدًا ما جعل الأمر أكثر .

لأن مريم كانت تؤمن بكلامها من أعماق قلبها.

المرة الأولى حدثت قبل ثلاث سنوات.

فقدت مريم وعيها في حديقة الدير، وسط التراب المبلل والخضرة، ثم استيقظت في العيادة، وانفجرت في البكاء عندما سمعت الطبيبة نبض قلب جنين داخل رحمها.

المرة الثانية حدثت قبل أن يتعلم طفلها الأول الكلام.

وفي المرتين، كانت جميع الأقفال سليمة.

ولا رجل واحد خلف بوابة الدير.

فقط بطن يكبر…

وطفل يولد…

وكلمة «معجزة» لم يجرؤ أحد على نطقها بصوت مرتفع.

— لو دي فعلًا إرادة ربنا، قالت كريمة أخيرًا وهي تحاول ألا يظهر الارتجاف في صوتها، يبقى ربنا يكتب اللي فيه الخير. لكن النهارده هجيب الدكتورة سلمى. لازم نتأكد من الحمل.

هزت مريم رأسها براحة.

— طبعًا يا أمي.

عدلت الرضيع بين ذراعيها، وربتت على رأس الصبي، ثم قالت:

— هروح أحضر اللبن لـ يوسف. أكيد هيصحى قريب.

وخرجت بخطوات هادئة ومنتظمة.

وكأن شيئًا غريبًا لم يحدث.

لكن كل شيء كان غريبًا.

بقيت الأم كريمة وحدها.

ظلت تحدق لثوانٍ في الباب الذي اختفت خلفه مريم.

ثم أنزلت عينيها.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى