منوعات

الغابة

مكن تحصل لي.
المحامي شرح لنا إن الخطوة التالية هي إجراء فحوصات وراثية رسمية، ومراجعة السجلات بالتوازي، عشان نعرف الحقيقة بشكل قاطع.
وافق الجميع.
مرت أيام الانتظار ببطء شديد.
كنت كل يوم أسأل أمي إذا كان فيه أي جديد، وكانت ترد
لسه يا حبيبتي. لازم نستنى النتيجة.
وفي صباح يوم الخميس، وصل الاتصال المنتظر.
طلبوا منا الحضور لاستلام النتيجة وشرح تفاصيلها.
رحنا المكتب، وقعدنا قدام المسؤول.
فتح الملف، وراجع البيانات، وبعدها قال
نتائج الفحوصات بتؤكد إن صوفيا هي الابنة البيولوجية لروبرت ومارجريت، وإن إيميلي وصوفيا أختان من الأب والأم.
أمي غطت وشها بإيديها، وبدأت تبكي.
أبويا نزل راسه، وفضل يردد
الحمد لله… الحمد لله.
أما أنا، فكنت حاسة بمزيج غريب من الفرح والحزن.
فرحانة إن أختي عايشة، وحزينة على 19 سنة ضاعوا من عمرنا من غير ما نعرف بعض.
بعد ما خلصنا الإجراءات، خرجنا كلنا نقعد في مكان هادي.
صوفيا كانت قاعدة جنب كلير، وأمي كانت بتحاول تتكلم معاها من غير ما تضغط عليها.
قالت أمي
أنا مش هطلب منك تناديني ماما، ومش هطلب منك تغيري حياتك. أنا بس عايزة أعرفك، وأسمع منك، وأديكي فرصة تعرفينا لو إنتِ حابة.
صوفيا بصت لها، وبعد لحظات قالت
أنا محتاجة وقت. كلير هي اللي ربتني، وهي أمي في كل الذكريات اللي عندي. لكن ده مش معناه إني مش عايزة أعرفكم.
كلير مسكت إيدها وقالت
خدي وقتك يا حبيبتي. محدش هنا هيجبرك على أي قرار.
أمي هزت راسها.
إحنا موافقين. أهم حاجة عندي إنك تكوني مرتاحة.
وبعدين صوفيا بصتلي.
إيميلي، ينفع نتكلم لوحدنا شوية؟.
وافقت، وخرجنا نقعد في الحديقة القريبة من المبنى.
فضلنا ساكتين في البداية.
وبعدين قالت
غريب إن يكون عندي أخت في نفس سني تقريبًا، وأنا ماعرفش عنها أي حاجة.
ضحكت ضحكة صغيرة وقلت
أنا كمان مش عارفة أبدأ منين.
سألتني
إنتِ كنتِ تعرفي إن عندك أخت؟.
قلت
لأ. كنت فاكرة إني البنت الوحيدة. لما بابا حكالي لأول مرة، حسيت إن كل حاجة في حياتي اتغيرت.
بصتلي بفضول.
وإنتِ زعلانة؟.
فكرت شوية، وبعدها قلت
زعلانة على السنين اللي ضاعت، وعلى إن فيه ناس كانت تقدر تقول الحقيقة بدري وسكتت. لكن مش زعلانة منك. إنتِ ماكنتيش تعرفي أي حاجة، زيي بالظبط.
ابتسمت، وكانت أول ابتسامة حقيقية أشوفها منها.
أنا كنت خايفة إنك تكوني رافضاني.
هزيت راسي.
إنتِ أختي. بس إحنا محتاجين نبني علاقتنا واحدة واحدة، من غير ما نجبر نفسنا على مشاعر مش جاهزين لها.
مدت إيدها ليا، فمسكت إيدها.
وفي اللحظة دي، حسيت إن بداية جديدة ممكن تحصل فعلًا.
مش لأن كل المشاكل اتحلت، لكن لأننا أخيرًا بقينا نعرف الحقيقة.
بعدها، التحقيق الرسمي استمر في مراجعة مسؤولية الأشخاص اللي تعاملوا مع ملف صوفيا. وتم جمع المستندات القديمة، وسماع أقوال إليزابيث وهنري وغيرهم من الموظفين السابقين.
أما إحنا، فبدأنا نتقابل بشكل منتظم.
في البداية، كانت صوفيا بتيجي مع كلير، ونقعد سوا ساعة أو ساعتين.
كنا نحكي عن طفولتنا، وعن المدارس اللي درسنا فيها، والأفلام اللي بنحبها، والأغاني اللي كنا بنسمعها.
اكتشفنا إن عندنا حاجات مشتركة كتير، رغم إننا اتربينا في بيتين مختلفين.
صوفيا كانت بتحب الرسم، وأنا كنت بحب الكتابة.
وكانت هي هادية أكتر مني، وأنا كنت بتكلم كتير لما أتوتر.
ومع مرور الوقت، بدأنا نرتاح لبعض.
في أحد الأيام، صوفيا اقترحت إننا نروح الغابة.
أول ما سمعت الكلمة، افتكرت اليوم اللي أبويا جابني فيه هناك، والخوف اللي حسيت بيه لما لقيته مخبي عني الحقيقة.
لاحظت صوفيا إن ملامحي اتغيرت، فسألتني
إنتِ مش مرتاحة للفكرة؟.
قلت لها بصراحة
المكان ده مرتبط عندي بذكريات صعبة. لكن لو هنروح سوا، ممكن أقدر أشوفه بشكل مختلف.
اتفقنا نروح في يوم يكون فيه ناس كتير، ونمشي في الطريق الرئيسي.
وقبل الرحلة، أبويا قالي
لو مش عايزة تروحي، مش لازم. مش مطلوب منك تثبتي لأي حد إنك تخطيتي اللي حصل.
ابتسمت وقلتله
أنا عايزة أروح، بس المرة دي عشان أبدأ ذكرى جديدة مع أختي.
وفي يوم الأحد، رحنا الغابة أنا وصوفيا وأمي وكلير، وأبويا كان معانا.
مشينا في الطريق الرئيسي، وضحكنا على حكايات قديمة، واتصورنا جنب الأشجار الكبيرة.
ولما وصلنا للبنش الخشب، وقفت لحظة وبصيت للمكان.
المكان اللي بدأ فيه كل شيء.
لكن المرة دي، ماكنتش لوحدي، وماكنتش خايفة.
صوفيا وقفت جنبي وقالت
تفتكري لو كنا اتقابلنا من 19 سنة، كنا هنكون عاملين إزاي دلوقتي؟.
ضحكت وقلت
غالبًا كنتِ هتزعلي مني عشان باخد ألعابك.
ضحكت هي كمان.
وأنا كنت هخبّيها منك!.
ضحكنا، وأمي بصتلنا ودموع الفرحة في عينيها.
بعد شوية، أبويا قرب منا، لكنه وقف على مسافة مناسبة وقال
إيميلي، صوفيا، أنا عارف إن اللي حصل مايتصلحش بسهولة، وإن اعتذاري مش كفاية. لكن أنا هفضل أحاول أعوضكم عن الوقت اللي ضاع، وهحترم حق كل واحدة فيكم إنها تختار علاقتها بالعيلة بالطريقة اللي تريحها.
صوفيا ردت بهدوء
أنا مش قادرة أنسى كل حاجة، لكني مستعدة أبدأ من جديد.
أمي مسحت دموعها وقالت
وده كل اللي كنا بنتمناه.
في نهاية اليوم، وإحنا راجعين البيت، بصيت من شباك العربية للأشجار اللي بتبعد عننا.
كنت فاكرة إن الحقيقة لما تظهر، هتكون نهاية كل حاجة.
لكن اكتشفت إنها ممكن تكون بداية لحياة مختلفة.
حياة فيها أسئلة كتير، وذكريات ناقصة، ومشاعر محتاجة وقت عشان تستقر.
لكن فيها كمان فرصة إننا نعرف بعض، ونبني علاقة حقيقية، من غير أسرار ولا إجبار.
أما العلبة المخملية الصغيرة، فاحتفظت بيها أمي في درج خاص، جنب صورة صوفيا وهي رضيعة.
وفي يوم، كتبت أمي على ورقة جديدة وحطتها جوه العلبة
إلى صوفيا وإيميلي، بنتيّ اللي فرّقت بينهما الأيام، وجمعتهما الحقيقة من جديد. أتمنى إن المستقبل يعوضكم عن كل لحظة ضاعت، وإنكم تفضلوا فاكرين إن الحب الحقيقي مش معناه إننا نخبي الحقيقة خوفًا من الفقد، لكن إننا نواجهها مع بعض، مهما كانت صعبة.
ومن يومها، بقى يوم الأحد مختلف في بيتنا.
ما بقيناش بنخرج عشان نهرب من الماضي، لكن عشان نعيش الحاضر.
وعرفت إن العيلة مش مجرد ناس عايشين تحت سقف واحد، ولا مجرد أسماء مكتوبة في شهادة ميلاد.
العيلة هي الناس اللي بتحترم مشاعرك، وبتقولك الحقيقة، وبتديك فرصة تختار، وبتفضل جنبك حتى لما الطريق يبقى صعب.
أما السر اللي استنى 19 سنة عشان يظهر، فكان أكبر من مجرد طفلة اختفت من السجلات.
كان درسًا قاسيًا عن الخوف، والصمت، والقرارات اللي ممكن تغيّر حياة ناس بالكامل.
والأهم من كل ده، إنه علّمنا إن الحقيقة مهما اتأخرت، لازم تفضل ليها مكان في حياتنا.
النهاية.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى