منوعات

الغابة

الظرف ده لسنين. كنت ناوية أسلمه للشرطة وقتها، لكن الإدارة قالت إن السجلات اتراجعت، وإن مفيش دليل على وجود جريمة. وبعدها، اتنقلت من المستشفى، وخفت إن أي محاولة مني تضر الأطفال اللي كانوا موجودين في الحضانة.
أمي أخدت الظرف بحذر.
جواه كانت فيه صورة من سجل قديم، وأسماء، وأرقام ملفات.
وفي آخر الصفحة، كان فيه اسم مكتوب بخط اليد
صوفيا روبرت مارجريت.
وتحته رقم ملف 47.
أبويا مسك الورقة، وفضل يبص للاسم كأنه بيشوفه لأول مرة.
قال بصوت مبحوح
ده اسم بنتي… أنا فاكر إني كتبته بنفسي في ورق المستشفى قبل ولادتها.
إليزابيث هزت راسها.
وده معناه إن فيه مستند أصلي لازم يتراجع. لكن الورقة دي لوحدها مش كفاية نعرف منها مكان الطفلة دلوقتي.
سألتها
طب الشخص اللي قلتي إننا لازم نقابله مين؟.
إليزابيث بصت لأمي، وبعدها قالت
فيه موظفة قديمة اسمها آنا. كانت مسؤولة عن نقل الملفات بين الأقسام. بعد ما سابت المستشفى، اشتغلت في مكتب سجلات مدني في مدينة تانية. هي آخر شخص شفته بيتعامل مع الملف رقم 47.
أبويا سألها
وعندك عنوانها؟.
إليزابيث طلعت ورقة صغيرة.
ده آخر عنوان أعرفه. لكن لازم تتحركوا عن طريق الجهات المختصة، وتطلبوا مراجعة السجلات رسميًا.
أمي مسكت الورقة، وقالت
هنعمل كده. مش هنسيب الموضوع من غير إجابة.
قبل ما نمشي، إليزابيث نادتني.
إيميلي، ممكن أقولك حاجة؟.
رجعت لها.
قالت
مهما كانت الحقيقة، افتكري إنك مش مسؤولة عن أخطاء الكبار. إنتِ مالكيش ذنب في أي حاجة حصلت قبل ما تتولدي، ومش مطلوب منك تصلحي كل حاجة لوحدك.
كلامها لمس قلبي.
خرجنا من دار الرعاية، واتفقنا إننا هنقدم طلبًا رسميًا لمراجعة السجلات القديمة.
لكن قبل ما نوصل للعربية، أبويا وقف فجأة.
كان فيه رجل كبير في السن واقف على الناحية التانية من الشارع.
أول ما شاف أبويا، لف وشه ومشي بسرعة.
أبويا اتغير لونه.
أمي سألته
إنت تعرف الراجل ده؟.
رد بصوت منخفض
أيوه.
سألته
مين؟.
قال
هنري.
الرجل اللي كان مسؤولًا عن ملف أختي.
الرجل اللي قال لهم إنها ماتت.
والرجل اللي اختفى من حياتهم لمدة 19 سنة.
الجزء الخامس المواجهة الأخيرة مع الدكتور هنري
أبويا اتحرك ناحية الشارع، لكن أمي مسكت دراعه.
قالتله
استنى يا روبرت. مش هينفع نواجهه بالشكل ده.
رد بغضب
بعد 19 سنة، أشوفه قدامي وأسيبه يمشي؟!.
أمي قالت
إحنا محتاجين الحقيقة، مش مشكلة جديدة. لو عندنا مستندات، نقدمها للجهات المختصة.
وقفت بينهم وقلت
ماما عندها حق. لو هو فعلًا مخبي حاجة، لازم نعرفها بطريقة ما تضيّعش الأدلة.
أبويا بصلي، وبعدها أخد نفسًا طويلًا.
عندك حق يا إيميلي.
في نفس اليوم، تواصلنا مع محامٍ، وشرحنا له كل اللي عرفناه.
قدمنا طلبًا لمراجعة السجلات الطبية القديمة، وطلبنا التحقق من صحة شهادة الوفاة والملف رقم 47.
بعد أيام من الانتظار، وصلنا رد رسمي يفيد بوجود اختلافات في السجلات القديمة، وإن الموضوع محتاج تحقيقًا أوسع.
وخلال الفترة دي، قدر المحامي يوصل للدكتور هنري من خلال عنوان عمله القديم.
اتحدد موعد لمقابلته في مكتب المحامي.
يوم المقابلة، دخل هنري وهو كبير في السن، شعره أبيض، ووشه عليه علامات التعب.
أول ما شاف أمي وأبويا، وقف مكانه.
قال بصوت منخفض
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
أبويا رد عليه بغضب
كنت عارف إننا هنكتشف إنك كذبت علينا؟!.
هنري قعد ببطء، وقال
أنا عارف إنكم شايفيني السبب في كل اللي حصل، لكن الموضوع أعقد من كده.
أمي قالت بحزم
إحنا مش جايين نسمع تبريرات. إحنا عايزين نعرف بنتنا حصل لها إيه.
هنري فتح حقيبته، وطلع ملفًا قديمًا.
قال
بعد ولادة صوفيا، حصل خطأ في تسجيل بيانات طفلتين كانتا موجودتين في الحضانة في نفس الوقت. واحدة منهما كانت محتاجة رعاية خاصة، والتانية كان وضعها الصحي أفضل.
أبويا سأله
وإيه علاقة ده ببنتنا؟.
هنري رد
فيه طفلة اتنقلت لمؤسسة طبية تانية لاستكمال علاجها، لكن الأوراق اتسجلت بطريقة خلت بياناتها تتداخل مع بيانات الطفلة التانية. لما اكتشفنا المشكلة، كان فيه ضغط كبير عشان نراجع السجلات بسرعة.
أمي قالت
يعني بنتي كانت عايشة؟.
هنري سكت للحظات.
وبعدين قال
أنا ماقدرش أقول ده بشكل قاطع من غير مراجعة كل المستندات. لكن السجل الأصلي يشير إلى إن الطفلة اللي اتسجلت باسم صوفيا خرجت من المستشفى وهي على قيد الحياة.
أمي حطت إيدها على صدرها، وبدأت تبكي.
أبويا وقف فجأة.
إنت قلتلنا إنها ماتت!.
هنري نزل عينيه.
أنا كنت مسؤولًا عن مراجعة الملف، وكان فيه تقرير وصلني من القسم الإداري يفيد بوفاة الطفلة. اعتمدت على التقرير، وبعدها اكتشفت إن فيه اختلافًا بينه وبين سجل الحضانة.
أبويا صرخ
واكتشفت ده إمتى؟!.
هنري رد بصوت ضعيف
بعد أسابيع.
أمي وقفت قدامه.
يعني كنت عارف إن فيه احتمال إن بنتنا عايشة، وسكت؟.
هنري هز راسه.
كنت خايف من الفضيحة المهنية، ومن إن المستشفى تتحمل مسؤولية الخطأ. حاولت أراجع الموضوع داخليًا، لكن الملف الأصلي اختفى، واتقال لي إن الطفلة اتسلمت لأسرتها وفق الإجراءات.
المحامي اتدخل وسأله
هل عندك مستندات تثبت الكلام ده؟.
هنري فتح الملف، وطلع نسخة من مراسلات قديمة.
كان فيها اسم آنا، الموظفة اللي إليزابيث ذكرتها.
وكمان كان فيه رقم مؤسسة رعاية أطفال استقبلت حالات طبية من المستشفى في الفترة نفسها.
المحامي طلب منه تسليم كل الأوراق للتحقيق الرسمي.
هنري وافق، لكنه قبل ما يقوم، بص لأمي وقال
أنا آسف يا مارجريت. كنت المفروض أقول لكم الحقيقة من البداية، حتى لو كان ده هيكلفني شغلي.
أمي ردت وهي بتمسح دموعها
اعتذارك مش هيرجع السنين اللي ضاعت. لكن ممكن يساعدنا نعرف بنتنا فين.
خرج هنري من المكتب بعد ما سلّم المستندات.
فضلنا قاعدين في صمت.
وبعد دقائق، المحامي قال
دلوقتي عندنا خيط واضح. لازم نتحقق من سجلات المؤسسة اللي استقبلت الأطفال، ونتأكد إذا كانت صوفيا من بينهم.
بدأت الإجراءات الرسمية.
وبعد أسابيع من مراجعة المستندات، وصلنا لاسم مؤسسة كانت بتقدم رعاية للأطفال اللي محتاجين متابعة طبية طويلة.
ومن خلال سجلاتها، ظهر اسم طفلة اتنقلت إليها في نفس يوم خروج صوفيا من المستشفى.
اسمها وقتها كان مختلفًا عن الاسم اللي اختارته أمي.
لكن تاريخ الميلاد ورقم الملف كانا متطابقين.
المحامي طلب التحقق من بيانات الأسرة اللي تولت رعاية الطفلة، مع الحفاظ على خصوصية كل الأطراف.
وبعد مراجعات طويلة، وصلنا لعنوان امرأة اسمها كلير، كانت قد تولت رعاية طفلة رضيعة في الفترة نفسها، ثم استمرت في تربيتها بعد إجراءات قانونية لم تكن جميع تفاصيلها واضحة في الملف القديم.
أمي مسكت الورقة، وعينيها مليانة دموع.
يعني ممكن تكون بنتي عندها حياة كاملة هناك؟.
المحامي رد
ممكن، لكن لازم نتحقق من هويتها الأول. مش هنقدر نجزم بأي حاجة قبل مراجعة السجلات الرسمية وإجراء الفحوص المطلوبة.
أبويا مسك إيد أمي وقال
المهم إننا بقينا قريبين من الحقيقة.
لكن الحقيقة كانت لسه مخبية مفاجأة أكبر.
لأن المرأة اللي ربت الطفلة، كلير، كانت قد أرسلت قبل أيام طلبًا رسميًا للجهات المختصة، بتقول فيه إنها اكتشفت اختلافات في أوراق ابنتها، وإنها عايزة تعرف الحقيقة كاملة.
وبكده، اكتشفنا إننا مش العيلة الوحيدة اللي كانت بتدور على إجابة.
الجزء السادس اللقاء اللي غيّر حياتنا
عدت أسابيع طويلة قبل ما يوصلنا الموعد الرسمي لمقابلة كلير وابنتها.
خلال الفترة دي، أمي ماكنتش بتنام كويس.
كانت كل ليلة تطلع الصورة القديمة، وتقعد تبص فيها بالساعات.
أما أبويا، فكان بيحاول يصلح اللي أفسده خوفه وصمته.
بقى يحكيلي عن طفولتي، وعن الحاجات اللي كان بيعملها عشان يفرحني، لكنه في نفس الوقت اعتذر لي أكتر من مرة عن الطريقة اللي جابني بيها الغابة.
قاللي في ليلة وإحنا قاعدين في الصالة
إيميلي، أنا عارف إن اللي حصل خوّفك، وعارف إن تصرفاتي كانت غريبة. أنا كنت غرقان في خوفي من إن الحقيقة تضيع تاني، ونسيت إن من حقك تفهمي كل حاجة من غير ضغط.
بصيتله وقلت
أنا مش زعلانة عشان فيه سر. أنا زعلانة عشان حسيت إني مش آمنة، وإنك مش بتقوللي الحقيقة.
هز راسه.
وعندك حق. الثقة مش بتترجع بالكلام، لكن بالأفعال. وأنا هحاول أثبتلك ده.
وبالفعل، بدأ يتعامل معايا بهدوء، وبقى يسألني إذا كنت مستعدة أسمع أي تطورات جديدة قبل ما يحكيها.
وأمي كمان بدأت تستعيد هدوءها تدريجيًا.
وفي يوم المقابلة، رحنا كلنا للمكان المحدد، وكان موجود محامٍ وممثل عن الجهة المسؤولة عن مراجعة السجلات.
بعد شوية، دخلت امرأة في أواخر الأربعينات من عمرها، ومعاها بنت في نفس سني تقريبًا.
المرأة كانت كلير.
أما البنت، فكان اسمها صوفيا.
أول ما أمي شافتها، وقفت مكانها.
فضلت تبص لملامحها من بعيد، وكأنها بتحاول تلاقي فيها ملامح طفلتها اللي فقدتها من 19 سنة.
صوفيا كانت متوترة، وبتبص حوالين المكان باستغراب.
كلير قربت مننا وقالت
أنا عارفة إن الموقف صعب على الجميع. صوفيا بالنسبة لي بنتي، وأنا ربيتها من وهي صغيرة، لكن من حقها تعرف الحقيقة، ومن حقكم تعرفوا إذا كانت فعلًا ابنتكم.
أمي ردت بصوت مبحوح
إحنا مش جايين ناخد بنت من حد. إحنا جايين نفهم إيه اللي حصل.
صوفيا بصت لأمي وسألت
إنتِ مارجريت؟.
أمي هزت راسها، ودموعها نزلت.
أيوه يا بنتي.
صوفيا سكتت شوية، وبعدها قالت
أنا عرفت من أسبوع إن فيه مشكلة في أوراق ولادتي. كلير قالتلي إنها مش عايزة تخبي عني حاجة، وإن فيه احتمال إن البيانات اللي في الملف مش كاملة.
بصتلي وسألت
وإنتِ إيميلي؟.
قلت
أيوه. أنا أختك… لو الفحوص أثبتت إننا فعلًا أخوات.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها كانت مرتبكة.
أنا عمري ما تخيلت إن حاجة زي دي

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى