منوعات

مضيفة طيران

آخر رحلة لمراتي

الجزء الأول — بقلم الكاتبة أسما السيد

— قبل ما نبدأ رحلتنا، لازم أقول لحضراتكم إن النهارده آخر رحلة لواحدة من أفضل المضيفات اللي اشتغلت معانا… الست دي كانت بتبتسم في وش كل راكب، حتى في الأيام اللي كانت بترجع فيها بيتها وتعيط من الوجع… والنهارده جوزها موجود وسطنا، ومن حقه يعرف الحقيقة اللي مراته مخبياها عنه بقالها شهور!

أول ما سمعت الكابتن بيقول الكلام ده، حسيت إن قلبي وقف.

بصيت ناحية مراتي ندى، لقيتها واقفة في آخر الممر، وإيديها بتترعش وهي ماسكة طرف الكرسي.

عينيها كانت مليانة دموع.

وقبل ما أستوعب أي حاجة، الكابتن كمل:

— أستاذ أحمد… حضرتك موجود معانا النهارده علشان تفاجئ مراتك في عيد جوازكم الاتناشر، لكن للأسف فيه مفاجأة تانية مستنياك… مفاجأة يمكن تغير حياتكم للأبد!

قومت من مكاني من غير ما أحس.

— يعني إيه؟! مراتي مالها؟! وإنت عرفت منين إني جوزها؟!

ندى جريت ناحيتي وهي بتعيط.

— أحمد، أرجوك اقعد… أنا هفهمك كل حاجة!

مسكت إيديها، وكانت ساقعة بشكل خوفني.

— تفهميني إيه يا ندى؟! هو فيه إيه؟! وإيه حكاية آخر رحلة دي؟! إنتِ هتسيبي الشغل من غير ما أعرف؟!

بصتلي ودموعها نازلة.

— أنا آسفة يا أحمد… والله ما كنت عايزة تعرف بالطريقة دي!

وفجأة، سمعت صوت الكابتن بيقول:

— الحقيقة إن مدام ندى قدمت استقالتها من شهر… مش علشان لقت شغل أحسن، ولا علشان تعبت من الطيران… لكن علشان الأطباء طلبوا منها توقف شغلها فورًا بعد ما اكتشفوا إنها مريضة بمرض خطير!

حسيت إن الأرض اتهزت من تحتي.

— مريضة؟!

بصيت لندى وأنا مش قادر أتنفس.

— إنتِ مريضة بإيه يا ندى؟!

لكنها ما ردتش.

كل اللي عملته إنها حطت إيديها على بطنها، وبدأت تعيط أكتر.

وساعتها افتكرت حاجات كتير حصلت خلال الشهور اللي فاتت… حاجات كنت بشوفها بعيني، لكن عمري ما تخيلت إنها ممكن تكون علامات على كارثة!

قبل الرحلة بست شهور…

كنت راجع من الشغل الساعة تسعة بالليل، ولقيت ندى قاعدة على الكنبة في الصالة.

كانت لابسة بيجامتها، وشعرها مربوط، وفي إيديها كوباية مية.

أول ما دخلت، ابتسمتلي.

— حمد لله على السلامة يا حبيبي.

الله يسلمك يا قلب أحمد… مالك قاعدة في الضلمة ليه؟

— مفيش، صداع بسيط.

— صداع تاني؟! ده تالت مرة الأسبوع ده!

ضحكت وهي بتحاول تغير الموضوع.

— كبرت يا أحمد… خلاص بقيت ست عجوزة.

قعدت جنبها وشديتها لحضني.

— عجوزة إيه بس؟! ده إنتِ لسه أحلى واحدة في الدنيا.

ابتسمت، لكن ابتسامتها ما وصلتش لعينيها.

وقتها افتكرت إنها مرهقة من السفر.

ندى كانت مضيفة طيران بقالها خمستاشر سنة، واتجوزنا بعد ما اشتغلت بتلات سنين.

اتعرفنا في فرح واحد صاحبي.

كنت مهندس مدني، وهي بنت جميلة جدًا، هادية، وضحكتها بتخلي أي حد قدامها يبتسم غصب عنه.

من أول يوم حبيتها.

وبعد ست شهور اتقدمتلها.

فاكر يومها أبوها قالي:

— يا ابني، ندى بتحب شغلها أوي… وإنت لازم تبقى فاهم إن حياتك معاها مش هتبقى زي أي حياة عادية.

ابتسمت وقلتله:

— أنا حبيتها زي ما هي يا عمي، ومش هطلب منها تتغير.

وفعلًا، طول سنين جوازنا، عمري ما طلبت منها تسيب شغلها.

حتى لما كنا بنختلف بسبب سفرها الكتير، كنت برجع أعتذرلها.

بس كان فيه حاجة واحدة بتوجعنا إحنا الاتنين.

إن ربنا لسه ما رزقناش بأطفال.

اتناشر سنة جواز، رحنا فيهم لدكاترة كتير، وعملنا تحاليل وفحوصات، وفي الآخر كل مرة كنا بنرجع بنفس الكلام:

— مفيش سبب واضح يمنع الحمل… اصبروا، وربنا كريم.

ندى كانت بتزعل جدًا.

خصوصًا لما تشوف أصحابها شايلين عيالهم.

لكن قدامي كانت دايمًا بتضحك.

— إحنا عندنا بعض يا أحمد… ودي نعمة كبيرة.

كنت بحضنها وأقولها:

— وإنتِ عندي بالدنيا كلها.

لكن اللي ما كنتش أعرفه إن ندى من ست شهور بدأت رحلة تانية خالص.

رحلة ما كانش فيها طيارات ولا مطارات.

كانت رحلة بين المستشفيات والتحاليل والأطباء.

وكانت بتواجهها لوحدها!

قبل الرحلة بأربع شهور…

في يوم جمعة، صحيت من النوم ولقيت ندى مش جنبي.

بصيت في الساعة، كانت سبعة الصبح.

استغربت، لأنها كانت راجعة من رحلة طويلة الليلة اللي قبلها.

خرجت أدور عليها، لقيتها واقفة في المطبخ، ماسكة طرف الرخامة ووشها شاحب.

— ندى؟!

اتخضت أول ما سمعت صوتي.

— إنت صحيت يا حبيبي؟

— مالك؟! إنتِ تعبانة؟

— لا… بس حاسة بدوخة.

قربت منها.

— طب تعالي نقعد، وأنا أعملك حاجة تاكليها.

مسكت إيدي فجأة.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى