قصص و روايات

نامت علي كتف الشيخ

اللي علمتني إني ماسيبش حد محتاجني.
ابتسم أبوها وقال
المساعدة مش معناها إنك تكسري نفسك علشان كل الناس. لازم تعرفي إنك إنتِ كمان تستحقي حد يقف جنبك.
إيما سكتت.
افتكرت كلام الرسالة.
يمكن الشخص اللي كتبها مكنش يعرف تفاصيل حياتها كلها، لكنه فهم حاجة كانت هي نفسها ناسية تفكر فيها.
إن الإنسان ممكن يفضل يساعد غيره لحد ما ينسى إنه محتاج مساعدة هو كمان.
وإن القوة مش معناها إنك تستحمل كل حاجة لوحدك.
أحيانًا القوة الحقيقية إنك تسمح لحد يساعدك، من غير ما تحس إن ده بيقلل منك.
في إحدى الليالي، بعد ما رجعت إيما من المستشفى، فتحت شنطتها علشان تدور على إيصال قديم، ووقعت عينيها على تذكرة الطيران اللي احتفظت بيها.
طلعتها، وبصت لتاريخ الرحلة.
افتكرت كل لحظة حصلت فيها.
تعبها.
خۏفها.
الطائرة.
الرجل الغريب.
البطانية.
والرسالة اللي وصلت لها في صباح اليوم التالي.
ابتسمت بحزن بسيط، وبعدها قالت لنفسها
يا ترى هو مين؟
كانت نفسها تعرف اسمه، ولو لمرة واحدة، علشان تدعي له باسمه.
لكنها مكنتش تعرف إن في نفس اللحظة تقريبًا، الشيخ راشد كان واقف قدام شباك مكتبه، بيبص لأضواء المدينة من فوق.
كان يومه طويل، واجتماعاته مرهقة، لكنه قبل ما ينام، سأل مساعده سؤال واحد
في أي جديد عن حالة والدها؟
المساعد رد
المستشفى أكدت إن الفحوصات المطلوبة اتعملت، وإن خطة العلاج ماشية حسب تعليمات الفريق الطبي. مفيش حاجة مطلوبة من حضرتك في الوقت الحالي.
الشيخ راشد أومأ برأسه.
كويس. خلاص، متتابعش الموضوع أكتر من كده إلا لو المستشفى طلبت إجراء إداري متعلق بالدعم.
حاضر يا سيدي.
المساعد كان هيمشي، لكنه وقف للحظة وقال
سيدي، لو تسمح لي البنت دي محظوظة إن حضرتك كنت موجود في الرحلة دي.
الشيخ راشد الټفت له، وملامحه رجعت للجدية المعتادة.
مش موضوع حظ. أنا كنت قادر أساعد، فساعدت.
وبعدها أضاف
وفي ناس كتير غيرها محتاجة فرصة. متخليش الموضوع يقف عند الحالة دي.
المساعد فهم قصده، وأومأ برأسه.
خرج من المكتب، والشيخ راشد رجع يبص للمدينة.
كان عارف إن اللي عمله مش هيغير العالم.
ومش هيحل كل مشاكل الناس.
لكن بالنسبة لإيما، المساعدة دي كانت ممكن تفرق بين إنها تفضل غارقة في الخۏف والعجز، وبين إنها تقدر تركز على علاج أبوها.
وأحيانًا، الفرق ده لوحده بيكون كبير جدًا.
أما إيما، فكانت كل ما تقابل حد تعبان في المستشفى، تفتكر نفسها في الطيارة.
كانت بتفتكر إزاي كانت منهكة لدرجة إنها نامت من غير ما تحس، وإزاي الشخص اللي جنبها كان ممكن يعاملها بقسۏة، لكنه اختار يتعامل معاها برحمة.
وده خلاها تبص للناس بشكل مختلف.
بقت تحاول تلاحظ المړيض اللي ساكت ومش بيشتكي، والأم اللي بتفضل واقفة جنب سرير ابنها لساعات، والعجوز اللي بيحاول يخبي خوفه علشان ميثقلش على أولاده.
مكنتش تقدر تحل كل
مشاكلهم، لكنها كانت بتحاول تسمعهم، وتساعدهم باللي تقدر عليه.
وفي يوم، دخلت عليها مريضة كبيرة في السن، وكانت مرتبكة لأنها مش قادرة تدفع تكلفة بعض الإجراءات المطلوبة.
إيما سمعت قصتها، وبعدها ساعدتها تتواصل مع قسم الدعم الاجتماعي في المستشفى، وشرحت لها إزاي تقدم طلب المساعدة.
الست مسكت إيدها وقالت
ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي. أنا كنت فاكرة إني هفضل لوحدي.
إيما ابتسمت، وحست بقلبها بيدفى.
متقلقيش يا حاجة. هنشوف إيه اللي نقدر نعمله.
بعد ما خرجت المړيضة، إيما رجعت لمكتبها، وفتحت الدرج اللي كانت حاطة فيه الرسالة.
قرأت الكلمات مرة تانية.
فرصة يرتاح فيها شوية، ويبطل يحارب لوحده.
حست إن الرسالة مبقتش مجرد ذكرى من رحلة طيران غريبة.
بقت تذكير ليها إن الخير ممكن يبدأ من تصرف صغير، وإن الإنسان ساعات مش بيحتاج حد ينقذه من كل مشاكله، قد ما بيحتاج حد يخفف عنه جزء من الحمل.
مرت شهور، وحياة إيما بدأت ترجع تدريجيًا لطبيعتها.
أبوها استمر في العلاج والمتابعة الطبية، وهي بدأت تنظم شغلها بشكل أفضل، وطلبت من إدارة المستشفى تقلل عدد الورديات المتواصلة اللي كانت بتاخدها.
مكنش كل يوم سهل، ولسه في أيام كانت بتقلق فيها من نتائج الفحوصات، أو تتعب من ضغط الشغل.
لكنها مبقتش بتحس إنها محاصرة بنفس الطريقة القديمة.
بقى عندها أمل.
وبقى عندها يقين إن طلب المساعدة مش عيب، وإن الحياة أحيانًا بتفتح باب من مكان مكنتش تتوقعه.
أما الشيخ راشد، ففضل بعيد عن المشهد تمامًا.
لا اتصل بإيما.
ولا طلب منها تشكره.
ولا حاول يدخل حياتها.
بالنسبة له، الحكاية انتهت عند اللحظة اللي عرف فيها إن المساعدة وصلت، وإن المستشفى قدرت تكمل الإجراءات المطلوبة.
لكن إيما فضلت محتفظة بالرسالة، وكانت بتفتكرها كل ما تحس إن الدنيا ضاقت بيها.
وفي كل مرة، كانت بتتساءل عن الراجل اللي قدر يعمل حاجة عظيمة من غير ما يسيب حتى اسمه.
هل كان فعلًا هو الشيخ راشد اللي الناس پتخاف منه؟
هل كان ده نفس الرجل اللي بيقولوا إنه قاسې ومش بيرحم حد؟
ولا إن الناس كانت شايفة جانب واحد بس من شخصيته؟
مكنتش عندها إجابة مؤكدة.
لكنها كانت عارفة إن الراجل ده، في لحظة واحدة، عاملها باحترام ورحمة، من غير ما يعرف عنها غير إنها بنت تعبانة وخاېفة على أبوها.
وده كان كفاية علشان تفضل فاكرة الموقف طول عمرها.
وفي يوم، وهي راجعة من المستشفى، وقفت إيما قدام محل صغير، وشافت طفل واقف جنب أمه، بيعيط لأنه كان تعبان ومش قادر يكمل مشي.
الأم كانت شايلة شنط كتير، وواضح عليها الإرهاق.
إيما قربت منها وسألتها إذا كانت محتاجة مساعدة، وبعدها ساعدتها توصل لمقعد قريب، وجابت للطفل مية.
الأم شكرتها بحرارة.
إيما ابتسمت وقالت
مفيش داعي للشكر. كلنا ساعات بنحتاج حد يقف جنبنا.
وهي بتقول الجملة دي، افتكرت نفسها على الطيارة.
افتكرت البنت اللي نامت على كتف غريب من غير قصد، وافتكرت الراجل اللي بدل ما يحرجها، غطاها ببطانية.
وبعدين افتكرت الرسالة.
يمكن الشيخ راشد كان عنده ملايين، ويمكن كان يقدر يشتري أي حاجة تخطر على باله.
لكن الحاجة اللي قدمها لها في اللحظة دي مكنتش مجرد فلوس.
كانت راحة من الخۏف.
كانت فرصة إنها تركز على أبوها.
وكانت إحساس إنها مش لوحدها في معركتها.
وعلشان كده، عمرها ما نسيت الرحلة دي، ولا نسيت الراجل اللي نامت على كتفه من غير ما تعرف إنه هيكون سبب في تغيير أصعب أيام حياتها.
وفي النهاية، يمكن الشيخ راشد فضل بالنسبة للناس رجل الأعمال القوي اللي محدش يقدر يعارضه، لكن إيما شافت منه جانب مختلف تمامًا؛ جانب اختار يساعد من غير ضجة، ويحافظ على كرامة إنسانة غريبة، ويخلي فعل الخير أهم من إن حد يعرف مين اللي عمله.
لأن مش كل إنسان قوي لازم يكون قاسې، ومش كل إنسان غني لازم يكون بعيد عن ۏجع الناس.
أحيانًا، أعظم تصرف ممكن تعمله مش إنك تنقذ العالم كله
لكن إنك تشوف إنسان بيحارب لوحده، وتقرر تخفف عنه الحمل، من غير ما تطلب منه أي حاجة في المقابل.
وساعات، مجرد بطانية على كتف شخص مرهق، أو مصاريف علاج بتتشال من فوق قلب أب وبنته، بتكون بداية أمل عمره ما كان هييجي في بالهم.
النهاية.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى