قصص وروايات

رفضت تقوم من كرسي الطيارة

ست رفضت تقوم من كرسي الطيارة اللي دافعة فلوس زيادة عشانه لكن بعد الإقلاع، بنتي اللي عندها 10 سنين وقفت، وسألتها سؤال خلّى الطيارة كلها تسكت! يا مدام، أنا مش عايزة أحرج حضرتك قدام الناس بس ممكن تقوليلي إنتِ هتعملي إيه لما المضيفة تكتشف الحاجة اللي إنتِ مخبياها تحت رجلك؟

 

السؤال ده خرج من بق بنتي الصغيرة بصوت هادي، لكنه كان كفاية يخلي عشرات الركاب يوقفوا كلامهم في نفس اللحظة.

الست اللي كانت من شوية بتزعق، ورافضة تتحرك من الكرسي اللي مش بتاعها، اتجمدت مكانها. ابتسامتها المستفزة اختفت، وإيديها اتحركت بسرعة ناحية الأرض، كأنها بتحاول تخبي حاجة قبل ما حد يشوفها.

أما أنا، فكنت واقفة في آخر الطيارة، شايلة ابني الرضيع اللي لسه مكملش خمس أسابيع، ومش فاهمة بنتي اكتشفت إيه بالضبط.

لكن قبل ما أحكيلكم اللي حصل بعد السؤال ده، لازم أرجع شوية لورا، وأحكيلكم إزاي رحلة كان المفروض تكون مجرد سفر عادي، اتحولت لموقف عمري ما هنساه.

أنا أم لطفلين، بنت عندها عشر سنين، وولد صغير لسه مولود من أسابيع قليلة. ومن وقت ما جبت ابني، حياتي اتقلبت رأسًا على عقب.

النوم بقى رفاهية، والخروج من البيت بقى محتاج استعداد كأننا داخلين مهمة مستحيلة. شنطة البيبي لوحدها كانت بتحتاج شنطة تانية، وكل مرة أخرج فيها كنت بتأكد من الحفاظات والرضاعات والملابس الاحتياطية والمناديل، وأرجع أتأكد مرة تالتة قبل ما أقفل الباب.

أما بنتي، فكانت بتحاول تتصرف على إنها كبرت فجأة.
كانت تساعدني في حاجات بسيطة، تجيبلي الحفاظة لما أطلبها، وتلم ألعابها من غير ما أزن عليها، وأحيانًا كانت تقعد جنب أخوها الصغير وتغنيله بصوت واطي لحد ما ينام.

لكن رغم كل ده، كانت لسه طفلة.
كانت محتاجة حد يطمنها، ويلعب معاها، ويسمع حكاياتها الطويلة، ويقولها إنها مش مضطرة تبقى كبيرة طول الوقت لمجرد إن عندها أخ صغير.

وعشان كده، لما اضطريت أسافر بيهم لوحدي، كنت متوترة جدًا.
الرحلة ما كانتش طويلة بشكل مرعب، لكنها كانت أول مرة أركب فيها طيارة وأنا مسؤولة عن طفلين من غير أي حد يساعدني.

كنت عارفة إن ابني ممكن يعيط وقت الإقلاع، وإن تغيير الضغط ممكن يضايقه، وإن بنتي ممكن تتعب أو تجوع أو تحتاج تدخل الحمام في وقت أنا فيه بحاول أهدّي الرضيع.

عشان كده خططت لكل حاجة على قد ما أقدر.
حجزت التذاكر بدري، واخترت كرسيين جنب بعض في مكان واسع نسبيًا، ودفعت مبلغ إضافي عشان يبقى عندنا مساحة أكبر للرجلين.

كان الكرسي اللي جنب الشباك لبنتي، عشان كانت بتحب تتفرج على السحاب، والكرسي اللي جنبه ليا، عشان أقدر أشيل البيبي وأتحرك من غير ما أضايق حد.

بالنسبة لي، الفلوس الزيادة دي ما كانتش رفاهية.
كانت تمن راحة بسيطة محتاجاها جدًا في أول رحلة ليا بعد الولادة.
كنت عايزة أقعد جنب بنتي، وأقدر أطمن عليها، وأرضع ابني لو احتاج، وأحاول أخلي الرحلة تعدي من غير ما أحس إني بحارب العالم كله.

في صباح السفر، صحيت بدري جدًا.
حضرت هدوم بنتي، ولبّستها جاكيت خفيف، وحطيت لعبتها الصغيرة المفضلة في شنطتها. وبعدها جهزت شنطة البيبي، وراجعت التذاكر وبطاقات الصعود أكتر من مرة.

بنتي كانت واقفة عند باب الشقة، ماسكة شنطتها الصغيرة، وبصالي بابتسامة.
قالت ماما، هو أنا هقدر أشوف السحاب من الشباك؟
ابتسمت وقلت لها طبعًا. ده كرسيك مخصوص، وهتفضلي جنب الشباك طول الرحلة.

سألتني بحماس ولو شفنا السحاب قريب مننا، هقدر ألمسه؟
ضحكت وقلت لو عرفتي توصلي له من الشباك، ابقي نادي عليا!
ضحكت هي كمان، وللحظة حسيت إن كل التعب اللي كنت فيه اختفى.
ما كنتش أعرف إن بعد ساعات قليلة، نفس البنت دي هقف قدام طيارة مليانة ناس، وتتصرف بشجاعة أكبر من سنها.

وصلنا المطار، وعدينا الإجراءات، وبعد انتظار طويل وصلنا لبوابة الصعود.
ابني كان نايم على صدري، وبنتي قاعدة جنبي بتتفرج على الطيارات اللي بتتحرك برا الزجاج.

كل شوية كانت تسألني عن حاجة، وأنا أجاوبها وأنا بحاول أوازن بين شنطة البيبي والموبايل وأوراق السفر.
لما بدأوا ينادوا على الركاب للصعود، حسيت بتوتر بسيط.
قلت لنفسي إن أصعب جزء هيكون إننا نوصل لمقاعدنا ونستقر، وبعدها الأمور هتبقى أسهل.

لكن أحيانًا المشكلة مش بتكون في الحاجة اللي أنت مستعد لها.
المشكلة بتكون في شخص واحد قرر إن القواعد ما تنطبقش عليه.

دخلنا الطيارة، ومشينا في الممر لحد ما وصلنا للصف رقم 12.
كنت ببص على أرقام المقاعد، وبراجع التذاكر، لحد ما وقفت فجأة.
في ست قاعدة على كرسي بنتي اللي جنب الشباك.
مش بس قاعدة.
دي كانت متمددة براحتها، حاطة شنطتها ومعطفها على الكرسي اللي المفروض أقعد عليه، ورجلها الحافية مسنودة على الحيطة الجانبية، وكأنها في بيتها.

كانت لابسة سماعات كبيرة، ومغمضة عينيها، ومستريحة بطريقة توضح إنها مش ناوية تتحرك بسهولة.

بصيت على رقم الصف مرة تانية.
وبصيت على التذاكر.
نفس الرقم.

قلت لنفسي يمكن حصل سوء تفاهم، أو يمكن الست أخطأت في رقم الكرسي.
قربت منها بابتسامة هادية، وقلت لو سمحتي، أعتقد إن دي الكراسي بتاعتنا.
فتحت عين واحدة وبصتلي.
وبعدها بصت للبيبي اللي نايم على صدري، ورجعت السماعات في ودنها من غير ما ترد.

افتكرت إنها يمكن ما سمعتنيش، فكررت كلامي بصوت أوضح شوية.
حضرتك، معلش، الكرسي ده محجوز لبنتي، والكرسي اللي جنبه محجوز ليا.
شالت سماعة من ودنها، وبصتلي بنفاد صبر.
قالت أنا استقريت مكاني خلاص.

افتكرت إني سمعت غلط.
قلت معلش؟
ردت بنفس البرود يعني إيه معلش؟ أنا قاعدة ومرتاحه، ومش هقوم كل شوية عشان كل واحد عايز يقعد في مكان معين.

طلعت تذاكر الصعود من إيدي، ووريتهالها.
دي أرقام المقاعد بتاعتنا. حضرتك غالبًا حصل عندك خطأ.
بصت للتذاكر بسرعة، وبعدها قلبت عينيها بضيق.
هو أنا ناقصة وجع دماغ؟

حاولت أتماسك.
أنا مش عايزة أعمل أي مشكلة. كل اللي بطلبه إن كل واحد يقعد في مكانه المحجوز.
ضحكت ضحكة قصيرة، وقالت الأمهات اللي معاهم أطفال دايمًا فاكرين إن الدنيا كلها لازم تلف حواليهم! إنتِ اللي اخترتي تسافري ومعاكي طفلين، ودي مش مشكلتي.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى